الحدث الجزائري رأي

مستقبل حركة الماك الإنفصالية في الجزائر

البروفسور رابح لونيسي
– جامعة وهران-
ـــــــــــــــــــــــــــ

حلت علينا الذكرى 38 للربيع الأمازيغي الموافق ل20 أبريل1980 التي عرفت فيها الجزائر عدة مظاهرات خاصة في العاصمة ومنطقة القبائل مطالبة بالحريات الديمقراطية والإعتراف الرسمي بالبعد الأمازيغي بصفته أحد أبعاد الهوية الوطنية الجزائرية على أرض الواقع، لكنه همش وتم إستبعاده لأسباب تاريخية ومن تيارات أيديولوجية كانت مسيطرة على المشهد السياسي والإعلامي والثقافي في البلاد في عهد الأحادية، وقد أنتج تطرف جزء من هذه التيارات تطرف مقابل يتمثل في ميلاد حركة الحكم الذاتي لمنطقة القبائل أي الماك بقيادة فرحات مهني في خضم أحداث عام 2001، لكن يمكن لنا اليوم القول أن أغلب تلك المطالب تحققت دستوريا بعد نضالات طويلة، خاصة بعد إصدر الرئيس بوتفليقة قرارات شهرديسمبر2017 الشهيرة، لكن لوحظ هذا العام أثناء الإحتفالات المخلدة لهذا الربيع الأمازيغي تركيز إعلامي كبير على حركة الماك في منطقة القبائل، مما يطرح أمامنا شكوكا، بأن هناك محاولات إما لتخويف المجتمع الجزائري بوجود حركة إنفصالية قوية تهدد الوحدة الوطنية التي تعد خط أحمر لدى الجزائريين سلطة وشعبا، بما فيها مواطنو منطقة القبائل الذين اعطوا النفس والنفيس من أجل تحرير الجزائر ووحدتها كغيرهم من الجزائريين، فهل الماك هو بعبع جديد يراد إستغلاله وتوظيفه إلى جانب بعبع التطرف الديني المنتج للإرهاب لإبقاء الجزائريين متخوفين ومجندين وراء السلطة القائمة، أن طرح هذا السؤال اليوم جد مشروع، لكن الإجابة عليه مرتبط بسؤال آخر هو: هل فعلا صحيح أن الماك يتمدد أم هو في طريق الإنحسار؟

