تحقيقات

القدرات الروسية في عهد بوتن بعد عام 2003

احمد حسين قاسم

ــــــــــــــــ

 

القدرات السياسية

تمتلك روسيا مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي وهو ما ورثته من الأتحاد السوفيتي السابق وهذا يبيح لها إستخدام حق النقض الفيتو الذي يعتبر أحد القدرات السياسية التي تميز روسيا وهذه إستراتيجية ( التلويح بحق الفيتو ) دأبت روسيا على استخدامها كلما أسرفت الولايات المتحدة في مواقفها () 0
لقد عرفت روسيا بعد عام 2000م تغيرات جذرية مهمة أحكمت القيادة الروسية الحاكمة والمنتخبة شعبيا سيطرتها على مراكز القرار في روسيا ، تحت عنوان استرجاع التلاحم الاجتماعي الداخلي،ومحاربة الفساد، وقضائه على الجريمة المنظمة وإعادة الهيبة والمكانة إلى الدولة الروسية داخليا وإقليميا ودوليا ، للحفاظ على الأمن القومي كأولوية وإستراتيجية في آن واحد ، لقد أثبتت القيادة الروسية القدرة على التحول الديمقراطي القومي نحو الأمام حتى أصبح القرار الروسي السياسي والاقتصادي الخارجي مؤثرا في المواطن الروسي الذي يشعر بالأمن واحترام الذات والعزة القومية بتحسن اقتصادها ونظرة العالم المتقدم إلى روسيا كقوى دولية ،لأن ثروات ومقومات الدولة الكبرى لا تزول مع زوال نظام سياسي معين بل تتفاعل وتتطور مع إرادة النظام السياسي وسنحاول أن نظهر القدرة السياسية لروسيا من خلال توضيح الشكل الداخلي للنظام المعني بصنع القرار في روسيا وشخصية صانع القرار المتمثلة بالرئيس بوتين وكما شرحنا في المبحث الثالث من الفصل الأول فأن مكانة الدولة تصنعها حكمة ورصانة وشخصية صاحب القرار .

MOSCOW REGION, RUSSIA. APRIL 22, 2015. Russian Army soldiers chant as they march in formation at Alabino during a rehearsal of the upcoming 9 May Victory Day Parade. Sergei Savostyanov/TASS

الهيكل القانوني والدستوري لصناع القرار السياسي في روسيا
تحكم روسيا بموجب دستور عام 1993 وهي دوله فدرالية ديمقراطية ذات نظام جمهوري وعاصمتها موسكو ولغتها الروسية وهي دوله علمانية وتتكون السلطات الثلاثة المكونة للنظام السياسي الروسي كالأتي
أولا :السلطة التنفيذية واهم جزء من هذا السلطة هي الحكومة الفدرالية وتتولى عدة مهام منها رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة ورسم السياسة الخارجية للدولة وتوقيع المعاهدات وعلان الحرب والسلم وإصدار الدستور الفدرالي وتعدية وبما أن النظام المعمول به في روسيا حسب دستور عام 1993 وهو نظام رئاسي فرئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ويعد مركز الثقل في النظام السياسي الروسي ومحور عملية صنع القرار فيه ويتضح ذلك من السلطات الواسعة النطاق المخولة له بمقتضى الدستور فهو الذي يحدد الخطوط العريضة واتجاهات السياسة الداخلية والخارجية وكذلك يقترح تعديل الدستور واقتراح القوانين وتعاونه الحكومة التي تتألف من رئيس الوزراء والوزراء وتأثيرها يقتصر على مجرد أبداء الرأي والمشورة التي قد بأخذ بها الرئيس وقد لا يأخذ فمهمة مجلس الوزراء الأساسية تنفيذ السياسة الداخلية والخارجية للدولية()0
ثانيا: السلطة التشريعية (البرلمان)ويتكون من مجلسين هما مجلس فدرالي وهو المجلس الأعلى ويتكون من 178 عضوا ومجلس الدولة ويتكون من 450 عضوا فالمجلس الأول يهتم بحدود الدولة واستخدام القوات المسلحة خارج روسيا أما المجلس الثاني وهو مجلس الدولة او كما يسمى بمجلس الدوما فهو الجهاز التشريعي الأساسي الذي يتولى عملية صنع القوانين المقترحة من جانب الرئيس أو من جانب مجلس الدوم ويتمتع الرئيس بسلطات واسعة تجاه مجلس الدوما فله حق حل المجلس والدعوة لإجراء انتخابات جديدة ويتمتع بحصانة وليس للدوما دور رقابي على الرئيس ألا في حالة الخيانة العظمى() 0
