أحوال عربية

كيف سقطت بغداد بهذه السرعة والسهولة في 9 نيسان 2003؟! نصر زينو

 

 

 

كثرت التحاليل والتوقعات والاستنتاجات والتكهنات والسيناريوهات، التي ساقها محللون وصحفيون وكتاب سياسة وباحثون استراتيجيون سياسيون وعسكريون حقيقيون ومدّعون، حول الكيفية التي سقطت فيها بغداد في 9/4/2003 بيد القوات الأكثر همجية من هولاكو، السقوط المذهل والمدهش وغير المبرر في كل الأحوال والظروف والعوامل المختلفة، ولا حتى في أبسط المقاييس والعلوم العسكرية، خاصة بعد صمود رائع وبطولي لقرى وبلدات ومدن العراق، التي تعرضت لموجات الغزو المتتالية، التي أصبحت من الأحاجي والألغاز الصعبة وربما المستحيلة الحل!

 

فمما ساقوه ومما ساقته وسائل الإعلام المختلفة بأنواعها المرئية والمقروءة والمكتوبة والإنترنت أيضاً، نعرض بعضاً منها بإيجاز كما يلي:

أولاً: قيل أن صدام حسين ونجليه وبعضاً من قيادته، بينما كانوا يعقدون اجتماعاً في مكان ما في حي المنصورة في بغداد، قد قتلوا جميعاً، بنتيجة القصف الصاروخي بمختلف الوسائل، المبني على معلومات استخباريـة موثوقة، وبنتيجـة ذلك سقطت لاحقاً بغداد بالكيفيـة التي سقطـت بها. لكن لم يعثروا لا على جثثهم، ولا حتى على أي أثر يدل على حدوث هذا الأمر. وربما يُكشف المستور مستقبلاً، هذا إن وجد أصلاً!.

 

ثانياً: قيل أن انقلابا داخلياً قد حصل على سلطة صدام حسين، قاده بعض من قيادته العسكرية والسياسية، بما فيهم بعض من الحرس الخاص والحرس الجمهوري وقيادة الجيش العامة، وقام الانقلابيون بالتفاوض مع الأمريكان، واتفقوا معهم على إخلاء بغداد من المقاومة ودخول القوات الأمريكية الغازية بأمن وسلامة إليها. مقابل ماذا …؟! الله أعلم.

 

فلا أحد يعرف مضمون الاتفاق الذي حصل لا بالعموميات ولا بالتفاصيل، هذا إن كان قد حصل أصلاً. ولم يؤكد أحد أن هذا الانقلاب قد جرى فعلاً، ولم ينفه أحد أيضاً. ولا أثر عملي لحصوله إلا تبريراً لسقوط النظام وسقوط بغداد بالكيفية التي سقطتا بها، أو تفسيراً له.

 

فأين صدام ومن معه؟ قُتلوا؟ أين جثثهم؟ سُجنوا؟ أين؟ سُلموا للأمريكان؟ كيف ومتى؟ لماذا لم يعلن أحد شيئاً من هذا…؟!

ثالثاً: قيل أيضاً أن السفير الروسي الذي وصل دمشق، وعاد إلى بغداد ليلة 9/4/2003، قد اتفق مع الأمريكان على إخراج صدام حسين وقادته، وعددهم حوالي السبعين من بغداد إلى روسيا. وقد حدث ذلك وفق السيناريو التالي: حيث انقطعت الكهرباء عن بغداد….من قطعها؟ ومنع التجول فيها…. بأوامر من؟ وحطت طائرة روسية ضخمة للنقل في مطـار صدام الدولي ( بغداد ). بعد أن استولت القوات الأمريكية عليه، بعد معارك ضارية وشرسة، سقط فيها المئات إن لم يكن أكثر من الأمريكيين، حسب رواية بعض المتطوعين العرب، الذين كانوا يقاتلون المعتدين هناك، حتى انهم يروون بمرارة و ألم، انهم بقوا لوحدهم يجاهدون، بعد اختفاء المقاتلين العراقيين من هناك، ولم يدروا أن هؤلاء المقاتلين العراقيين، قد قتلوا بمجزرة تُعد من جرائم الحرب الموصوفة، زاد عددهم عن أربعة آلاف شهيد، مازالت جثثهم هناك، وحتى تاريخه لم تسمح القوات الأمريكية لأحد من الاقتراب من المنطقة، تعتيماً على المجزرة.

 

هنا أيضـاً لا دليل إثبات على حدوث هذا السيناريو، ولا حتى أي اثر عملي له، إلا اللهم كتفســير لسقوط بغـداد، وبالكيفيـة التي حصلت.

 

رابعاً: قيل أن اتفاقا قد تم إبرامه بين قادة الحرس الجمهوري من الصف الأول مع الأمريكان، على إخلاء قواتهم من بغداد، وتسهيل دخول القوات الأمريكية إليها بدون قتال، وبأمن وسلام لهذه القوات، وبعبارة أدق تسليمهم بغداد. مقابل إعطائهم الجنسية الأمريكية، إن رغبوا وأموالا طائلة، ونقلهم مع عائلاتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أو إلى أي مكان يرغبون. على أن ينقلوا للصف الثاني من قادة الحرس الجمهوري أمرين:

 

أولهما: التزام القوات الأمريكية بنقل هؤلاء مع عائلاتهم إلى أماكن آمنة، تقع تحت سيطرة هذه القوات لضمان أمنهم، وحياتهم مع إعطائهم أموالاً مغرية.

وثانيهما: أن ينقل هؤلاء إلى مرؤوسيهم المباشرين، بان إخلاء بغداد وعدم محاربة القوات الأمريكية الغازية، هو خطة سرية وفخ مضروب للقوات الأمريكية المعتدية هذه، كي ما تدخل بغداد وهي مطمئنة وآمنة، ومن ثمّ يصار إلى مهاجمتها وسحقها وتدميرها تدميراً كاملاً، وحسب هذا الاتفاق وحسب هذا السيناريو، سقطت بغداد بالكيفية التي سقطت فيها بأيدي المعتدين.