نعتقد أنه من المستبعد جدا تمدد حركة الماك اليوم بعد ما تبنت الدولة رسميا ودستوريا الأمازيغية كبعد تاريخي وثقافي ولغوي، لأنها بذلك سحبت أي توظيف لهذه المسألة من أي كان أو أي متاجرة بفكرة إضطهاد الثقافة الأمازيغية أو تمييز ضد مواطني منطقة القبائل الذي لايمكن لنا تفسيره بالثقافة الأمازيغية لأن هذه الثقافة متجذرة أيضا في عدة مناطق من البلاد، خاصة الأوراس، بل ان كان هناك شعور بالغبن والتمييز لدى البعض، فهو يعود للصراع حول السلطة الذي وقع في عام 1962 حيث كانت منطقة القبائل من أشد المعارضين لما سمي آنذاك ب”مجموعة وجدة”، فبخصوص التمييز علينا الإعتراف بأنه لم يحدث أي تمييز رسمي، وأركز على كلمة رسمي بين كل مواطني الجمهورية الجزائرية، فالجزائر هي من الدول القلائل في المنطقة التي لايحدد فيها لامعتقد ولا لسان ولاعرق أي مواطن في بطاقة تعريفه أو عند تولية المناصب على عكس ماهو موجود مثلا في دول أخرى في المنطقة كمصر مثلا، ويعود ذلك في الجزائر إلى التأثير الكبير للحركة الوطنية والإستقلالية المتأثرة بشكل كبير بالفكر السياسي الأوروبي، خاصة الفرنسي منه، لكن بقدر ماكان لهذا الفكر تأثيرات إيجابية إلا أنه له أيضا تأثير سلبي كبير جدا من خلال فكرة اليعقوبية Jacobinisme، أي كل شيء واحد، ولعل هذا ما يختفي وراء تخوف البعض من وجود لغة ثانية، وهي الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية.
نعتقد ان هذا التبني الرسمي للدولة للبعد الثقافي الأمازيغي، سيؤدي حتما إلى إضعاف حركة الماك في المنطقة، فقد كان ذلك التهميش السائد من قبل أحد أسباب ميلاد حركة الماك إضافة إلى تهميش سياسي نسبي وليد الصراع حول السلطة في 1962 ومارافقه من دعايات مغرضة من جناح من الذين أخذوا السلطة في 1962 ضد المنطقة في إطار سياسة فرق تسد المعروفة.
فللحقيقة التاريخية، فمؤسس حركة الماك فرحات مهني لم يكن إنفصاليا من قبل، لكنه للأسف الشديد أنحرف بسبب تصرفاته المبنية على أساس ردود فعل عاطفية، وهو ما يعترف به في كتابه “المسألة القبائلية” الذي نشره في 2002، أين يقول بأنه جاب عدة مناطق جزائرية محاولا إقناع مواطنيها بضرورة النضال من أجل نظام ديمقراطي تعددي وثقافة جزائرية تتبنى البعد الأمازيغي إلى جانب الإسلام والعربية، لكن إن كان البعض قبل بذلك إلا أنه لقي أيضا رفضا من البعض الآخر، ويقول أنهم قالوا له أن الأمازيغية هي قضية منطقة القبائل، بالرغم من أن الأمازيغية منتشرة في كل مناطق البلاد بأشكال متفاوتة، لكن لم يدفعه ذلك إلى التطرف، بل كان من أبرز مؤسسي التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في 1989، ولم يولد تطرفه إلا بعد أحداث 2001 ومقتل 128 شاب جزائري في منطقة القبائل، ويقول في نفس الكتاب بأنه شعر بعدم إهتمام بعض الجزائريين بذلك، لكنه لم يطالب في الحقيقة في البداية بإستقلال المنطقة، بل طالب بحكم ذاتي، ويقول أنه على كل منطقة في الجزائر أن تناضل من أجل منطقتها كأسلوب لعزل النظام الذي يتبنى المركزية، ويتحكم من خلالها في كل شؤون المواطنين، وبتعبير آخر هي دعوة غير مباشرة منه إلى نظام فيدرالي، لكن دخلت فيما بعد أطراف اقليمية ودولية، وأستغلت فرحات مهني الذي عادة مايتصرف على أساس ردود فعل، وهو أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه أي مثقف أو سياسي الذي يجب عليه أن يتجنب التصرف على أساس ردود الفعل القاتلة، فانساق مهني شيئا فشيئا وراء أمور خطيرة جدا، ومنها المطالبة بإستقلال منطقة القبائل، بل أنشأ حكومة للمنطقة، لكنها حكومة وهمية في الحقيقة ولاوجود لها على أرض الواقع، كما أستغلت ذلك عدة أطراف، ومنها النظام الملكي في المغرب الذي أصبح يربط قضية الصحراء الغربية بمنطقة القبائل، بالرغم من أن لا وجود لأي علاقة بين القضيتين، فمنطقة القبائل يمكن مقارنتها بالريف في المغرب الأقصى.
