أحوال عربية

هل ينجح ترامب مع خامنئي كما يتقدم الآن مع كيم جونغ-أون؟

US President Donald Trump attends a Medal of Honor ceremony at the White House in Washington, DC, on July 31, 2017. / AFP PHOTO / JIM WATSON (Photo credit should read JIM WATSON/AFP/Getty Images)

علي  سليم عمر  علي

ــــــــــــــــــــــ

 

لا شك ان دونالد ترامب كان شخصية عامة مثيرة للجدل وكان مرشحا رئاسيا مثيرا للجدل وهو الآن رئيس اكثر اثارة للجدل، الا ان ذلك لا يعني بحال ان نتخلى عن الموضوعية في تناول ما يتعلق بأدائه الرئاسي ونمعن في شخصنة الأمور ازاء مواقفه وتوجهاته وقراراته السياسية، وهو ما تسعى اليه العديد من وسائل الإعلام والشخصيات العامة من سياسيين وفناتين وخصوم معارضين رغم ان اخر استطلاع للرأي، اجرته شبكة سي ان ان، إحدى اشد خصوم ترامب في الوسط الاعلامي الأمريكي ، اشار الى ان 57% من الأمريكيين يرون ان البلاد تسير بشكل افضل بعد سنة واحدة فقط من إدارة ترامب، وهو معدل لم تحرزه ادارة اوباما، مثلاً، على مدى دورتين من ثمان سنوات.

كذلك اوصح نفس الإستطلاع أن موقف ترامب ارتفع بين الناس مع قضايا الإقتصاد والتجارة الخارجية والهجرة والسياسة الخارجية بمعدل اربع نقاط. لم يزعزع هذا الأداء من موقف خصوم ترامب، ولم يدفعهم الى التحلي بالموضوعية في تناول البعض من اهم الملفات التي تعالجها إدارته. ومن اكثر تلك الملفات سخونة في الوقت الحاضر، ملف الأسلحة النووية في حالتي كوريا الشمالية وايران.

رغم التقدم المذهل الذي حققته إدارة ترامب في شبه الجزيرة الكورية خلال سنة وبضعة اشهر فقط، حيث اعلنت كوريا الشمالية دعمها لإخلاء شبه الجزيرة الكورية من اسلحة الدمار الشامل واستعدادها للتخلي عن كامل برنامجها واسلحتها النووية في تطور غير مسبوق ولا منتظر، مقابل عجز كافة الإدارات السابقة في احراز اي نجاح هناك على مدى اكثر من نصف قرن، رغم ذلك فإن خصوم ترامب لا زالوا يشككون في طريقة تعامله مع الملف النووي الايراني مع ان وجهة نظره ازاء الاتفاق النووي الايراني لا تخلو من المعقولية.

المكاسب التي حصدتها ايران جراء الإتفاق العتيد اكبر بكثير من الأرباح التي حصل عليها المجتمع الدولي بسبب المهادنة غير المبررة لإدارة أوباما. لقد انتهت العقوبات المفروضة على ايران فورا حالما دخلت الإتفاقية حيز التنفيذ واسترجعت ايران مليارات الدولارات في وقت عصيب (عام 2015) تعاني فيه كل دول المنطقة من شحة الواردات بسبب انخفاض اسعار النفط، وينوء حلفاؤها في سوريا والعراق واليمن تحت عبء عسكري هائل.

عزز مكاسب الإتفاق النووي من موقف ايران داخليا وخارحيا وانعكس الأمر إيجابيا على حلفائها كذلك، خصوصا في سوريا التي شهدت تقهقرا كبيرا لقوات المعارضة خلال السنتين التاليتين ولا يزال الموقف يمضي قجما في هكا السبيل، حتى وصلت الامور الى بسط الرئيس السوري سيطرته على أكثر من نصف البلد بعد ان كانت العاصمة دمشق نفسها تحت رحمة المعارضة المسلحة، بل ان البعض من ألد خصومه اصبحوا يتحدثون عن إمكانية بقائه في السلطة.

أما ايران فقد اكتفت بتأجيل برنامجها النووي لمدة، اقصاها خمس عشرة سنة مع الإحتفاظ بكافة الخبرات العلمية والتقنية دون تفكيك والابقاء، في هذه الحالة، على كامل امكانياتها وممتلكاتها النووية تحت اليد، بحيث يمكن الرجوع اليها في اي وقت. مع عدم وجود ضمان قاطع خلال فترة التأجيل، خصوصا وان انظمة شمولية، مقل النظام الايراني، تقوم على تقديس الأمن الوطني واتباع السرية التامة في إجراءات إدارة الدولة ومؤسساتها وتمتاز بالتوجس والريبة من جيرانها، بل وتطمع فيهم وتعتبرهم، بطريقة او أخرى من تابعيها، مثل هذا النظام لا يؤمَن جانبه حقا، وقد رأينا كيف ان ايران استمرت جهارا نهارا في تطوير الصواريخ الباليستية وتجهيز حلفائها او مساعدتهم في تطويرها.