 

أقول في هذا المجال قد يكون هذا قد حصل فعلا أو ربما لم يحصل أبداً. لكن أين الدليل على أن هذا الاتفاق قد تم فعلاً؟. فلا أحد أكده، أو صرح به ممن يهمهم الأمر…. فقد يقول قائل، لا أحد له مصلحة بذلك. وأقول بالعكس، الولايات المتحدة الأمريكية لها كل المصلحة بذلك، إحباطاً لمعنويات الشعب العراقي العظيم عامة ولجيشه خاصة. ورفعاً وتعظيماً لقدرة المخابرات الأمريكية على الفعل الكبير في الوقت المناسب والضروري جداً أيضاً. وربما تغطيةً لفشل هذه المخابرات المتكرر والخطير، بدءاً من أحداث 11 أيلول الشهيرة، إلى غزو العراق. فقد قدمت هذه المخابرات معلومات ضللت فيها القيادة السياسية والعسكرية الأمريكية والمتحالفين معها، مفادها أن شعب العراق سوف يرحب بقدومهم ترحيب المُحرِرين، ويلاقيهم بالورود والرياحين، كما وكأنهم عائدون إلى بلادهم منتصرين…. لكنهم فوجئوا منه، أي من الشـعب العراقي بقتال شرس وعنيد، ومقاومة ضاريـة وجبارة، وعمليات استشهاديـة مشرفة ومباركــــــة. أرعبتهــم وأذهلتهم، لا بل وأجبرتهم على إعادة النظر بكل خططهم العسكرية الموضوعة، وحتى على طلب الإمدادات اللازمة، والانتظار لالتقاط الأنفاس والمراجعة المستمرة والسريعة لكل ما حصل.

 

– وربما تكون رواية أمريكية من ألفها إلى يائها، سربتها المخابرات الأمريكية، كدليل على نجاحها في اختراق أمني بهذا الحجم الكبير، تتويجاً لعمل حثيث ومضني، لعدة شهور من التفاوض مع بعض قادة الحرس الجمهوري الفاعلين قبل الحرب وأثناءها. وأثمرت بهذه النتيجة المذهلة….. سقوط بغداد وسقوط النظام فيها بأبسط وأيسر، مما لا يتقبله عقل أو يتصوره عاقل.

 

– وربما تكون رواية متخيلة، كتفسير للكيفية التي سقطت بها بغداد، بهذه السرعة والسهولة المفاجئة لكل الناس عامة وخاصة، والذي لن يكون تفسيراً حسبما اعتقد إلا بأحد أمرين:

 

أ- بالخيانة الوطنية العظمى لشعب وجيش العراق، بالاتفاق على التسليم والاستسلام للأعداء بدون قتال، ودخول بغداد بالأسلوب الذي حصل.

ب- بالقرار الصعب والمرير، أياً كان صاحبه، بإخلاء بغداد من كافة المقاتلين مهما كانت صفاتهم، وعدم القتال والصمود، كما يفترض أن يكون، وكما كان متوقعاً، أن تكون معركة بغداد هي الأصعب والأشرس والأطول…. وكانت غاية القرار إن وجد، تجنيب بغداد التدمير والحرق، وتجنيب سكانها الآمنين، الإبادة المتوقعة، استناداً لما قاله الأمريكان بصريح العبارة والقرار، بأنهم لن يخوضوا حرب مدن وشوارع إطلاقاً، و أنهم عازمون جداً على احتلال بغداد وإسقاط النظام فيها، حتى ولو اضطروا لإتباع سياسة الأرض المحروقـة، بكافة الوسائل المتوفرة لديهم، بما فيها استخدام أسلحة التدمير الشامل، التي لوحوا بها، أو ما يشبه أسلحة التدمير الشامل. وقد فعلوا بالثانية ما فعلوا. ويا هول ما فعلوا…. !!

 

جـ- وقد يكون الأمران قد حصلا فعلا حتى وقع ما وقع. فمن الممكن أن يكون اتفاق الخيانة قد حصل بالسيناريو الذي عرض كحقيقة من جهة، وكطعم من جهة أخرى أيضاً أي:

 

1- تسليم بغداد كخيانة حقيقية أو وهمية وقد حصل.

2- السماح بدخول القوات الأمريكية المعتدية إلى بغداد، بدون قتال يذكر كطعم، والحفاظ على سلامة بغداد وسكانها من التدمير والحرق المؤكدين وقد حصل، والنهوض من جديد تحت أي راية وأي قائد وطني، بالأسلوب الذي عرضه السيناريو المذكور، ولكن هذه المرة أقول كحقيقة، وليس كخدعة للتضليل كما مر. بل كخدعة جدية للأمريكان وقد بلعوا الطعم. ربما هذا آت لا ريب فيه أياً كان شكله، وبأي أسلوب كان، لكنه آت أكيد. والله أعلم.

خامساً: بعد استعراض أغلب السيناريوهات التي قدمت ما قدمت لتبرير أو تفسير سقوط بغداد، بالكيفية التي سقطت فيها. يتبين أن أياً منها قد يكون له نصيب من الصحة والحقيقة، لكن يبقى السؤال الذي طرحه العالم ولا يزال، والذي طرح نفسه على العالم ولا يزال، أين ذهب الجيش العراقي بكل عدته وعتاده وسلاحه وقواه البشرية التي لا يستهان بها؟!! وأين الحقيقة؟!!