ثالثا :السلطة القضائية
القوى السياسية المؤثرة في عملية صنع القرار
الأحزاب السياسية : تعد الأحزاب السياسية الروسية ضعيفة التأثير في عملية صنع القرار السياسي لأسباب عده منها أنها محدودة العضوية وليس لها فروع أو وجود في كافة إنحاء روسيا () 0
جماعات المصالح:0كفل دستور عام 1993 حرية تكوين الجمعيات والمنظمات ولعل اهم هذا الجمعيات هي الخاصة بالعمال في اتحاد النقابات المستقلة الذي يظم 50 مليون عضو وكذلك ينتظم الفلاحون في اتحاد الزراعيين ويلجا عادة العمال الى التظاهرات السلمية حيث عادة ما تأتي للمطالبة بزيادة الاجورحيث ليس لها طابع سياسي والخلاصة أن جماعات المصالح في روسيا لا تمثل قوة مؤثره في عملية صنع القرار() 0
الراى العام:0كفل دستور عام 1993 حقوق وحريات خاصة بالمواطنين والأول مرة في روسيا بدا يتبلور رأي عام يأخذه صانع القرار بنظر الاعتبار ولو كان محدود التأثير فظهرت العديد من مؤسسات استطلاع الراي العام() 0
الصحف:0لا تزال الصحافة الروسية تعاني من القيود نظرا لتدهور الأوضاع الاقتصادية للعديد من الصحف حيث تعتمد أكثرها على الدعم الحكومي مما يفقدها استقلالها أو اعتمادها على التمويل بعض رجال الأعمال وبالتالي تصبح رهن توجهات أصحابها()
الكنيسة :بما أن الدولة تنتهج نظام علمانا فان الكنيسة ضعيفة التأثير نسبيا على المستويين السياسي والشعبي () 0
مما تقدم يتضح الدور المهيمن لرئيس الدولة في عملية صنع القرار السياسي وضعف القوة الداخلية ومحدودية تأثيرها في عملية صياغة القرارات بما في ذلك البرلمان نظرا لسيطرة الرئيس وعدم وجود مناخ ديمقراطي يسمح لهذا القوى بممارسة دورها0 وهنا لابد من تسليط الضوء على شخصية صاحب القرار الروسي والشخصية السياسية الأبرز التي سعت لتأخذ روسيا مكانتها الطبيعية بين الدول ، ولأن هذه الشخصية لها أثر واضح وجلي في الحياة الروسية كان لزاماً علينا ذكر بعض من ملامح حياته0

 


الرئيس الروسي فلاديميروفيتش بوتين:
.فالرئيس فلاديميروفيتش بوتين) ولد في عام 1952 في مدينة لينينغراد (خريج كلية الحقوق من جامعة لينينغراد في عام 1975، وأدى خدمته العسكرية في جهاز أمن الدولة وعمل في جمهورية ألمانيا الشرقية الفترة من 1985-1990. تولى منصب مساعد رئيس جامعة لينينغراد للشؤون الخارجية منذ عام 1990، ثم أصبح مستشارا لرئيس مجلس مدينة لينينغراد. تولى منصب رئاسة لجنة الاتصالات الخارجية في بلدية سانت بطرسبرغ )لينينغراد سابقا) منذ 1991. وفي الوقت نفسه تولى منصب النائب الأول لرئيس حكومة مدينة سانت بطرسبرغ منذ العام 1994 00أصبح نائبا لمدير الشؤون الإدارية في الرئاسة الروسية منذ آب 1996. ثم أصبح نائبا لمدير ديوان الرئيس الروسي ورئيسا لإدارة الرقابة العامة في الديوان منذ آذار 1997 وفي 1998أصبح نائبا أول لمدير ديوان الرئيس الروسي. وعين في نفس العام مديرا لجهاز الأمن الفيدرالي في روسيا وتولى في الوقت نفسه منصب أمين مجلس الأمن في روسيا الاتحادية منذ آذار1999. وفي آب 1999 أصبح رئيساً لحكومة روسيا الاتحادية وذلك باختيار من الرئيس بوريس يلتسن تولى اختصاصات رئيس روسيا الاتحادية بالوكالة منذ 1999 بعد