رأي

ليست أزمة اقتصادية أو سياسية بل هي أزمة أخلاق

رشيد مصياح

ـــــــــــ

جلست مع صديقي الدكتور بعد الصّلاة، نتبادل الأخبار. لم اعهد صديقي، صاحب تلك الرّوح المرحة، بهذا التشاؤما أردت دغدغته، فطلبت منه أن يتكلّم قليلاً باللّهجة “الشاويّة ” المحليّة، للتّرفيه عن أنفسنا، وحتّى ننسى هموم الدنيا ومآسيها فكلّ أيّامنا “آهات وأحزان”. قال لي بالحرف الواحد : ” كرهت الحياة وما فيها”اا؟ .

لمَ هذا التشاؤم وصديقي طبيب دكتور، وكل وسائل الحياة متوفّرة لدى أمثاله من الأطبّاء؟اا “

سؤال محيّر راح يجول في خاطري؟اا

كل شيء أصبح متوفّرًا في ربوع هذا الوطن الغني الكبير . حتّى القنوات الإعلامية المتوفّرة بكثرة، ببرامجها التّافهة ومستواها الهابط الذي يشعرنا بالرّغبة في التفيّؤ أحيانًا . وقد تسبّبت في مساءلة وزير الإعلام نفسه، من طرف نواب في “بر الأمان”، والذين صار همّهم الوحيد الامتيازات و الرّواتب الكبيرة التي يسألون عنها في كل حين ولحظة … وزير إعلام خرج ينتقد برامج ” تلفزيونيه” الرّمضانيّة، وماذا عنّا نحن ” العبيد “اا؟

لم يعد يميّز بين المشاهد “الكريم”، كما يحلو لأصحاب الشّاشة المتلوّنين مناداته بهذا الإسم، وبين ما يُعرض من خلال جهاز يتلقّى ” الوحي ” من هوائي مفعّر، سوى الإعلانات التّجاريّة الخادعة التي تروّج للسّلع و البضائع على حساب عقولنا وراحة بالنا . حتّى غدت أدمغتنا مجرّد أوعية للأستهلاك والتّخزين اا؟ فكيف سنمضي بقيّة حياتنا ونحن ” نأكل لنعيش أم نعيش لنأكل؟ ” . سؤال آخر راح يراودني؟اا

فقدت الشّاشة بريقها بعدما أُفرِغت من محتواها الفكري والأخلاقي، ولم يبق منها تقريبًا سوى الدّعاية التي تأتي لتذكّرنا بالأسواق وملء البطون، وقد أخذت حصّة الأسد .

يكاد الأمر يكون طبيعيًّا، مقارنة بفئة كبيرة من ” القطيع “، السّواد الأعظم الذي لايهمّه سوى تمضية الأوقات في الأكل واللّهو والعبث، فنحن في كوكب ممسوخ يعجّ بالقُمامة . لولا أن الأمر أخذ بعدًا آخرًا؛

ففي ثمانينات القرن الماضي، وقبل أن تعلو مقعّرات ” البرابول ” الهوائيّة أسطح المباني وواجهاتها، قامت قناتنا “اليتيمة ” المحترمة، تدعو المثقّفين الأحرار لمواجهة “غزوٍ فكريّ” على الأبواب، وحرب خطيرة يشنّها الغرب ضدّ القيّم والمبادئ والأخلاق . لكن الموضوع الخطير لم يلبث أن غاب بعد ذلك عن الأنظار وطويت صفحته .

الغزو الفكري الذي نبّهنا إليه مخلصون أحرار، بات اليوم ” أمر عادي ” و”واقع معتاد”.. من مظاهره، موجة البرامج السّاقطة، ” فوازير “، و تمثيليّات، و” سكيتشات ” لا تفرّق بين السّخرية والمهزله، أبطالها ” كاسيات عاريات مميلات مائلات ” وشباب ضائع، لم يجد من يأخذ بيده، فصار آلة لكلّ من يريد أن يستنسخ الآفات.

حتى أنّه لم يعد للمبادئ ولا للقيّم والأخلاق مكانة في قلوب هؤلاء الشباب ” المُستنسَخ “. وصدق الفقيد الرّئيس الرّاحل (بن يوسف بن خدّة)، رحمة الله الواسعة عليه وعلى أمثاله من الرّجال، حين قال بأن الأزمة في البلاد : ” ليست أزمة سياسية ولا أقتصاديّة، بل هي أزمة أخلاق ” .