 

قيل كجواب على السؤال؟

أ- أن جزءاً كبيراً من الجيش، قد دمر من قبل القوات المعتدية، لكـن أين وكيـــف؟! يعني أين العتاد والسلاح المدمر؟ لماذا لم يعرض سوى الأقل من القليل منه ومن المستولى عليه؟ صحيح أن الغزاة قد فجروا أيضاً بعض مستودعات الأسلحة والذخائر، ضمن الأحياء السكنية في بعض المدن العراقية، عن عمد، لإرهاب الشعب العراقي وشل قواه، تحت ذرائع لم يصدقها أحد، وكذبها شهود عيان. فهل هذا هو كل عتاد وسلاح الجيش العراقي، الذي تم تدميره، كما يدّعي المدعون؟

 

ب- وأن جزءاً منه قد أُسر، أين وكيف؟ يوجد أسرى صحيح!! لكــن ليس بالحجم الذي يجيب على السؤال، أين الجيش العراقي الذي يعد بمئات الآلاف؟

جـ – وأن جزءاً منه قد استسلم. صحيح أن بعضاً من قيادة القوات العراقية، قد استسلم كأفراد قادة، ولكن أين القوات التي كانت بإمرتهم، عتاداً وسلاحاً وأفراداً؟

 

د – وأن جزءا من أفراد الجيش، قد تركوا وحداتهم، وتخلوا عن لباسهم العسكري، وعادوا بلباس مدني، إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم وأهاليهم. لكن وباعتراف الأمريكان أنفسهم، انه لا يزال مئات الآلاف من الجيش العراقي مع أسلحتهم مختفين، ويشكلون خطراً جدياً عليهم.

– ومازال السؤال مطروحاً: أين الجيش العراقي البطل؟ لم يستطع أحد حتى الآن الإجابة المقنعة على السؤال. إما لأنه لم يعرف، وليس هذا عيب، أو انه يعلم وآثــر ألا يُقدم خدمةً مجانية لأعداء أمته، سواء كان علمه حقيقة، أو بعضاً منها، أو خيالاً، لا فرق بالمطلق.

 

و أقول في هذا المجال، انه خطرت لي حكاية الجن التي تعرفون… وكيف يتراؤون… وكيف يختفون في الأرض… وكفى. فهي حكاية خرافية، ولكونها كذلك، فان هؤلاء المحتلين، يمقتون الخرافات، ويخشون الأساطير، لذلك يتصرفون بهمجية حقيقية، وبقلق وارتباك وفوضى واضحة، لا بل برعب حقيقي، فهم لا يعرفون متى تقوم في هذه البلاد القيامة عليهم؟ ومن أي ارض وكيــف…؟!

 

سادساًً: العراق الآن محتل من قوات غازية معتدية، جاءت إليه بالأباطيل والأساطيل، وبالخراب والدمار، لتاريخه وثقافته ومدنيته ومدنه ومؤسساته وإنجازاته الكبيرة، وحضارته الإنسانية الخالدة، بل وإنسانيته نفسها…. عن سابق قرار، تنفيذاً لإرادة صهيونية ثأرية تاريخية، بحجج وذرائع كذبتها الوقائع، وشهادة الشاهدين من أهلهم كما يقال، فقد اعترف في نهاية أيار 2003 الجنرال ريتشارد مايرز رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية المشتركة علناً “انه لم يتــــم العثور على أية أسلحة دمار شامل عراقية” هذا بعد أكثر من ثلاثة اشهر على بدء الحرب، وأكثر من شهرين على سقوط بغداد والنظام، وكما صرح بالأمس أيضاً نائب وزير الدفاع الأمريكي بول ولفوتيز، والذي يعتبر أحد المنظرين لهذه الحرب،

 

والأكثر حماسة لشنها، يقول “إن أسلحة الدمار الشامل في العراق، جاءت تلبية لأسباب بيروقراطية” وأضاف “اتفقنا على أن هذه المسألة هي الحجة الوحيدة التي يمكن للجميع الاتفاق عليها”…. فمن هذا التصريح ومن الكثير قبله وبعده، يتبين بوضوح أن هدف الحرب، كما عرف ويعرف العالم في جهات الأرض الأربع، لم يكن إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، ولا إسقاط صدام حسين ونظامه، إلا كهدف معلن ليس إلا…. وان الهدف الحقيقي لهذه الحرب كما هو متداول ومؤكد:

 

1       احتلال العراق، وسلب ثرواته الضخمة عامةً والنفطية خاصةً، والسطو على مقدراته كافة كالقراصنة….

2       الاستيلاء على العراق، كموقع جيو- استراتيجي هام جداً، في المنطقة الأكثر تأثيراً واضطراباً في العالم.

3       القضاء على حضارة العراق، وتراثه التاريخي الإنساني الكبير، وعلى علومه وعلمائه، وعلى ثقافته الزاخرة بالإشعاع الإنساني و…. الخ، تنفيذاً لغرض صهيوني خبيث، ولأغراض أمريكية أخبث….

 

4       مصادرة قرار العراق السياسي مصادرة كاملة ونهائية، و نقله، من خانة أعداء الكيان الصهيوني، إلى خانة الأصدقاء، وإلغاء كونه عمقاً استراتيجياً عربياً في معركة المصير والوجود مع هذا الكيان، وفي اقله تحييده نهائياً عن الصراع العربي الصهيوني.

5       بث موجة تهديد وترهيب، إلى الأنظمة العربية والإسلامية وشعوبها كافة، كرسالة واضحة الأهداف والمرامي، فالذي جرى في العراق، ممكن أن يجري، ببساطة في أي مكان آخر، من هذه المنطقة كلها، وفي أي زمان.

 

– وباختصار لم يعثر المحتلون، لا على أسلحة الدمار الشامل في العراق، ولا على أية وثيقة تثبت علاقة العراق بالقاعدة، بالمطلق، لكنهم قد يجدون تزويراً، وهم عازمون وقادرون…. تبريراً لحربهم القذرة والظالمة، وغير المبررة، وغير الشرعية، وغير القانونية، والمناقضة لرأي و إرادة شعوب الكون، بما فيها شعوبهم. لذلك لا بد أن يجدوا المبرر مهما كلـف، وبأية وسيلـة مهمـا كانت….. وقد يخترعون مخرجـاً لورطتهـم الكبيـرة هذه بالكـذب والخداع، “بالزعم أن العراق ربما يكون قد دمر أسلحة الدمار الشامل قبل بدء النزاع” كما قال بالأمس وللمرة الأولى وزير الدفاع الأمريكي نفسه.

 

– وكذلك لم يكونوا محررين لشعب العراق من نظامه الاستبدادي وجلاديه كما ادعوا…. بل هم استعماريون محتلون، يتصرفون كأنهم أصبحوا مُلاك العراق أرضاً وشعباً وخيراتً، ويتصرفون مع هذا الشعب بأساليب أكثر قذارة ونذالة مما عهده، لا بل بعنصرية متعالية متغطرسة، متباهية بقدراتها الهائلة على البطش والتدمير والقتل التي ربما يكون فيها مقتلها آجلاً…. ومما زاد الأمور سوءاً، قيام ممثل قوات الاحتلال، والحاكم الفعلي باسمها السيد بريمر، بحــل الجيش العراقي والشرطة وأجهزة الأمن، وحـل وزارة الدفاع والإعلام…، أي جرد الوطن من رمز سيادته واستقلاله، بالإضافة إلى الإساءات اليومية المتكررة للمواطنين، وانتهاك حرمة المنازل والمساجد وحتى المقابر، واستباحتها بالمداهمات السريعة والمفاجئة بحثاً عن مطلوبين وتفتيشاً عن أسلحة ومسلحين…. لكنهم لا يعلمون أن هذا سيفجر غضب الشعب الماحق.

 

– ويتبين من التقارير الصحفية الأمريكية والبريطانية التي تتوارد، انه لم ينته مسلسل التضليل والتزوير والخداع، بل والكذب الموصوف، على شعوب العالم عامة وعلى الأمريكية و البريطانية خاصة. فالحقائق سطعت…. والألاعيب انكشفت…. والفضائح تتالى… وتتالى… ولربما أطاحت برأسي الشر ومن معهما عاجلاً.

 

– رغم قناعتي أو هكذا أتصور، أن مقاومة شعب العراق العظيم لم تبدأ بعد، ولن تبدأ قبل أن يستتب الأمن ولو جزئياً في الوطن، وليس قبل أن تعاد له ولو جزئياً البنى التحتية أيضاً، إلا إذا ازدادت الأمور سوءاً وهذا الأرجح. وكما يقال المعارك انتهـت، لكن الحرب لم تنته بعد…. لا بل وكما يقول العراقيـون

الأماجد، أن الحرب لم تبدأ بعد…. فإذا ما زلزلت الأرض زلزالها، واشتد أوارها، دفنت المعتدين في باطنها، كما دفنت الكثير من أمثالهم عبر تاريخها… .

ويقولون أيضاً، هذه أرض العراق العظيم، وهذا شعب العراق العريق، الشعب الذي لن يرضى بالاحتلال، ولن يسكت عليه، وسيقاوم المحتلين بكل الوسائل والأساليب المتاحة، حتى يرحلوا عن أرضه المقدسة، أرض الشهداء والأطهار، أرض الأبرار والأحرار…. وما تشاهدون هذه الأيام من مقاومـة باسلـة مبعثرة هنا وهناك، ليست إلا أول الغيـث، والوابل بالانتظار…. رغماً أن المحتل يعتبر هذه المقاومة إما من فلول النظام البائد أو بفعل خارجي، ليعزلها عن رحمها الحقيقي وهو الشعب، وليبرر عجزه عن إخمادها أيضاً. فاحذروا أيها المحتلون، وارحلوا عن أرض العراق، بأقصى ما تستطيعون من السرعة، حفاظاً على دمائكم ودماء شعوبكم، وهذا الأفضل لنا ولكم وللعالم أجمع…. وإلا فالبركان يتململ، والإعصار يتهيأ، والطوفان يتحفز، والموت يتجول بحرية، وطالبوه أكثر مما تتصورون، ولا طاقة لكم بهم ولا بما سيفعلون… !!!.

 

وأخيراً: أيها القارئ العزيز، عذراً، لقد أطلت عليك، ولم أضف لمعلوماتك الكثير، لكنني حاولت.. .. فما زالت الأحجية قائمة، وما زال اللغز محيراً، وما زال السؤال مطروحاً بلا جواب شافٍ:

كيف سقطت بغداد بهذه الكيفية والسهولة والسرعة.. .. ولماذا؟!!!

وأيـــن الجيش العراقي الكبيـر بجحافله وفرقه وقواه المختلفــة؟!!

اعتقد أن الزمن كفيل بالجواب الحق…. اليــــس كذلـك؟.

 

 

لكنه يا عزيزي القارئ، خلال الستة اشهر التي مضت على كتابة الدراسة التحليلية / حلقة1/ جرت أحداث جسام وخطيرة منها:

1- قتل قوات الاحتلال الأمريكي لنجلي الرئيس السابق صدام حسين وحفيده، عدي وقصي وابنه مصطفى، في مواجهة شرسة وقتال مرير لعدة ساعات، حتى قتلوا ليس برصاص الاحتلال، وإنما بتدمير المنزل الذي كانوا يلتجأون فيه على رؤوسهم. وما شاب هذه الواقعة من تفسيرات وافتراضات وشكوك جدية، مازالت مستمرة بقدر ما، رغم نعي صدام لهم بتسجيل صوتي حقيقي أو مزيف، ورغم عرض صور أجسادهم بعد إصلاحها على الملأ. وقد اعتبر الأمريكان ذلك نصراً كبيراً لهم، وضربة قاصمة للمقاومة الوطنية، التي يعتبرونها من فلول النظام السابق، ومن فدائي صدام الذين يقودهم عدي، ومن خارج الحدود أيضاً، وقبراً لآمال كل من كان يأمل بعودة قصي للسلطة في العراق، لكن المقاومة لم تتوقف بقتلهم ولم تضعف، كما أشاع الأمريكان وأملوا، بل ازدادت عملياتها واتسعت رقعتها، مخيبة بذلك كل آمالهم.