استقالة الرئيس بوريس يلتسن . وانتخب في آذار 2000 رئيساً لروسيا الاتحادية . وتولى منصبه في مارس 2000وأعيد انتخابه للرئاسة في آذار 2004 وهو يشغل منذ عام 2008 منصب رئيس وزراء روسيا الاتحادية()0وقد أعيد انتخابه رئيساً لجمهورية روسيا الاتحادية في 4 آذار، 2012 وبعد فرز 88.06% من الأصوات، تبين حصوله على 64.72% من الأصوات، وهو ما لا يجعل هناك حاجة إلى جولة ثانية من الانتخابات، حيث يشترط القانون حصول الفائز على أكثر من 50% للفوز بالانتخابات من المرحلة الأولى().حصل على المركز الأول في قائمة مجلة فوربس لأكثر الشخصيات العالمية تأثيرًا عام 2013()
أهم أفكاره وتوجهاته السياسية
لم يعمل بوتين في الساحة الأيديولوجية ولم يتقدم بأية برامج ( سحرية ) واعدة بتحقيق التحولات والإصلاحات الجذرية والراديكالية التي من شأنها تغيير وجه البلاد بين ليلة وضحاها، ويسترشد بوتين بالقيم الحضارية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التدبير الاقتصادي وتنوع الملكية وضرورة وجود الدولة القوية القادرة على الدفاع عن الوطن والمواطن ومراقبة العمليات الجارية في الحياة الاقتصادية وضبطها() 0أكد الرئيس خلال رسالته السنوية إلى البرلمان الروسي بمجلسيه الأدنى والأعلى ( على عدد من المهمات الإستراتيجية للمرحلة القادمة وقي مقدمتها السعي لمضاعفة الناتج القومي خلال عشر سنوات ومحاربة الفقر وتطوير القوات المسلحة بحيث تستطيع الدفاع بجدارة عن مستقبل روسيا الاتحادية )().وتعد هذه الوثيقة وثيقة رئيسة لتحديد المحاور الأساسية للإستراتيجية الداخلية والخارجية على جميع محاور نشاطات الدولة ومسارات الحياة السياسية ، ويلفت النظر في هذا التقرير ان الرئيس الروسي اتكأ في معظم مقارناته على معطيات فترة سنوات حكمه وكأنه يقدم رصد حساب عن نشاطات فترة وجوده في السلطة ، وأوضح بوتين ان روسيا استطاعت تحقيق خطوات هامة في المجال الاقتصادي والمالي حيث استطاعت تسديد ربع ديونها الخارجية وارتفع الاحتياطي المركزي الى 61 مليار دولار وارتفع الدخل الفعلي للمواطنين بنسبة 32% كما تحولت روسيا من مستورد الى مصدر للحبوب لأول مرة ()، وزادت الصادرات من الآلات والمعدات والسيارات بحدود 70% والمواد الغذائية قرابة 300% وازداد تصدير النفط والغاز ومشتقاتهما بنسبة 18% وركز على ان الشركات الروسية أخذت دوراً هاماً في الاقتصاد الدولي وباتت تنافس بجدارة كبريات الشركات في العالم وان النمو الاقتصادي قد شهد تطوراً ملحوظاً في غضون ذلك بان هذا النمو لا يحمل صفة مستقرة وان المنتجات لم تصل الى مرحلة المنافسة المتكافئة معترفاً بان 25% من السكان ما زالوا تحت خط الفقر مشدداً على المعضلات الخطيرة كالمخدرات والأمراض وخاصة الايدز ناهيك عن نقصان عدد السكان مشيراً الى ان مؤشرات تعداد السكان في روسيا بدأت تتحسن نسبياً.وركز الرئيس الروسي على عمليات الإصلاح في المنظومة الضرائبية وتحسين الأجور وظروف العمل والية الهجرة() ، ولم ينس بوتين انتقاد القوى السياسية التي باتت ،حسب تعبيره، تسعى للحصول على تعاطف شعبي للانتخابات تقدم الوعود التي تفوق كثيرا إمكانيات الميزانية حتى ان بعض القوى الليبرالية باتت تدعم القرارات التي يمكن ان تفلس الحكومة ، وأعلن بوتين لأول مرة انه يؤيد تشكيل الحكومة على أساس الأغلبية البرلمانية0 وتوقف الرئيس الروسي مليا عند المسالة الشيشانية مؤكداً ان روسيا ستتابع بكل قواها المسار السلمي بحيث يعيش الشعب الشيشاني بالشكل اللائق وان الأعمال الإرهابية والتفجيرات لن تثني الحكومة الروسية عن الوصول الى هذه الأهداف مركزاً على ضرورة إيجاد السبل الأنجع بما في ذلك تحقيق الفصل في الصلاحيات بين المركز والجمهورية الشيشانية وتكريس العفو العام لعودة المقاتلين الذين لم يرتكبوا جرائم خطيرة على الحياة المدنية السلمية().