مجتمع

حقيقة العين الشريرة … سوسيولوجيا الحسد

 

غالباً ما ينظر إلى أفكار من هذا النوع كالحسد والغيبة والنميمة وما إليها على أنّها حالات شخصية ذات طبيعة نفسية ومرجعية دينية، وهذا صحيح إلى حد ما فقط. بالحقيقة هناك جانب اجتماعي مهم لمثل هذه الظواهر التي عمّت لتشمل أشخاصاً لم يكونوا ليعيروا أيما اهتمام لهكذا تصورات أو أفكار من قبل. وصار الحسد مادة للنقاش على الصعيد الشعبي حيث يتبارى”المفسرون”لتعليله والتأكيد على الاعتراف به دينياً، الآية”ومن شر حاسد إذا حسد”، وأنّه من الصفات المذمومة ذات الصلة بالشيطان.

إلاّ أنّ لفكرة الحسد وبخاصة عندما تعمّ وتنتشر وتستقطب أشخاصاً يشغلون وظائف مهمة ويتمتعون بمكانة”محترمة”على وجه الخصوص كأنْ يكونوا متعلمين أو مشتغلين في مجال من مجالات الفنون الثقافية والمهنية السياسية، تفسير يتجاوز الاعتقاد الشخصي ليتسم بصبغة اجتماعية مهمة تسلّط ضوءاً على ما يعتمل في المجتمع من قلق وحيرة واضطراب تتسبّب بغليانات وتذمرات واحتجاجات واسعة.
الثابت نسبياً أنّه عندما يعجز الأفراد عن تفسير ما يحل بهم بصورة مفاجئة وغير متوقعة وبطريقة مؤذية، فإنّهم يستسلمون لفكرة الحسد كملاذ للتبرير وقد يسترسلون ليسمحوا للفكرة بقيادتهم حتى يتقمصوا حالة من حالات التوجس والهوس التي تؤدي بهم إلى التعطل عن الكثير مما يقومون به عادة من تفاعلات اعتيادية على سبيل إدامة علاقة إنسانية طبيعية مع المعارف والأصدقاء والأقران. يحدث هذا في فترات الكساد الاقتصادي والفشل السياسي التي تتزامن مع حالة عامة من حالات الركود القيمي والأدبي والأخلاقي نتيجة انتشار ظواهر الفساد المالي والإداري والشخصي بمعالم تتجلّى بصيغة ترهل منظور في الأداء الحكومي وغير الحكومي وتسابق محموم لنيل حظوة سياسية ظهرت بمحض الصدفة وليس من خلال العمل والتحضير لها. ترهل يبلغ حد أنْ يعبر عنه بصيغ شتى منها التباطؤ والعجز وإغلاق ملفات تتطلب حلولاً في مؤسسات مهمة تشمل المؤسسة القضائية والقانونية والتعليمية والأمنية وغيرها.
ويحصل العكس تماماً، عندما تدبّ حركة التنمية والتطور والإنجاز في المجتمع من خلال دفع حركة البناء والإنتاج المادي والثقافي غير المادي التي لا تترك مجالاً للنظر في احتمالات أنْ يكون هناك ما يحسد عليه وبخاصة بالنسبة للأكثرية الساحقة من الأشخاص الذين بلغوا ما بلغوا بالجهد والعمل والتراكم والدأب المتواصل.
اذا ما سلمنا بالمعنى الاجتماعي الشعبي الشائع للحسد الذي يمكن أنْ يحصر في سياق الترقب والترصد والكراهة والاستكثار بشأن نجاح تمّ تحقيقه أو شيء تمّ الحصول عليه أو نصيب حسن جاء بصدفة متصورة، فإنّه لهذا يعتبر من نوع”حسد عيشة”. بيد أنّ اعتباراً من هذا النوع يقول إنّ كثيرين لا يشعرون بقرارة أنفسهم باستحقاقهم التنعم بما حصلوا عليه وبخاصة على مستوى المال والعمل والوظيفة والزواج وربما الفوز بالانتخابات التشريعية التي يجري التحضير لها في العراق اليوم، اذا ما تحققت خارج السياقات التي تحتملها مداركهم مما يجعلهم يتطيرون ممن يمكن أنْ يفتح عليهم عيناً أو يمطرهم بكلمات التعجب والاستكثار التي يمكن أنْ تؤدي بهم إلى الإصابة بالشر والويل والثبور. بالمقابل لا يهتم بالحسد من يحصد قوت يومه غرزة فغرزة. ولا يكاد يدير المنتج المبدع في عمله بالاً لمن يكيد له/ لها وهذا ما يفعله الفقراء والكادحون والمولعون بعملهم شخصياً وذاتياً فيما ينشغل المتطيرون من الحسد بالحسد عندما يجدون أنفسهم في مكانة لا يتأهلون لها أو يحصلون على شيء بدا لهم مثل حلم بعيد المنال حتى لكأنّه حدث بضربة حظ أو مجازفة غير محسوبة النتائج. أو عندما يعجزون عن بيع عقار بالسعر الذي يرغبون به دون الأخذ بالحسبان تأثير عوامل السوق وقوانين العرض والطلب والظروف الاجتماعية والسياسية التي يمكن أنْ تخمد المجتمع على حين غرة.