 

فضلاً عن ذلك ورغم كل ذلك، فقد اعتبر البعض في حينه أن الواقعة، ليست اكثر من مسرحية أمريكية محبوكة، لأهداف خاصة بهم، ربما لا تخفى على أحد … وأنها مفتوحة على كافة الاحتمالات، والبعض الآخر اعتبر المسألة منتهية وحقيقية لا جدال فيها!!

 

2- تشكيل ما يسمى بمجلس الحكم الانتقالي، على أساس طائفي وعشائري والى غير ذلك، وليس على أساس وطني. ومن ثم انبثاق حكومة عراقية مؤقتة عنه، خاضعة قراراتهما في أغلبيتها، لتصديق الحاكم المدني الأمريكي للعراق، الذي شكل هذا المجلس أصلاً …

 

وكان أول قرار اتخذه هذا المجلس: هو اعتبار يوم 9/4/2003 أي يوم سقوط بغداد والنظام، عيداً وطنياً في العراق، ويا للعار والشّنار. والقرار الثاني له: هو تشكيل محاكم جنائية، لمحاكمة أركان ورموز النظام السابق، واجتثاث حزب البعث في العراق نهائياً. أقول محاكمة الذين ارتكبوا جرائم وإساءات بحق الشعب، فليكن وهو حــق. لكن اقتلاع الملايين، من البعثيين الذين هم من أبناء الشعب، فماذا يسمى هذا؟ تحرير للشعب؟ أم مصالحة وطنية؟ أم الحفاظ على الوحدة الوطنية للشعب بكل فئاته، وبناء عراق حر سيد وديمقراطي، مع طي صفحه الماضي، والعمل لبناء مستقبل أفضل، آمن ومستقر وعادل؟ أم هو الانتقام والتآمر والثأر الحاقد بعينه، وما يرافق ذلك، من انقسام وفرقة وتشرذم واقتتال تحت كل المسميات، خدمة للأمريكان وبالتالي للصهاينة أيضاً؟ فهذا ما يريده المحتلون، وما يسعون إليه، بكل عزم وقوة، تحقيقاً لأهدافهم ولبقائهم في العراق ما استطاعوا البقاء. جاثمين على صدر أبنائه وناهبين لثرواته، ومدمرين لقدراته الكبيرة جداً والمتنوعة … فاحذروا الطاعون الطاغوت.

 

– وقد قام المجلس بما يجب أن يقوم به من أعمال وإجراءات، وبالقدر الذي تسمح قوات الاحتلال، باتجاه أن يكون للعراق دولة مستقلة، بأسلوب تتفق عليه مع المحتل، وبالتعاون معه، ولا يزال … مثل: عودة بعض عناصر الشرطة المدنية القديمة منها والجديدة للعمل – المباشرة ببناء جيش جديد مُوال – المباشرة بالعمل لإعادة تأهيل البنية التحتية ولو ببطء شديد – فتح باب الاستثمار واسعاً في كافة المجالات، خاصة في مجال النفط، وكذلك بما فيها السماح بتملك الأراضي والعقارات في العراق بلا قيود مطلقاً، أمام الجميع بدون استثناء، بما فيها إسرائيل بشكل غير مباشر لكنه معروف، وما أثاره ذلك من ردود فعل سلبية عليه – والعمل مع قوات الاحتلال الأمريكي وبإرادتها وأسلوبها على ما يسمى بإعادة اعمار العراق … الخ.

 

وما رافق ذلك، من آراء وأفكار ومواقف موالية ومعارضة، لما جرى ويجري وما زالت، وبإصرار بعض القوى الوطنية على رحيل قوات الاحتلال، ونقل السلطة الفعلية، لحكومة عراقية منتخبة ديمقراطياً من الشعب العراقي، وفق دستور جديد، مصاغ من مجلس دستوري منتخب، واسترداد السيادة والاستقلال والكرامة الوطنية، لعراق موحدٍ أرضاً وشعباً في أسرع وقت ممكن.

 

وعلى ارض الواقع، لم تفلح قوات الاحتلال والمجلس في إعادة الأمن والاستقرار للعراق، وتامين متطلبات وحاجات الشعب العراقي ولو في حدوده الدنيا. وبالتالي ما تزال الأمور مفتوحة على كافة الاحتمالات.

وبالخلاصة من جاء على دبابات المحتل عليه ألا يفاخر بالانتصار، وألا يتمادى بالانتقام، وألا يتوغل كثيراً في التباري لخدمة الاحتلال والإخلاص له . فالعبرة في التاريخ ما زالت ماثلة للجميع …!