وانطلق الرئيس الروسي في المجال الخارجي منوهاً بان عدة ملايين من سكان دول الرابطة يجدون العمل في روسيا مما يؤكد كونها باتت مجالا مغريا للعمل .. مؤكدا على ضرورة توطيد التعاون مع دول الرابطة على جميع المستويات وخاصة الجوانب الإنسانية والاقتصادية والأمنية .أيضاً أكد على مبدأ التعاون والصداقة مع شعوب ودول العالم كافة، مشيراً الى أهمية الخط الاستراتيجي في التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي ، وقد أكد ذلك أيضاً خلال خطاب ألقاه في السفارة الروسية في واشنطن اذ قال ( انه لم تعد روسيا والولايات المتحدة تتبادلان الأحقاد وان هذا سيعطي فرصة للتخلص معاً مما كان مصدر رعب للعالم بأسره مؤكداً ان مستوى الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل لا يتماشى مع الوضع الدولي الحالي ولا التهديدات الجديدة ، مؤكداً ان الولايات المتحدة ستبدي تفهماً حول هذه المسألة مشيرا الى ان الدولتين لم تعد بحاجة إلى ان تخيف الواحدة الأخرى للتوصل الى اتفاق .. وان كتل الحديد لا تضمن الأمن بل الإرادة السياسية للشعوب والدول وقادتها)()0وركز على دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي موضحاً ان قرارات المنظمة الدولية تتخذ في كثير من الأحيان بصعوبة ويتم تجاوز الأمم المتحدة أحيانا وأضاف ان بعض القرارات قد لا تعجب هذا أو ذاك ولكن هذه المنظمة هي الآلية الشرعية الوحيدة الموجودة حاليا منوها بضرورة تعميق دورها وتطويرها وان روسيا مستعدة لمناقشة هذه المسائل لتحقيق هذه الأهداف () .كما أوضح بوتين أن تقليص الأسلحة الإستراتيجية هو من مصلحة روسيا حتى من الزاوية البيئية وقد اقترح ضرورة خفض ثلثي الترسانة النووية الروسية على الأقل إلى المستوى الأدنى الضروري للحفاظ على التوازن الاستراتيجي في العالم () وركز بشكل خاص على ضرورة تطوير القوات المسلحة وتحويلها الى جيش من الاختصاصيين عبر التعاقد والاهتمام بشكل جذري بإصلاح الجيش وإنتاج أسلحة متطورة جديدة بما في ذلك الأسلحة الإستراتيجية مشيرا الى إن ظهور نزاعات إقليمية قد تضطر روسيا لحلها تحتاج الى جيش متطور اختصاصي0 .وعلى الرغم من ان موقف بوتين المؤيد للغرب لا يلقى تأييداً من مؤسسة السياسة الخارجية والمؤسسة العسكرية الروسية ، ومن ضمنها أولئك الموجودين في الكرملين ، ولا من الرأي العام ، إلا أن سلطته القوية واستمرار التأييد المرتفع له في استطلاعات الرأي بشأن القضايا الداخلية ، تطلق يديه نسبياً لمواصلة المسار الجديد والتغلب على أي مقاومة يلقاها 0كما اعتبر بوتين الدفاع عن المصالح القومية الروسية في رأس المهمات الإستراتيجية على ان يكون ذلك على أساس القانون الدولي . إن من أهم الأسباب التي تقع وراء ترشيح بوتين من قبل الرئيس السابق يلتسن ، وانتخابه بعد ذلك هي () :
ضعف الكاريزميات السياسية في وقت يظهر فيه بوتين بملامح الشخصية المهتمة بقضايا الوطن مقارنة بشخصيات اما متهورة السلوك (مثل جيرنوفسكي) ، ويفلينسكي بأفكار طبقة الاوليغارشيا المائعة . وغيرهم من سياسيين يطوفون على السطح ويغوصون دون ان يشعر بهم احد.
