رأي

منهج الفكر الاسلامي في اراء الفقهاء لا علاقة له بمنهج القرآن الكريم

 

 

 

 

 

من حق المسلمين ان يتسائلوا عن منهج الفكر الاسلامي الذي يتحدث به الفقهاء اليوم، وهل ان منهجهم يتطابق مع ما ورد في القرآن الكريم والسُنة النبوية الشريفة، ام ان هناك خلاف واختلاف بين المنهجين في النظرية والتطبيق …؟

الملاحظ ان منهج الفكر الاسلامي الذي طرحه فقهاء الدين يتعارض والمنهج الاسلامي الذي ورد في القرآن الكريم . فمنهجهم اعتمد على ان المعرفة الحقيقية تعتمد على صور ذهنية خارج الوعي الانساني لا تقابلها اشياء في الواقع (الغيبيات الكلية)، بينما منهج الفكر القرآني جاء معززاً لنظرية المعرفة الانسانية المادية التي هي خارج الذات الأنسانية، بأعتبار ان وجود الاشياء خارج الوعي الانساني هو عين حقيقتها. لذا فالمنهج القرآني يرفض نظرية الفلاسفة المثاليين التي تدعي ان المعرفة هي استعادة افكار موجودة مسبقاً.ان الفرق بين المنهجين يتضح في قول الحق: “والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة لعلكم تشكرون، النحل 78”.

وهذه الآية الكريمة هي أثبات للفلسفة الانسانية المعاصرة، التي تعتمد المعرفة العقلية التي تنطلق من المحسوسات عن طريق الحواس كالسمع والبصر، للوصول الى المعرفة النظرية المجردة. من هذا التصور لا يمكن قبول الاعتراف بالمعرفة الأستشراقية الألهامية الخاصة بأهل العرفان وحدهم.لذا ظلت الصوفية والاشعرية مجرد تصورات طوباوية لا طائلة من ورائها في العمل والتثبيت ولايمكنهما من تحقيق نظرية التطور العلمي عبر الزمن.

ان اهل الفلسفة المثالية يدعون ان هناك فراغا في الكون، لكن الفلسفة المعاصرة تنفي هذا الفراغ المادي، بل كل ما يدعون من فراغ هو فراغ مادي، لان الفراغ شكل من اشكال المادة، والعقل الانساني قادر على ادراكه وما فيه، لذا فأن العلم لا يعترف بوجود عالم غير مادي يعجز العقل عن ادراكه . من هنابدأت فكرة حركة أحياء العلوم المادية التي ادت الى النهضة العلمية في اوربا والعالم .

ان منهج المعرفة الانسانية مرتبط بالتفكير المشخص والمحدد بحاستي السمع والبصر، وبالتدريج ارتقى المنهج الى مرتبة التفكير المجرد العام.من هنا فان عالم الشهادة والغيب الذي ورد في القرآن هو عالم مادي شمل بأنفتاحيته كل العوالم الاخرى التي اصبحت ضمن العالم المادي، يقول الحق: “وقل أعملوا فسيرى الله ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون”، التوبة 105.، لكن المشكلة ضلت عالقة دون تفسير بسبب ان العلم الانساني لم يبلغ مرحلة التمكن من معرفته في ذلك الزمن المتقدم .

ولقد اثبتت التجارب العلمية الحديثة ان لا تناقض بين ما جاء في القرآن الكريم وبين الفلسفة المادية الواقعية، لكن معرفة هذه العلوم تنحصر بفئة الراسخين في العلم، لذا فان القرآن وبهذا العمق اللغوي لا يمكن ان يخضع للتفسيرالفقهي القاصر عن الادراك المادي، بل للتأويل من جمهرة علماء التخصص مجتمعين لا منفردين، يقول الحق:( وما يعلمُ تأويلهُ الا الله والراسخون في العلم، آل عمران آية 7).وفي ضوء هذا التصور يمكننا ان نرى او نكشف الضوء على احداث المنجزات العلمية الهائلة التي ابتكرها العقل الانساني اليوم.