 

3- استفحال التغلغل الصهيوني، بأشكال مختلفة إلى الساحة العراقية، من الموساد الذي يصول ويجول، في كافة الاتجاهات والمجالات الحيوية المفتوحة أمامه بوجود الاحتلال، دارساً وراصداً كل شيء لمصلحته، و بالتعاون مع المخابرات الأمريكية ولمصلحتهما معاً، على كافة الصعد، حتى انه يشارك في استجواب المعتقلين العراقيين في سجون الاحتلال، المتخمة بكل الألوان الأطياف والأعمار. إلى اليهود الصهاينة الذين يشترون العقارات والأراضي، خاصة الغنية بالنفط حالياً ومستقبلاً، حيثما أتيح لهم ذلك. بالإضافة لمحاولة إسرائيل تنفيذ ضخ النفط إليها عبر خط كركوك – حيفا، الذي يمر في الأردن، بما في ذلك من ملابسات وأخطار جسيمة … وكذلك تغلغل شركات التصدير الإسرائيلية إلى العراق عبر شركات أجنبية وسيطة … حتى انه لن يؤثر، استبعاد إسرائيل مع الدول التي عارضت الحرب غير المشروعة على العراق، من المنافسة على عروض إعادة أعمار العراق، من الحصول على حصتها من الغنيمة، كما يقول مدير معهد التصدير الإسرائيلي، شابه بروش، وموضحاً أكثر، من أن حجم الصادرات الإسرائيلية غير المباشرة للعراق، تقدر بمائة مليون دولار العام المقبل. بالإضافة إلى إنشاء مركز الدراسات الشرق أوسطية (م.د.ش.أ) في شارع الرشيد في بغداد، الذي على صلة وثيقة بمؤسسة الأبحاث الإعلامية الشرق أوسطية، التي تديرها المخابرات العسكرية الأمريكية، والذي كل نشاطاته، مريبة وخطرة ومحرضة للغرب والعالم على العرب، بترجمته كل ما يسيء، إلى أخلاق وسلوك وطموح العرب، إلى الحرية والديمقراطية والاستقلال واسترداد الحقوق العربية المسلوبة، بشرف وجدارة الكرام، وليس كما يصورون. وهذا يندرج تحت يافطة الحرب النفسية والمعنوية والثقافية الخطيرة، التي تشنها قوى التسلط والعدوان، على العرب والإسلام، بكل الوسائل والإمكانات المتوفرة، وبالتضليل والتزوير والكذب، بما لديها من براعة وإتقان في هذا المجال. وبالإضافة لمساهمة إسرائيل بتدريب بعض القوات الأمريكية، على مكافحة الإرهاب العراقي المزعوم، بل والمشاركة فيها أيضاً. ولهذا يلاحظ أن الأسلوب والأدوات والوسائل، التي تتبعها قوات الاحتلال في العراق، هي واحدة، كما في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من القتل العمد، إلى القتل العشوائي، إلى القتل الخطأ، إلى تدمير وتهديم المنازل على رؤوس ساكنيها، إلى الاغتيالات، إلى تجريف الأراضي الزراعية، فالاعتقالات التي طالت حتى النساء والأطفال والشيوخ التي فاقت كل تصور … بعمليات دهم واقتحام وتفتيش، قذرة ومتواترة ليلاً ونهاراً، للمنازل والمحال… وحتى المساجد، بدون مراعاة لحرماتها وقدسيتها وخصوصيتها جميعها أبداً، كما ذكرنا سابقاً. إلى التشريد والتجويع، فالحصار الخانق ومنع التجول هنا وهناك، والادعاء واحد ” مكافحة الإرهاب ” كاذب ومضلل كما في إسرائيل.

 

 ولا غرابة في ذلك فأمريكا وإسرائيل حليفان ستراتيجيان، تجلى هذا التحالف ، افضل ما يكون في حرب الإبادة في فلسطين، وفي حرب التركيع الوحشية في العراق …، والاهم أن نقول هنا: أن المجرم شارون وحكومته، كان يأمل من احتلال العراق، إزالة خطر أن يكون العراق، قاعدة خلفية داعمة للمقاومة الوطنية والإسلامية في فلسطين، وظهير قوي حقيقي لسوريا، وسند جدي لها، في صراعها لاسترجاع ما اغتصب من أرضها. وكذلك سيسمح له احتلال العراق أيضاً، في إطلاق يده اكثر مما هي مطلقة، في حربه العنصرية الضروس، لإنهاء الانتفاضة والقضاء على المقاومة، وفرض الحل الإسرائيلي على فلسطين، تشريداً وتهجيراً، عزلاً وإبادة، وإنهاء لحلمهم بدولة مستقلة، ذات سيادة، عاصمتها القدس، قابلة للحياة والاستمرار … مستمراً في غيه، في بناء المستوطنات، وجدار الفصل العنصري، وإجراءات القمع والبطش العنصري النازي. لكن الذي حصل أن حليفه الاستراتيجي غرق في وحول العراق، ووقع في ورطة كبيرة، وسقط في أزمة خانقة، لا يعرف كيف الخروج …! مما زاد من أزمة شارون، وأزمات كيانه الاقتصادية والسياسية والأمنية…، فالوضع في فلسطين والعراق يتفاقم إلى الأسوأ، والحل لكل ذلك معروف وبسيط، يتجسد في إنهاء الاحتلال عن البلدين، وتسليم السلطة لأصحابها الشرعيين، وفق القانون الدولي والشرائع الإنسانية.

 

– بالاختصار هذا التغلغل الصهيوني الخطير والواسع، في ارض الرافدين، هو ما يقلق بشدة، كافة شرائح المجتمع العراقي والعربي والإسلامي، فاللصوص الصهاينة قد سرقوا ما أمكنهم من آثار الرافدين التاريخية والحضارية، ودمروا ما لم يستطيعوا السطو عليه، بقدر ما أمكنهم ذلك، تحت سمع وبصر العم سام، انتقاماً للسبي البابلي، وثأراً من هذه الحضارة، العريقة الموغلة عميقاً في التاريخ، التي يفتقد إليها الإسرائيليون والأمريكيان معاً.

 

4- اشتداد ساعد المقاومة الوطنية العراقية، وتضاؤل بعثرتها وفوضاها، اللتان كانت تعاني منهما في البداية، وتوجهها جدياً، نحو توحيد قيادتها وأهدافها ومنطلقاتها الوطنية لا طائفية ولا عرقية، لا مناطقية ولا مذهبية، ولا شيء آخر، غير الوطنية والوطن … والعمل بجدية لتوحيد صفوفها ووسائلها وأساليبها وأدواتها، كما يجب أن يكون، وان لم يكن ذلك بالمستطاع حالياً، فعلى الأقل تنسيق المواقف والأعمال والنشاطات، لتكون أكثر فعالية وجدوى، في صراعها المرير مع المحتل، إلى أن يتحقق رحيل المحتلين عن ارض العراق الطاهرة والمقدسة.