معادلة الإتفاق المختلة هذه من وجهة نظر ترامب، هي التي جعلته يصف الإتفاق بانه سيئ ولا يخدم مصالح بلاده، ودفعته بالتالي الى الإنسحاب منه مؤخراً.

الا ان معارضي ترامب وكذلك شركاء الإتفاق النووي الايراني لا يزالون متشبثين بالإتفاق رغم انهم اقتنعوا، او على الأقل، تبنوا طروحات ترامب في ضرورة تعديل الإتفاقية من ثلاثة محاور: علاج مرحلة ما بعد انتهاء صلاحية الإتفاق ومصير البرنامح النووي الايراني بشكل دائم ، برنامح الصواريخ الباليستية، وثالثا تدخل ايران في المنطقة، وقج رأينا ايران نفسها، على لسان الرئيس روحاني، تعرب عن استعدادها للفقرة الثالثة.

 

أمس واليوم نشرت عدة مواقع وصحف منها يو اس اي توداي، وجهة نظر لكاتب الرأي وخبير التفاوض مارتي لاتز، مؤسس ومدير معهد متخصص في مهارات التفاوض بإسمه، حول توقعه بفشل ترامب في ابرام صفقة افضل مع ايران، واورد لدعم توقعه ثلاثة أسباب، تفتقر الى الموضوعية، مع انه، وبدافع الواقعية المباشرة، كان عليه ان ينظر الى ملف كوريا الشمالية الماثل امام العالم كله وما يشهده من تقدم منقطع النظير.

بدلا من ذلك ركز الكاتب على الخلل الذي يعتقده في المهارات التفاوضية لدى ترامب، وخلطه بين مفاوضات الأعمال ومفاوضات السياسة، وكيف ان المفاوضات السياسية العالمية، بخلاف مفاوضات الأعمل، تحرى بين اطراف من ثقافات مختلفة ومرجعيات متباينة، وهو بذلك يقع في نفس العيب الذي وصن به ترامب، حيث تراه يركز كثيرا على تقتيات التفاوض الذي هو اختصاصه، في حين ان موضوع التفاوض، دون تجاهل التقنيات، هو الذي يحدد مسار المحادثات في النهاية. كأنه يعتقد ان الرجل سيتأبط حقيبته الدبلوماسية ويركب طائرته مع مالينا ليجلس مع المرشد الأعلى في زاوي ضيقة ويبحث معع الملف النووي.

يقول لاتز:

يفهم دونالد ترامب، وبعمق، ان عتلة التفاوض تدور حول: ما الذي سوف يحدث اذا لم تتوصل أطراف التفاوض الى عقد الصفقة المطلوبة، او اتمام البديل السهل وفق الخطة ب؟. نعرف هذا الشيء عنه لان ترامب، خلال 50 سنة من مفاوضات الأعمال، كرس عادة متأصلة لديه، الا وهي ترك المئات من الصفقات وراء ظهره والإبتعاد عنها.

في بعض الأحيان يبتعد ثم لا يلبث ان يعود ليحصل على صفقة افضل ويحقق القتل المالي (يقال ان الفريق قتل المباراة اي ضمنها). في احيان اخرى، تضبط، ستراتيجيته في الإبتعاد، صفقة عظيمة. مع ذلك في أحيان أخرى يترك الموضوع ويذهب بعيدا للحصول على صفقة افضل حيثما تسنى له في اي مكان آخر.

اي مسار سيتبع الآن إذن، وهو يبتعد عن صفقة ايران النووية؟

الأمر الحاسم أولاً هو التعريف بأهدافه ومن ثم تقييم قدرة استراتيجيته على ترجيح كفته في تحقيقها.

استعرض مؤيدوه تلك الأهداف وقالوا انها تتضمن:

– منع قدرات ايران النووية بعد 2030، عندما تنتهي صلاحية الإتفاقية الحالية;
– الحد من دعم ايران للإرهابيين;
– لجم امكانيات الصواريخ الباليستية;
– زعزعة اركان النطام.
– مع وضع كوريا الشمالية نصب عينيه، سوف يبتعد عن الصفقات الرديئة ;
– سوف يفي بوعده الإنتخابي.
-يحقق أماناً أكثر في الشرق الأوسط.

بينما يقول منتقدوا ترامب ان اهدافه الحقيقية تحوم حول اعتقاده الموهوم بقدرته على التفاوض للحصةل على صفقة افضل وتضخيم فرصه وفرص الجمهوريين لرص صفوف قاعدتهم الجماهيرية.

اي مجموعة من هاتين المجموعتين من الأهداف حقيقية وصادقة وهل ستحقق بإبتعاده عن الصفقة النووية التي ابرمها سلفه أوباما؟

يقول كاتب المقال:
بناءاً على الأدلة المتوفرة وابحاث التفاوض المتعلقة بما يمكن ان يجري ويشتغل، اعتقد ان استراتيجية ترامب التفاوضية سوف تنهار وتحترق.