وما يؤسف له في تطرف فرحات مهني هو أنه بدل ما يعمل من أجل خدمة اللغة الأمازيغية، إلا أنه سعى لتفكيكها إلى لغات، فأصبح يتحدث عن لغة قبائلية إلى جانب لغة شاوية وشنوية وترقية وميزابية وغيرها، أي أعتبر لهجات اللغة الأمازيغة بذاتها لغات، كما وضع علما خاصا لمنطقة القبائل أو ما يدعيه أنه علم الدولة التي يطالب بها، فلا ندري من أعطى مهني الحق بالحديث بإسم مواطني منطقة القبائل الذين يرفضون في عمومهم طروحاته رغم كل محاولات تضخيم حركته من البعض لأهداف غير بريئة؟، كما يجب علينا التوضيح أن هذا العلم الذي ترفعه حركته لاعلاقة له إطلاقا بعلم آخر معروف منذ عقود ويتشكل من ثلاث ألوان الأصفر الذي يرمز إلى الصحراء والأزرق إلى الساحل والأخضر إلى السهول والغابات وفي وسطه حرف الزاد بالتفيناغ، ويرمز إلى الحرية، وهو علم له دلالاته بالترميز إلى مختلف تضاريس البلاد المغاربية، ويرفع في كل البلدان المغاربية، وليس في منطقة القبائل فقط كما يريد الترويج له الذين يصطادون في المياه العكرة، فهذا العلم في الحقيقة هو علم ثقافي، يرمز إلى البعد الأمازيغي في كل البلدان المغاربية، ولايناقض إطلاقا الأعلام الوطنية في هذه الدول، ومنها العلم الوطني الجزائري، كما يعتبره الوحدويون المغاربيون انه علم لدولة مغاربية مستقبلية فيدرالية وديمقراطية، أي علم دولة الوحدة مع الإبقاء على علم كل دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية.
ان حركة الماك هي حركة معزولة، وهي في طريق الإنحسار، ولن تتمد إطلاقا، لكن لوضع جدار في وجهها يتطلب من الدولة أن تكون صادقة في الإعتناء والإهتمام الجدي بالثقافة الأمازيغية وتكريس فكرة العدل والقانون والتوازن الجهوي، خاصة في مجالات التنمية لكل مناطق البلاد، وعلى رأسها الصحراء التي فيها أيضا بذور حركة إنفصالية يمكن أن تأخذ ابعادا خطيرة مستقبلا إن لم تعالج أسبابها من الآن بكل جدية، كما يجب أن تتقوى الأحزاب التقليدية التي تعد منطقة القبائل أكبر معاقلها، وعلى رأسها جبهة القوى الإشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الحريصين على الوحدة الوطنية ووحدة الأمة الجزائرية، فهذه الأحزاب هي أصلا في طريق التقهقر بسبب ضعف الإنخراط الشعبي في العمل السياسي وضعف داخلي لهذه الأحزاب نتيجة تآكلها من الداخل بسبب عدة صراعات مثلها في ذلك مثل كل الأحزاب الجزائرية دون نسيان ذكر حركة العروش في 2001 التي ضربت هذه الأحزاب التقليدية في المنطقة في صميمها، فأي ضعف لهذه الأحزاب سواء في المنطقة أو في كل ربوع التراب الوطني سيترك الساحة فارغة لحركة الماك للإصطياد في هذا الفراغ، نعتقد أن مسألة بناء هذه الأحزاب على أسس قوية، خاصة جبهة القوى الإشتراكية الممتدة بقوة في الحركة الوطنية والإستقلالية هو عامل رئيسي وإستراتيجي للحفاظ على الوحدة الوطنية والأمن الإستراتيجي للجزائر، أما الشرط الآخر لمنع الماك من التمدد هو عدم توظيف جناح من السلطة سياسة “فرق تسد” لخدمة مصالحه والحفاظ عليها على حساب الجزائر ووحدتها، فهذا التضخيم الإعلامي الأخير لنشاطات الماك يمكن أن يكون وراءه هذا الجناح.
كما يجب إعطاء ثقة لكل الجزائريين بأن التبني الرسمي للبعد الأمازيغي ليست مناورة وتلاعبات سياسوية، فعلينا الإشارة أن هناك جناح قوي جدا في النظام يتبنى فعلا هذا البعد، خاصة بعد أحداث الربيع العربي في 2011 بكل كوارثه على المنطقة وتنامي ظاهرة الإرهاب الناتجة عن تيارت دينية متطرفة، فقد اقتنع هؤلاء بضرورة العودة إلى الثقافة الجزائرية الأصيلة، ومنها الأمازيغية، إضافة إلى ثقافة عربية متفتحة وإسلام جزائري صوفي متسامح وغير منغلق لمواجهة كل هذه التيارات الدينية والثقافية والأيديولوجية التي تأتينا من المشرق العربي، بل تتخذها قوى غربية، ومنها الكيان الصهيوني كحصان طروادة لضرب إستقرار ووحدة دولنا، فكما فككوا المشرق بالإستناد على الطائفية، فهناك مناورة لتفيتيت الدول المغاربية على أساس أوهام عرقية، وأؤكد على كلمة “أوهام” ، كما يجب نشر مبدأ المواطنة بقوة في المجتمع الجزائري وقبول بعضنا البعض، لكن يبدو أن هذا الجناح داخل النظام يحتاج مساعدة كل الأبناء الخيرين في هذا الوطن الحريصين على وحدة الجزائر، خاصة أن هذا الجناح يواجه لوبيات ثقافية وإعلامية ودينية تابعة لدول مشرقية كالسعودية ومتغلغلة بقوة في الكثير من المؤسسات، طبعا هذا لاينفي وجود لوبيات أخرى تابعة لفرنسا ولدول أخرى، فلنحرص على زرع الولاء للجزائر وللجزائر فقط لاغير في أبنائنا، ولنضع مصلحة الجزائر فوق كل إعتبار، ولنرفع كلنا شعار “الجزائر قبل كل شيء”.

البروفسور رابح لونيسي
– جامعة وهران