رأي

العرب والزعيم .‏

مرايا الوطن.‏
فريد العليبي

ـــــــــــ

جدل عربي هذه الأيام حول جثة صدام حسين ، والمناسبة ترويج شريط فيديو قيل فيه أنه ‏تم اخراجها لدفنها في مكان آمن ، والمفاجأة عدم تحللها ، فقد بدت كما هي يوم أهيل ‏عليها التراب رغم مرور سنين على ذلك ،غير أن الأمر لم يكن أكثر من خدعة فمقاطع ‏الشريط قديمة ، وجرى اخراجها في ثوب جديد .‏
وانتشر قبل ذلك شريط آخر يظهر فيه سائق سيارة أجرة في العاصمة الأردنية عمان ‏شبيه بصدام وقد أحاطت به الجموع وأجبرته على الصعود فوق السيارة التي كان يقتات ‏منها فحياها وحيته بشعار بالروح بالدم نفديك يا صدام ،وسط ذهوله وحيرته .‏
ويبدو أن جزءا من العرب لم يقبل بعد بموت صدام فمن وضع حول رقبته حبل ‏المشنقة يوم اعدامه لم يكن هو وإنما أحد أشباهه . ‏
وهذه الوقائع غير منفصلة عن أخرى فقد نسبت الى صدام أثناء حياته خوارق ومآثر ‏منها وضع حديث قدسي ونسبته الى الرسول قبل الغزو الأمريكي للعراق يقول : سيلتقي ‏الجمعان في الصحراء وسينتصر صادم صادم ، كما انتشرت بين الناس حمى البحث ‏عن شعرة قيل أنها بين دفتى القرآن ، حيث سورة البقرة كدليل على انتصاره الموعود ‏‏. ‏
‏ وما حصل لصدام حصل لزعماء عرب آخرين، مثل اضفاء هالة من القدرة الخارقة ‏على عبد الناصر فهو ” المخلص ” و” المنقذ ” ،وفي شريط كفر قاسم لمخرجه برهان ‏علوية يدور حوار في مقهي في قرية فلسطينية ، رازحة تحت الاحتلال خلال الخمسينات ‏بقول فيه أحدهم للآخر : ” فتح عين ،غمض عين، الرئيس يحرر فلسطين ” . وغداة ‏موت عبد الناصر نشرت جريدة ” لوموند ” الفرنسية مقالا تحت عنوان : البطيخ الأحمر ‏لن ينبت في ليلة واحدة ‏بعد الآن، في تلميح الى صورة نشرتها قبل ذلك جريدة الأهرام ‏المصرية عن بطيخ أحمر نما بسرعة لأن عبد الناصر هو من زرعه أثناء زيارة لبلدة ‏بني سويف.‏
وفي تونس أثناء الخلاف بين الزعيمين انتشرت في المدن والأرياف فرق غنائية يمجد ‏بعضها بورقيبة بوصفه ” ولد دنفير يطلع من المستير وفيه الدول تحير ” و تتغنى ‏أخرى ببن يوسف بوصفه ” ولد نسناس ، يكسر البرمة ويكمل الكسكاس “. وعندما ‏يلتقي زعيمان في نفس البلد ينبغي لأحدهما أن يدفن فالزعامة وحدانية أو لا تكون ، ‏ولا يهم أن يقتل من سبق أو من لحق.‏
ويبدو أنه من الصعب على المخيال الشعبي العربي التسليم بموت الزعيم فهو من ‏الخالدين، ومنذ وقت طويل وجد الصحابة يوم وفاة الرسول عناء في اقناع الناس بأن ‏محمدا قد وافته المنية ،مما أجبر أبا بكر على مخاطبتهم بالقول : من كان يعبد محمدا فإن محمدا ‏قد مات وأما من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وهو ما تكرر مع على بن أبي ‏طالب، الذي لما بلغ أحد مريديه ، وهو عبد الله بن سبأ خبر موته قال : ” لو جئتم ‏بدماغه في سبعين صرة، وأقمتم على قتله سبعين عدلا، لعلمنا أنه لم يمت، ولم يقتل، ولا ‏يموت حتى يملك الأرض”. وبلغ الأمر ببعض أتباع على مبلغه فقدسوه كما يقدس الله ‏، فأمر بحفر خندق وجمع فيه حطبا ثم أشعل نارا وقذف بهم فيها فماتوا ، بحسب رواية ‏الحافظ ابن حجر في كتابه ” فتح الباري “