وقد يلحق المرض العضوي وليس فقط المعنوي والأدبي بأمثال هؤلاء ممن يظهرون في ظروف التسابق المحموم على مكسب أو جني فائدة بأيّ ثمن كان. يحدث هذا مثلاً في ظروف التحضير للانتخابات النيابية العامة بالعراق بالطريقة التي يجري لها التحضير اليوم. فقد سمحت ظروف خوض الانتخابات بدءاً بالحملات الدعائية الفجّة لأشخاص وجماعات لم يكونوا ليفكروا ضمن الظروف الطبيعية بالتقدم للعمل في مؤسسة تشريعية مهمة مثل مجلس النواب. ولكن عندما تكون الانتخابات ميداناً للتسابق المفتوح وبشروط مادية يسهل القيام بها مثل دفع رسوم التسجيل المحددة بخمسة وعشرين مليون دينار عراقي للدائرة المعنية بتسجيل الأحزاب السياسية وتقديم قائمة من الموقعين على تأسيس الحزب بسبعة أعضاء فقط ترفق بأخرى تضم (2000) إسم يدّعي انتماءهم للحزب المزعوم. عندما يحدث هذا يعتري كثيرون وهم القدرة على قطف ثمار ما تبشر به عملية خوض الانتخابات من منصب ونفوذ وجاه تبدو لهم أنّها لا تستلزم أكثر من خطاب واعد بمحاسبة الفساد والمفسدين وتوسل حد الاستجداء بالتصويت لهم دون الدخول في ماهية ما سيفعلونه وكيف لأنّهم سيحتارون ويتلكأون حتماً.
لا يهتم الفقراء بالحسد بهذا المعنى لإدراكهم أنّهم لا يملكون ما يحسدون عليه. ويسأل هؤلاء السؤال المنطقي والعقلاني: على ماذا يحسد الحسّاد! هل على استحقاق معيشي ضمن ظروف اعتيادية جداً وجهد مبذول ومعاناة من أجل بلوغ المأمول! أم لأولاد جاءوا ثمرة زواج وأذنوا قبل ولادتهم وبعدها بالكثير من النفقات والحسابات والمصاريف والتحضيرات، ناهيك عما يمكن أنْ يُقال بشأن القلق والترقب والتضحية لحمايتهم من الأمراض ومساعدتهم للوصول إلى بّر السلامة والأمان، حيث الدراسة والعمل وربّما الزواج ليدوروا في ذات الدورة التي دخل بها الآباء والأمهات من قبل!.
من هم المتطيرون من الحسد!. يرتبط الحسد بالطبقة الاجتماعية. يجيب أحد الكادحين الفقراء على سؤال حول معنى الحسد من وجهة نظره أنّه إذا كان الحسد على نعمة وفائض مال”فليس لدي ما أحسد عليه”. ولكنّ الميسور وبخاصة ذلك الذي صار ميسوراً على حين غرة يقول”نعم، هناك الكثير من الحسد وأنا محسود”. الحسد نسبي وبيني على مستوى الأفراد وقد يتطور عندما يستفحل ذهنياً ليصبح آفة يتصور أنّها عضوية رغم أنّها متصورة فقط. وقد يصل الحسد مؤسسات الدولة عندما تُدار من قبل أشخاص يشعرون في قرارة بأنّهم طارئون عليها لسبب واضح هو أنّهم لم يأتوها بالتدرج الوظيفي الوئيد والمضني مما يشجع على التعبير عن طرده بذبح الذبائح والتلطيخ بالدم كما حدث في الاحتفالية التي أقيمت بحضور وزير النقل المرشد البحري الكابتن كاظم فنجان الحمامي لمناسبة شراء طائرة جديدة ألحقت بأسطول الخطوط الجوية العراقية قبل أشهر. لعل من المنطقي أنْ يتساءل أحد عمن يمكن أنْ يحسد مؤسسة مثل هذه على طائرة تمّ شراؤها بصفقة تجارية مربحة من وجهة نظر الشركة المصنعة لها! أو أنْ تستقبل السيدة وزيرة الصحة الدكتورة عديلة حمود بالخراف المذبوحة وتلطيخ سيارتها بالدم المهدور تعبيراً عن الابتهاج بخلاصها من جلسة استجواب نيابية انتهت بدون مقترح المطالبة بإقالتها من منصبها!.
يعبر الحسد فردياً كان أم جماعياً، شخصياً أم مؤسساتياً عن حالة انهيار اجتماعي وتغاضب وعدم ثقة بالإمكانات الذاتية والجهد المسؤول بنسبة 99% عن القدرة على الإبداع كما تقر بذلك تجارب الحياة اليومية في مختلف الأماكن والأزمان. يبقى القول إنّ المجتمع سيتحرر من القلق بشأن الحسد والغيبة والنميمة عندما يتحرر من آفة الحاجة والقلق والخوف من المجهول. يتحرر المجتمع أدبياً ومعنوياً وهو الرصيد الذي لا غنى لأيّ جماعة بشرية عنه عندما تنهض الأمة للعمل وإصلاح ذات البين فيما بين مكوناتها الدينية والمذهبية والقومية ليصار إلى الشروع ببناء دولة المواطن بهويته العامة الواسعة التي تشمل الجميع بلا استثناءات. يتحرر المجتمع عندما تشرع ماكنة الحياة بالدوران بمثل ما تقلع الطائرة من أرض المطار لتحلق في سماء المنافسة الحرة والمفتوحة لتقديم أفضل الخدمات وأوفاها لمن يتوسمون خدمتهم من جمهور المواطنين وليس التسلط عليهم واستغفالهم والاستهزاء بتطلعاتهم. ويبقى البحث عن جواب لمعالجة مشكلة أو إشكال قضية عمل وسعي واجتهاد وليس بتمنّي وتطلّع وانتظار.

د. لاهيا عيد حسين