لقد طرح القرآن النظرية العلمية المادية في ظهور الكون المادي نتيجة الانفجار الاول، والذي سيعقبه الانفجار الثاني الذي على اثره سيتكون العالم المادي الجديد ذات الطبيعة الكونية المغايرة، وهذا ما ندعوه بالحياة الأخرة، والعودة للحياة الدنيا كما في قول الحق: “ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض الا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى فأذا هم قيام ينظرون”، الزمر 68.هنا جاءت الفلسفة القرآنية مادية علمية بالدليل والبرهان.

لذا فان الفلسفة المثالية المبهمة واراء الفقهاء الذين عجزوا عن تفسير الكثير من الايات الكريمة لهي تتناقض مع التأويل القرآني، وبهذا التوجه الخاطىء في معرفة لغة ومقاصد القرآن قد أدركنا حجم المعرفة الآلهية والانسانية معا .وحين دخل التفسير مرحلة النقاش العلمي قالوا: ان بعض الآيات القرآنية لا تفسر وان بعض الحروف التي جاءت في اول السور القرآنية كما (في ن والقلم وياسين )، هي حروف زائدة، بينما هي حروف كل منها جزء من آية قرآنية لم يدركوا سر نزولها.

ان الطريقة المثلى لدراسة الآيات القرآنية تتطلب معرفة صياغة خاصة يجب ان يتوفر فيها شرطان هما: ثبات النص المقدس، والثاني حركة المحتوى، وهذا ما قاله القرآن الكريم بالتشابه، (ولله المثل الأعلى) .

وحين ادركت المسيحية هذا التصور القرآني بعد حركة النهضة الاوربية، قضى العلم المادي عندهم على التصور التوراتي في تفسير القرآن، فاثبتوا ان ما جاء في القرآن كان هو الصحيح، في خلق الكون المادي وعمر الانسان، كما في قول الحق:” أو لم يرَ الذين كفروا ان السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون”، الانبياء 30، ولهذا وصفت التوراة والأنجيل بأنهما هدىً للناس، آل عمران3-4، ولكنهم لم يهتدوا الى الحقيقة القرآنية الا بعد الدراسات التأويلية للنص القرآني المقدس من قبلهم، في وقت بقينا نحن المسلمون خارج هذا التصور الصحيح، ففرقتنا الفلسفة المثالية المنغلقة التي وقفت حائلا دون التقدم العلمي الصحيح، من اجل انتبقى مؤسسة الدين هي صاحبة الكلمة العليا في تقرير مصير المسلمينوهذا ما كان .

واذا بقينا نهرول خلف الفقهاء ورجال الدين وانغلاقيتهم في الفكر والتطور الحضاري الذين خلقوا لنا المذهبية المرفوضة التي لا نص لها في التنزيل الحكيم، وخلقوا لنا الف مشكلة نعاني منها اليوم من اجل الفرقة والتفريق كما في الوطن العربي اليوم الذي قسموه الى تسميات فرقية ما انزل الله بها من سلطان ولا زالوا يصرون. سوف لن نحصد الا الريح كما نحن اليوم .

من هنا نفهم لماذا النبي محمد (ص) لم يأمر بتأويل القرآن في عهده، لان فيه مفاتيح عامة للفهم يريد من العلماء ان يساهموا في التأويل فيها كي لا تتجمد حركة احياء العلوم عندهم، لان الزمن يلعب دورا في عملية التغيير، وحتى لا يظهر القرآن وكانه كتاب جامد لا يسمح بالتطور والتغييرعبر الزمن .

لكن اين لنا من العلماء والفلاسفة الذين ادركوا هذا التوجه النبوي المكين، فبقينا الى اليوم خارج التاريخ …؟. وسنبقى ما دمنا نملك حكومات لا تسمع ولا تسمح، بالتغيير حفاظا لمصالحها لا لمصالح جمهرة المواطنين، لأنها اصلاً هي غير مؤهلة لادارة دولة التغيير والتطوير.

 

د.عبد الجبار العبيدي