المغرب الكبير تحقيقات

الإرهاب في تونس… سجلّات العنف والمواجهة

عمار بن خمودة

ــــــــــــــــ

لا يمكن الوصول إلى تعريف موحّد للإرهاب مادامت المنطلقات المعرفيّة مختلفة ومادامت زاوية الحكم على الظاهرة محكومة بمواقف المؤوّل ؛ فقد يتحوّل الطرف المُدين إلى مُدَان، وقد يهب البعض “الإرهاب” شرعيّةً ما، اعتمادا على منطق المحاكاة وردّ الفعل. فلا يخفى أنّ المُصطلح يمكن أن يتوسّع، فيشمل إرهاب القوى العظمى في العالم أو الحكّام المستبدّين أو السياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة القائمة على الهيمنة وإهدار حقوق الدّول الضعيفة، فضلا عن كونه يمكن أن ينحسر فيتعلّق بجماعات تمارس “فعلا منظّما من أفعال العنف أو التهديد به، يسبّب فزعا أو رعبا من خلال أعمال القتل أو الاغتيال أو حجز الرّهائن أو اختطاف الطائرات أو تفجير المفرقعات وغيرها مما يخلق حالة من الرّعب أو الفوضى والاضطراب.

إنّ معضلة تعريف الإرهاب تظلّ قائمة مادام محكوما بزاوية النظر، ولذلك يزعم البعض أنّ “تعريفاته الرّسمية المعاصرة تحمل في طياتها خللًا منطقيًا، لكونها تركّز على هويّة الفاعل (من غير الدّول)، وليس على هوية الضحية. وبموجبها، يُعدّ العنف ضد المدنيّين وغير المدنيّين لأهداف سياسية إرهابًا ،إذا كان مرتكبُه فردًا أو مجموعة أفراد، أو تنظيمًا من خارج مؤسّسات الدّولة.  ولكن هذه الرؤية التي تضع الإرهاب محلّ سؤال انطلاقا من دوافع علميّة لم تكن حائلا دون إيجاد تعريف قانوني للإرهاب في كثير من الدّول. فعرّفته أغلب الدساتير بأنّه جريمة واضحة المعالم لا اختلاف فيها، وهي تعريفات تندرج في سياق احتكار الدّولة لشرعيّة العنف وتجريمها كلّ من يمارسه في إطار فردي أو جماعيّ يخرق القانون.  ولم تخل التعريفات العلميّة بدورها من إشكاليات التعميم والإطلاق، إذْ كثيرا ما ينساق الباحث وراء الحديث عن ظاهرة الإرهاب العالميّ وعلاقته البنيويّة بالإسلام متجاهلا خصائصه المرتبطة ببيئته الاقتصاديّة والاجتماعيّة وجدله مع النظام الدولاتي؛ فالحكم على الظاهرة بأنها إرهابيّة لا يمكن أن يكون حكما يعفينا من البحث عن خلفيّاتها ومقاصدها. ولذلك، فلا يمكن علميّا مقاربة الإرهاب بصفة عامّة والحال أنّ مفهومه العلميّ محلّ اختلاف وإن ائتلفت مفاهيمه القانونيّة. ولئن وحّدت بعض التنظيمات كثيرا من الموسومين عند خصومهم بالإرهاب، فإن تعميم التسمية لا يمكن أن يحجب خصوصيّتها وارتباطها بالنظام الدولاتي الذي مارست فيه عمليّاتها العسكريّة وعنفها المشرعن باسم الدين. ولذلك، فإن دراسة عيّنة من تلك الجماعات يمكن أن تنأى بالبحث عن التعميم الذي يخدم وظيفة الإدانة الإيديولوجيّة والأهداف السياسيّة، فيسهم التخصيص في تفكيك الظاهرة وتقديم تصوّر واقعيّ لحقيقتها في إطار البيئة التي نشأ فيها، وهو مقصدنا من تناول الظاهرة في تونس.