هلامية الايديولوجات المطروحة بين شيوعية تناصرها أغلبية كبار السن ، وليبرالية غير قادرة على التغلغل في الأقاليم الروسية بنظم حياتها الريفية المختلفة عن مناورات موسكو وسان بطرسبرغ . وحتى الايديولوجيات الديمقراطية لم تنجح في تقديم برنامج متكامل وعملي.
تبنيه نهجاً إصلاحياً .

ويختلف تقييم بوتين ودوره بين جهة سياسية وأخرى او بين دولة وأخرى ولكن لا يمكن إنكار دوره من إنقاذ روسيا من حقبة الفوضى والضياع التي عاشتها بعد سقوط الاتحاد لسوفيتي عام 1991لقد تسلم بوتين الدولة عندما كانت تتخبط بمشاكلها الداخلية .الموظفون لا يقبضون رواتبهم وكذلك إفراد الجيش والأمن يترنح بين سطوة المافيا وتهديدات الشيشان ، ومؤسسات الدولة تكاد تفقد سيطرتها على مرافق البلاد وكانت سمعة البلاد الخارجية في ادنى مستوياتها فروسيا ليس مع الغرب ولا ضدها بل انها تناضل من اجل الحفاظ على مكانتها الدولية كعضو دائم في مجلس الأمن ،وقد استطاع بوتين وبسرعة قياسية ان ينقل بلاده من حالة الضياع واللاإستقرار الى وضع مستقر ساعد في ذلك مجموعة من الظروف تبدأ بارتفاع سعر النفط وبما يسمى الحرب على الإرهاب بعد إحداث 11 أيلول وحاجة المجتمع الى خدمات روسيا في مجلس الأمن نظرا لأهميتها ، ويمكن إستعراض ذلك في ثلاث نقاط تعالج مواضيع بناء المؤسسات وإعادة تأهيل الجيش الروسي وكفاءته في استخدام ثروات روسيا الطبيعية وعادة فرض مكانتها كشريك دوليا فاعلا 00ففي مجال إعادة بناء الجيش ومؤسسات الدولة بدأ بوتين ورشة إعادة تأهيل الدولة ومؤسساتها لذلك اعتمد على تقوية سلطة الدولة المركزية بالدرجة الأولى وتشديد القبضة على قدراتها الإستراتيجية()00
1-إعادة بناء الجيش وحل مشكلاته:
كاد الجيش الروسي ان يتفكك وتخاذل مجموعة من القوى والضباط ولجأ عدد من ضباطه الأكفاء إلى الاستقالة لان الرواتب لم تكن تدفع لهم بانتظام وهي لا تكفي لسد حاجات المعيشة لهذا كلف بوتين رئيس هيئة الأركان عام 2000بوضع خطة إصلاح متجاوز صلاحيات وزير الدفاع فبدء مرحلة التدخل المباشر في الجيش عمل من خلالها على تقليص عدد من أعداد الضباط وايضا الوظائف المدنية التي يعمل أصحابها في خدمة الجيش والبحرية وايضأ قام بإعادة الاعتبارات للصناعات العسكرية والأبحاث وإقرار الموازنة لعام 2001 بدون مشاكل مع الدوما ، وزيادة بموازنة الجيش بنسبة 40%في حين الموازنة المركزية كانت 60%وتم تخفيض مدة الخدمة الإلزامية الى سنة واحدة بعد ان كانت ثلاث سنوات وسنتين للقوات البحرية وتم التعاقد مع اختصاصيين لتقديم خدمات مؤقتة للجيش()وأعلن بوتين في خطابة السنوي إمام الدوما في 2003ان تحديث الجيش وتجهيزه هو هدفه الاستراتيجي في سياسته المستقلة وقد سمح له التدفق المالي العائد من الزيادة في أسعار النفط من تنفيذ الخطة وإعادة ترتيب وتطوير الترسانة العسكرية الروسية في شتى المجالات()وعلى اثر إعلان الولايات المتحدة الأمريكية خطة إنشاء الدرع الصاروخي في جمهورية تشيكا وبولندا أعلن الرئيس بوتين مشروع تطوير القوات المسلحة بما في ذلك نظام دفاع جوي جديد وبناء حاملات طائرات بتكلفة 189مليار دولار يستمر الى 2005 وأيضا كشف نائب رئيس الوزراء سيرغي ايفانوف ان بلاده تعيد تجهيز كل القوات الإستراتيجية بأنظمة تشغيل جديدة ومتطورة وبمعدات حديثة ()تدخل للخدمة لأول مرة بما في ذلك نظام الاعتراض الصاروخي (اس400و400-s ) وشعر الجميع ان روسيا أمام مرحلة جديدة وان الجيش الروسي استعاد قدراته وخاصة بعد ان نجح بإطلاق تجربة صاروخ جديد عابر للقارات يصل الى 8 آلاف كلم وإعادة تأهيل الطائرات الحربية العسكرية الإستراتيجية فوق المحيطات البعيدة وبلغت موازنة الإنفاق العسكري السنوي للقوات الروسية 28مليار دولار عام 2007 يقابلها452مليار دولار لموازنة القوات الأمريكية()00
2-إعادة الروح إلى مؤسسات الدولة
ساعد تنظيم الجيش والقوات المسلحة بوتين في إعادة وضع اليد على مؤسسات الدولة التي تسلمها في حالة فوضى والتفكك فقد تطلع أولا إلى الإمساك بالشركات الكبرى التي كانت تستثمر المواد الأولية لاسيما النفط والغاز وتمكن ايضا ان يعيد التعايش بين الشيوعيين القدامى في الإدارة وبين المستنفذين الجدد وبدأ بإنشاء شركات مختلطة بين القطاع العام والخاص على الطريقة الروسية وبعد ان ضمن ارتياح أغلبية فئات الشعب لخطواته الإصلاحية جراء التجديد له لولاية رئاسية ثانية قدم مجموعة كبيرة من اقتراحات القوانين تتعلق بتنظيم القطاعات الإنتاجية ومؤسسات الدولة وإلغاء البيروقراطية الإدارية وأيد هذا المقترحات جميع أعضاء الدوما بما في ذلك الأعضاء الليبراليون ()00
أما في موضوع المواد الأولية فقد وضع بوتين اليد عليها لأن روسيا تمتلك 1.7تريليون قدم مكعب من احتياط الغاز ما يوازي 27.5%من الاحتياطي الإجمالي في العالم مما جعلها الأولى في الاحتياطي بالإنتاج والتصدير ووصلت إرباح شركة غاز بروم الى 11.6مليار دولار عام 2005 بفضل سياسة بوتين وتعتبر روسيا الدولة السابعة في العالم من حيث احتياطي النفط وهي ثاني مصدر بعد السعودية وهي رابع اكبر منتج للطاقة الكهربائية في العالم بعد الولايات المتحدة والصين واليابان ولديها اكبر عدد من المفاعلات النووية ثلاثة عشر مفاعلاً منتشرة على الأراضي الروسية وهي تعمل على بناء خمس محطات في الخارج منها في الهند وإيران وهي تتحكم في خطوط مرور الغاز في دول آسيا الوسطى وأوربا لهذا أدرك بوتين أهمية مصادر الطاقة والموارد الأولية التي تمتلكها روسيا وخاصة النفط والغاز فوضع خطة محكمة للإستفادة من هذه الطاقة لتعزيز مكانة روسيا الدولية ()..