وذلك لثلاثة أسباب :

نستطيع التثبت من اهداف ترامب الصادقة عن طريق تحليل التأثير الذي سوف يحدثه ابتعاد أمريكا عن الصفقة وفيما اذا كان بمقدور ترامب بعدئذٍ ان يتفاوض على صفقة افضل.
بهذا الخصوص، تعتقد أغلبية معتبرة من الحزبين وخبراء السياسة الخارحية في العالم وزعماؤه ان تخلي أمريكا عن الإتفاقية سيؤدي الى شرق اوسط محفوف بالمخاطر.

في الوقت الذي ينتقد فيه البعض صفقة ايران بأقصى حدة، فإن مسألة تأييد ودعم انهائها مختلفة كلياً. كحد أدنى فإن الصفقة اوقفت سعي ايران للحصول على القدرات النووية لغاية 2030، وبدون الصفقة، فإت ايران ستحصل على تلك القدرات بشكل اسرع وربما من الآن ستعمل في هذا الإتجاه.

لا يظن المطلعون ايضا ان ترامب يتمتع بأفضلية التفاوض بسرعة حول صفقة احسن. الذاكرة القريبة تبين ان الأمر سيستغرق عددا من سنين العقوبات المنسقة بين عدد من الدول، لجلب ايران الى طاولة التفاوض. ترامب دهس تلك الدول الآن تحت العجلات بتخليه المنفرد عن الإتفاقية، وهو ما سيحط من مصداقيتنا الدولية، ليس نع ايران فقط، بل حتى في الوضع مع كوريا الشمالية. بل انه في حالة نجاح استقطاب الجميع الينا مرة أخرى فكيف تضمن ايران ان الإتفاق الجديد سينفذ ولن يلقى نفس مصير الاتفاق الأول؟.

يستطرد لاتز في رأيه قائلاً:
اساس الموضوع هو انه من المستبعد جدا ات تكون الصفقة الجديدة الأحسن من النوع التي يمكن ابرامها في أمدٍ قصير وان ايران يمكنها ان تطور الأسلحة النووية قبل ذلك. هذا هو الحد الفاصل في اللعبة ونقطة الإنقلاب فيها.

من جانب اخر: اليس هذا الكلام خوضا في “مستنقع” وخلطا للأمور؟ كلا، يجيب الكتاب، انه رأي أكثرية واسعة من خبراء السياسة الخارجية الدوليين وزعماء العالم باستثناء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (بخلاف بعض قادة حيشه)، وولي العهد السعودي الذي نصب نفسه عدوا لإيران.

اذن مادامت خطتنا ب سيئة الى هذا الحد، لماذا تخلى ترامب عن الإتفاق المبرم؟ وما هو السبب الثاني وراء احتمال فشل إستراتيجيته؟

لأن ترامب تعود على التخلي عن صفقات الأعمال في منتصف الطريق على مدى نصف قرن، واعتقاده انه من أفضل المفاوضين في العالم، فإنه على ما يبدو يعتقد ان بإمكانه التغلب على هذه العوائق وتحسين الخطة الرديئة ب. لسوء الحظ، يقول، مارتي لاتز، أن المهارات التفاوضية لدونالد ترامب، ليست قريبة من جودة الإدعاءات عند تقييمها وإخضاعها للبحث والتمحيص.

السبب الأخير لإحتمال فشل استراتيحية ترامب يتعلق بحقيقة ان هناك اختلافا ذي مغزى بين مفاوضات العقارات التي تتساوى فيها فرص الربح والخسارة في قطاع الأعمال وبين المفاوضات الرئاسية الدبلوماسية المعقدة على الصعيد العالمي.

يتضمن الفرق عدد القضايا والمصالح ونوعها وتعقيدها والثقافة المتنوعة للأطراف المشاركة، مثل هؤلاء الأطراف يحب ان تتم إدارتهم من وراء طاولة المفاوضات حسب مشاربهم والبيئات التي اتوا منها وبحاجة الى مستوى مرتفع أسيّاً من التخطيط الرئاسي الإستراتيجي، يستغرق ربما سنوات طويلة من المفاوضات، دون ضمان تحقيق النتائج المرجوة.

حتى اذا سلمنا ان ترامب افضل مفاوضي قطاع الأعمال على الإطلاق فإن ذلك لا يعني انه سوف يكون مؤثرا في التفاوض كرئيس. في الحقيقة لم ينجح ترامب في العديد من المفاوضات الرئاسية الى الآن مثل دفع المكسيك للمشاركة في تحمل نفقات الجدار الحدودي وتفكيك او تقديم بديل لأوباماكير او تحقيق فوز تجاري سهل على الصين وهذا تجاهل واضح لسياسته المثمرة حيال كوريا الشمالية حيث أعلنت اليوم، حتى قبل اللقاء المرتقب بين رئيسي البلدين في سنغافورة، البدء بتفكيك موقع نووي. كذلك هو تجاهل مقصود لنتائج استطلاع السئ ان ان.

نعم، حقق اكبر خفض ضريبي الا ان الأدلة لا تدعم براعته في المفاوضات الرئاسية.
اتمنى يقول الكاتب في نهاية رأيه ان يبرهن الرئيس على خطأي فيما ذهبت اليه.