إن النّاظر إلى الأحداث الإرهابيّة في تونس ليلحظ أنّها قامت في فترتين يفصل بينهما قيام الانتفاضة الشعبية وسقوط نظام ابن علي. فأمّا الفترة الأولى، فقد كان منطلقها تفجير جربة عام 2012 ، إذ قام أحد المنتمين إلى تنظيم القاعدة بتفجير انتحاريّ استهدف اليهود الذين كانوا يؤدّون طقوس “زيارة معبد الغريبة”، ثمّ تحوّلت وجهة الإرهاب بعد ذلك من استهداف المختلفين دينيّا إلى استهداف قوات الأمن والجيش. وما نلاحظه من خلال الحادثتين، أنّ العمليّات الإرهابيّة كانت تندرج في سياق الانتماء إلى تنظيم القاعدة وشهدت تطوّرا نوعيّا من عمليّة فرديّة إلى عمليّة تنفّذها جماعة أطلقت على نفسها اسم “جيش أسد بن الفرات”. ومثّلت تحدّيا حقيقيّا لقوات الأمن والجيش. ولئن بدت العمليّة الأولى ذات خلفيّة دينيّة واضحة استهدفت اليهود أثناء أدائهم لطقوسهم، فإنّ العمليّة الثانية قد كشفت أهدافها السياسيّة، وهي زعزعة أركان النظام السياسي القائم والاستيلاء على السّلطة. فقد كان نشاط الخليّة وحربها ضدّ الدولة قريبين نسبيا من مركز العاصمة واستهدفت العمليّة أجهزة الأمن والجيش.

أما بعد الرّابع عشر من يناير، فقد تعدّدت الأحداث الإرهابيّة وشهدت نسقا تصاعديّا في ظلّ انتشار الفوضى ومناخ الحريّة اللذان وفّرا أرضيّة ملائمة للدّعوة ونشر “الفكر الدينيّ المتطرّف” في المساجد وأمام المدارس والمعاهد والكليات وفي الساحات العامة والملاعب الرياضيّة. وألغيت في تلك الفترة، كلّ أشكال المنع والرقابة واعتلى دعاة العنف منابر الدعوة حثّا على الجهاد وأمرا بالموت والشهادة في سبيل الله. واتّجهت العمليات الإرهابيّة من المناطق البعيدة عن المراكز الحضريّة المهمّة في تونس مثل بئر علي بن خليفة (تبعد حوالي 60 كلم عن مركز ولاية صفاقس) والرّوحية (تبعد حوالي 65 كلم عن مركز ولاية سليانة) وجبل الشّعانبي (ولاية القصرين) وسيدي علي بن عون (ولاية سيدي بوزيد) إلى المناطق التي مثّلت المركز السياسي والاقتصادي للدّولة، مثل عمليّة روّاد ومتحف باردو (ضواحي العاصمة) وسوسة وهي من أكبر المراكز السياحيّة في تونس وصولا إلى قلب العاصمة وتفجير حافلة الأمن الرئاسيّ في شارع محمد الخامس.

وانحسر الإرهاب في الثغور بعد تضييق الخناق العسكري على الإرهابيّين واستعادة المؤسسة الأمنية قدراتها التي فقدتها بسبب الفوضى زمن الانتفاضات الشعبيّة والتحوّلات الديمقراطيّة، حيث نفّذت جماعة إرهابيّة عمليّة مسلّحة في مدينة بنقردان، وهي منطقة حدوديّة مع ليبيا يعتمد سكّانها خاصّة على نشاط التهريب، وهو ما جعل الإرهابيين يتصوّرون أنهم سيجدون الحاضنة الشعبيّة في منطقة تعاني غياب التنمية المحليّة وقسوة الظروف الطبيعيّة. ولكنّهم وجدوا الصدّ من أهاليها ومن قوات الأمن والجيش الوطنيّين. ويمكن القول إنّ تلك المواجهة التي اعتبرها التونسيون ملحمة قد كشفت حقائق يمكن أن تؤثّر في مصير الإرهاب والإرهابيين في تونس.