 

– ولقد تحررت المقاومة الوطنية العراقية هذه، من كابوس تهمة أنها من فدائي صدام، ومن فلول النظام السابق، بمقتل عدي وقصي أولاً، وباعتقال صدام حسين نفسه لاحقاً، الذي يمكن أن تكون أحد فصائل المقاومة من اتباعه وليس كلها. وكذلك من أنها، من عابري الحدود من خارج البلاد، بإغلاق الحدود نهائياً أمام المتسللين، كما أعلنت ذلك قوات الاحتلال ودول الجوار. وكأن قوات الاحتلال بهذه التهمة، تقول أن العراق عقيم، مع انه الأغنى بالرجال والنساء… الوطنيين الشرفاء الذين يفخر بهم الوطن.

 

– كما أن المقاومة تحررت بوعي المواطنين وقناعتهم، بان الأعمال الإرهابية التي تستهدف المدنيين الأبرياء والعزل، بلا هدف عسكري أو أمنى أو حتى سياسي، فهي من صنع أعداء الوطن والأمة، الموساد والمخابرات الأمريكية وعملاؤها.  فهذه أعمال قذرة ومدانة ألصقت زوراً وبهتاناً بالمقاومة، لتصنيفها ضمن قوى الإرهاب الحقيقي، وتجريدها من حقها المشروع والقانوني والإنساني في مقاومة الاحتلال، بكل الوسائل المتوفرة لديها. كقوى ناهضة من قلب الشعب العراقي الأصيل، لإنجاز هدفها المقدس بالاستقلال الحقيقي الكامل والناجز.

 

– نستخلص من كل ما مر، أن المقاومة هي مقاومة وطنية، هدفها تحرير العراق، وليس عودة صدام حسين أو أي من رموز النظام السابق إلى الحكم، كما أنها من صميم الشعب العراقي وليست دخيلة عليه، وأنها أيضاً تحررت من كل القيود التي كبلت نشاطها، وحدت من انتشارها في كل الأطياف السياسية وغير السياسية في العراق. وبذلك لم يبق حجة أو عذر، لأي فئة عقائدية أو شريحة اجتماعية أو قوة سياسية، أو غيرها، لعدم انخراطها في الكفاح المسلح ضد الاحتلال، ولا لعدم مؤازرة المقاومة بكل أنواعها، بكل السبل والوسائل المتوفرة، بما فيها الصمود والممانعة وعدم التعاون مع المحتل. وإلا فالتاريخ بالمرصاد ولن يرحم أحداً. فانتبهوا يا أولي الألباب والضمائر والأيمان والحضارة والتاريخ.

 

ونستخلص أيضاً، أن استمرار المقاومة واشتداد ضرباتها الموجعة، لقوى الاحتلال الأمريكي ومن معه، هو الذي اجبر أمريكا على اللجوء إلى الأمم المتحدة، وعلى الاستعانة بالحلف الأطلسي، وبغيرهم من دول العالم، لإنقاذها من ورطتها المجلجلة وفضيحتها التاريخية. وهو الذي اجبرها أيضاً على الإسراع في إجراءات نقل السلطة إلى العراقيين، ضمن جدول زمني محدد كما هو معلن. وهو الطريق والاسلوب الوحيد العملي، الذي سيجبر قوى الاحتلال على الرحيل عن ارض العراق، وإنجاز الاستقلال المنشود لشعبه، وتطهير أرضه المقدسة، من كل الذين دنسوها بأعمالهم الوحشية والعنصرية والى الأبد.

 

5- اعتقال قوات الاحتلال الأمريكي الرئيس السابق صدام حسين، في مزرعة شمال تكريت، مسقط رأسه، كما تزعم هذه القوات. الذي تم بلا مقاومة وبلا إطلاق رصاصة واحدة، وبلا أن يتأذى أحد في هذه العملية، لا بل وبتعاون كبير من صدام نفسه. كما أعلن قائد القوات الأمريكية في العراق في حينه … وعرضه على شاشة التلفزيون، بشكل مزري ومهين ومقيت، وكأنه مخبول، أو متعاطي المخدرات، أو مُخدراً. بحيث ظهر مسلوب الإرادة، قليل التركيز والانتباه، زائغ النظرات، فاقد الأهلية الذهنية، مستسلماً بشكل مريع ومخجل، غير محترم كرئيس دولة سابق من قبل معتقليه، بشكل مقصود ومثير للاستفزاز … وكأنه رئيس عصابة مجرمة، وليس رئيس دولة. ونسيت أمريكا بنوشيت، وفرانكو … وغيرهم كيف عُوملوا … فلماذا هذا الاستخفاف؟ ولماذا هذا الأسلوب غير الأخلاقي، وغير الإنساني، وغير المألوف أبداً؟

 

وما رافق عملية الاعتقال، هذه من ملابسات وتخمينات وتوقعات وشكوك جدية … من حيث توقيت الإعلان عن الاعتقال، الذي جاء في مصلحة رؤساء التحالف بوش وبلير وازنار، الذين يعانون الكثير من المشاكل العويصة في بلدانهم ومع العالم، بسبب الحرب غير المبررة التي شنوها على العراق. خاصة بعد فشلهم في العثور على ما ادعوا. مما دفعهم للتركيز، على أن الإطاحة بنظام صدام حسين الاستبدادي، وتحرير شعب العراق من جلاديه، وإقامة نظام حر ديمقراطي، جدير به هذا الشعب المضطهد. ( لماذا هذه الغيرة المفاجئة على شعب العراق بالذات؟؟!) ألا يُعتبر هذا سبباً كافياً للحرب، خاصة أنه لم يبق غيره لديهم. فلذلك كان التوقيت مشكوكاً فيه، لأنه جاء مناسباً لهم جميعاً انتخابياً. وكذلك ما رافق عملية الاعتقال، من ضجة إعلامية كبيرة، هائلة محضرة مسبقاً لهذا الانتصار، وكأنه فلماً هيوليودياً ضخماً في كل شيء … وبنتيجة هذا ارتفعت اسهم الرئيس الأمريكي بوش في استطلاعات الرأي إلى 59% مؤيدين لسياسته. واعتقد أن هذا الانتصار، لن يدوم طويلاً، ولن يكون أكثر من بالون قد نُفخ فيه كثيراً، حتى انفجر وتطايرت آثاره هباء، خاصة إذا ما استمرت ضربات المقاومة الوطنية الجريئة والمؤلمة، لقوات الاحتلال، وهذا ما سيكون أكيداً، وبزخم اكبر بكثير مما جرى حتى الآن … لذلك اعتقد أن قوات التحالف، ستحاول العثور على أسلحة التدمير الشامل، وعلى وثائق تثبت علاقة النظام بالقاعدة. من خلال اعترافـات صدام وتعاونـه، بالدلالـة على أماكـن وجودهـا في ارض العراق، بـعد أن يـكونوا قد حضّـروها، عمــداً

 

وقصداً لهذا الغرض… – وما تصريح طوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأخير، عن عثور فريق التفتيش فــي العراق على ” أدلة هائلة، على وجود نظام ضخم من المعامل السرية ” لصنع أسلحة دمار شامل، إلا شاهد على ذلك، رغم نفي بول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي للعراق، لادعاءات بلير، وتكذيبه إياه علناً، وصل إلى حد الفضيحة السياسية – باعتبارهم، كما قلت، يعرفون، أن اعتقال صدام حسين، ليس اكثر من فقاعة صابون في عالم السياسة. ستزول آثاره الإيجابية، مهما تمادوا في العزف على إيقاعه، بأسرع مما كانوا يعتقدون. وهذا ليس غريباً، على عقلية مستبدة ومتباهية، مكافيلية ومحافظة، شريرة ومدمرة، لأصحابها قبل غيرهم. بفعل تحريض وتحفيز وتخريب صهيوني توراتي واضح. لا بل ليس مستبعداً ولا مستغرباً أيضاً، أن تُعلن في الوقت المناسب لها، عن اعتقال أسامة بن لادن، أو شخصية مماثلة في الأهمية، في أفغانستان أو في العراق أو في كليهما معاً لا فرق.

 

والرواية الأمريكية عن عملية اعتقال صدام، يشوبها الكثير من عدم المصداقية والمعقولية والمنطقية، خاصة بعد إعلانها متأخرة، أن أحد الضباط المقربين جداً من صدام، هو الذي دلهم على مكان وجوده، مما ساعدهم على اعتقاله، بالطريقة التي تمت فيها العملية…، دون أن يحق له قبض المكافأة المعلنة. فلماذا كل هذا التأخير في الإعلان؟!

 وبعد أن أعلن أيضاً، أحد عناصر حزب الاتحاد الكردستاني العراقي، انه هو الذي اعتقل صدام حسين، واحتفظ به للمساومة مع الأمريكان، حتى حصل على مكاسب سياسية وغيرها، فسلمهم إياه في وقت إعلان اعتقاله، أو ربما قبل ذلك. فلماذا لم يعلنوا هذا إذا كان صحيحاً أو يكذبوه؟! ولماذا لم يتم تصوير عملية الاعتقال تلفزيونياً، لاستغلال ذلك إعلامياً، خاصة بعد كل ذلك التحضير الإعلامي الضخم؟! ولماذا جرى تصوير صدام حسين بالشكل الذي عُرض، على انه استسلم بكل خنوع وذل وإطاعة غريبة؟!

فهل هذا صدام الشرس الدموي العنيد المغامر جبانٌ ؟! ليسمح باعتقالهِ في ذلك الجحر المغلق، بلا منفذ آخر للخروج عند الحاجة، وهو الحريص جداً في تنقلاته وسكناته، بهذه السهولة واليسر، فهل يتفق هذا مع طباع الرجل؟ خاصةً وان ولداه وحفيده، قاتلوا جنود الاحتلال حتى قُتلوا، فكيف هو لا يقاوم بل يتعاون؟!! فهل هو متواطئ مع الأمريكان، لترتيب عملية الاعتقال، بحيث تكون في الوقت الملائم لهم ولحلفائهم؟ أم كان مخدراً بفعل غازات الأعصاب، أو حُقَنُ التخدير؟! أو هل اعتقاله كان قد تم منذ زمن بعيد، وكُتم الخبر، إلى أن حان الموعد المناسب؟ وهل تعرض خلال ذلك، لعملية غسل دماغ وتشويش على تفكيره وإرادته؟! أقول في هذا المجال كل الاحتمالات واردة، وستظهر الحقيقة أو بعضها في محاكمة الرجل، إذا ما تمت علنية وعادلة وشفافة وقانونية، وهذا مستبعد على الأغلب. إلا إذا تم الاتفاق بينه وبين معتقليه، على ما يجب أن يكون، وما يقال فيها، وإلا فان المحاكمة ستكون للأمريكان وحلفائهم، لما ارتكبوا بحق شعب العراق ومؤسساته كافة وحضارته، اكثر مما هي محاكمة لصدام ونظامه، وهذا ما يخشاه الأمريكان. اللّهم هذا إذا بقي صدام حياً إلى حينها، فقد يكون ميتاً، أو منتحراً، أو مقتولاً… ليختفي عن ساحة الأحداث في العراق والعالم نهائياً، بعد أن يكون دوره فيها قد استنفد أغراضه.