A Palestinian Salafist holds an Al-Qaeda-affiliated flag during a protest against an amateur film mocking Islam in Rafah in the southern Gaza Strip on September 14, 2012. Anti-US protests by crowds whipped into fury by a film that mocks Islam erupted across the Muslim world, as violence exploded in Sudan, Lebanon, Tunisia and Yemen leaving five dead and dozens injured. AFP PHOTO/ SAID KHATIB (Photo credit should read SAID KHATIB/AFP/GettyImages)

تتصّل الحقيقة الأولى بوجود إجماع سياسيّ وشعبيّ على إدانة الإرهاب وضرورة مقاومته بكلّ الوسائل. ولعلّ ما قدّمه أهالي بنقردان من دعم تلقائيّ لرجال الأمن والجيش يؤكّد أنّهم في صفّ الدولة ضدّ غزاتها، وأنّ ممارسة كثير من سكانها لنشاط التهريب لا يمكن أن يكون مبرّرا للقبول بالغزاة الذين تدربوا خارج تونس، والذين يمكن أن يمثلوا تهديدا أكبر لموارد رزقهم وأمنهم. فقد ساد اليقين عند التونسيين بأنّ الإرهاب يمثّل مشكلا يعطّل دواليب الاقتصاد والتنمية في الجهات . ورؤية أصحابه تتعارض مع توق التونسيين إلى الحريّة والديمقراطيّة.

وأمّا الحقيقة الثانية، فتتّصل بالوضع الدّاخلي الذي يحاول الإرهاب استثماره. فاستراتيجيات الهيمنة التي تتّخذها الجماعات المسلّحة كثيرا ما تبحث عن أحلاف مع الأشكال الاقتصاديّة الخارجة عن القانون، والتي تختزلها تسمية التهريب في تونس . ولذلك، فالحل كامن في التنمية والاستثمار من أجل ضمان الشغل للعاطلين عن العمل وخلق آفاق للأمل وبناء المستقبل بدل الانتحار تحت مظلة التنظيمات الإرهابيّة.

تتعلق الحقيقة الثالثة بالواقع الإقليميّ الذي يجعل تونس عرضة للهجمات الإرهابيّة؛ فأزمة الشعب الليبي المنقسم إلى جماعات مسلّحة يمثّل خطرا حقيقيّا على أمن تونس. ولذلك، فإنّه من الوهم تصوّر نهاية للإرهاب دون إيجاد حلّ سياسيّ ينهي أزمة انفلات العنف في ليبيا ويؤسس لنظام قادر على احتكاره بشكل شرعيّ وتنظيم الدولة بالاعتماد على مؤسّسات. ويظلّ الوضع قابلا لعودة جماعات إرهابيّة للنشاط في ظلّ اندلاع أزمات سياسيّة أو نزاعات عسكريّة في دول جوار أخرى، إذ يمكن أن تقع تونس بين كفّي كمّاشة. ويمكن للإرهاب أن يجد له موطئ قدم إذا لم توضع استراتيجية دوليّة لمقاومته ومنع وصول الأسلحة والتمويلات إلى عناصره، وهو ما سعى إليه التونسيون من خلال سن قانون منع غسيل الأموال.

لم يكن انتصار التونسيين على الإرهاب بعد أن حققوا حلمهم بالانتقال الديمقراطيّ سوى انتصار لمفاهيم المواطنة والحرّية على عقليّة العنف والحاكمية. ومهما اشتكى التونسيون من أزماتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة، فإنهم ظلوا واثقين أنّ حلّها لا يمكن أن يكون بأيّ حال من الأحوال بالعودة إلى الاستبداد في شكله الدّيني بديلا عن الاستبداد السياسي والعنف الذي لم يكن جزءا من ثقافتهم ولا اختيارا إصلاحيّا في سعيهم نحو حلّ مشاكلهم. ولعلهم وجدوا في العراق وسوريا وليبيا واليمن خير أمثلة تكشف آفاق العنف ومصائر الإرهاب.