والركائز التي أستند عليها بوتين في خطته يمكن تلخيصها بما يلي :


على المستوى الداخلي واجه كل الاعتبارات وتمكن من وضع الدولة على مصادر الطاقة والغي القطاع الخاص في هذا المجال وجعلها محصورة بشركة غاز اويل الحكومية وعين صديق غيرهار شرودر المستشار الالماني رئيسا للشركة ()
أما على مستوى دول الجوار فمن المعروف أن الاتحاد السوفيتي كان يمد دول اوربا الشرقية بالطاقة بما يوازي 80%من استهلاكها بأسعار اقل من السوق لأسباب إيديولوجية وعقائدية ولكن بوتين عدل تلك الاتفاقيات وأصبح يتقاضى أسعار متقاربة من الأسعار المتداولة بالسوق العالمي حتى مع أوكرانيا التي يحتاجها بمرور الغاز الى أوربا واستخدام هذا المواد كأداة ضغط سياسية لتمرير هذه السياسة ، وقد لجأ إلى بناء خطوط نقل عبر البلطيق تصل إلى هولندا وألمانيا وفرنسا والدنمارك الى عام 2010 وخط يصل الى ايطاليا والنمسا للتخلص من ضغط أوكرانيا وتركيا بتكلفه 14مليار دولار 00وعلى مستوى الدول الأوربية شكلت التجارة الروسية مع أوربا 48%من مجمل تجارة الخارج لعام 2001 وتعتمد البلدان الأوربية على النفط والغاز الروسيين لسد حاجتها لاعتبارات كثيرة منها سهولة النقل وتشكل الصادرات الروسية الى هذه البلدان 62%من صادرات الغاز الإجمالي و53%من صادرات النفط 0ومع تفاقم الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط ازدادت الحاجة الى الغاز والنفط الروسيين وكبر حجم تأثير روسيا بالأسواق العالمية فبدء يوتين بالضغط بواسطة هذه المواد بهدف استعادة روسيا مكانتها الدولية ودور الدولة العظمى وقال ان سياسة روسيا ستكون موالية لروسيا فقط وليس لأمريكا او أوربا او الصين وفي عام 2004 بدأت تسود العلاقات الروسية الأوربية نوع من التسوية وبسبب الضغوط التي مارستها الدول الأوربية على أسيا بهدف خفض أسعار النفط في أسواقها الداخلية وفتح أسواقها أمام المنتجات الأوربية فأعلن بوتين في تصريحه الشهير عام 2004 (ان ما هو جيد لغاز بروم جيد لروسيا)وغاز بروم هي اكبر منتج ومصدر للغاز في العالم بالمقابل فقد تشدد بالمفاوضات التي جرت بين الدول المجاورة لبحر قزوين لتحصيل اكبر حصة ممكنة من نفط وغاز البحر ()00
وفي مجال أعادة الحيوية لدور روسيا في الشرق الأوسط فقد استدار بوتين نحو حلفاء الأمس في الشرق الأوسط وهو مستعد لإحياء الاتفاقيات التي أبرمت سابقا منذ أيام الاتحاد السوفيتي والشراكة مع بعض دوله ، بالرغم من عدم الرضا عن مستوى التبادل التجاري بين روسيا وكل من العراق وليبيا ومصر حيث تراجعت هذه العلاقات من عام1989 الى عام 2000 ،وايضا قرار بوتين بإعادة العلاقات والرحلات الجوية مع العراق بالرغم من الحصار كان من أهم التحديات للدور الأمريكي()، ولأن النظرة الروسية للشرق الأوسط كمنطقة جارة على الحدود الجنوبية زادت العلاقات معها بفعل التطورات الأمنية والعسكرية المتفاقمة لا سيما إبان الحرب على العراق والتدخلات في أفغانستان وجورجيا فقد أستخدم الرئيس الأوراق التي تمتلكها روسيا في إعادة إحياء دورها في الشرق الأوسط وخاصة في المجالات التجارية وسوق السلاح ()00
سياسته الأمنية والسياسية
في روسيا تقليد معتمد ومتوارث منذ أيام القيصر وبعدها السوفيت هو حالة المزج والتزاوج بين السلطة ورأس المال وبين الأمن والاقتصاد السياسي ،ففي آب 1999 دخلت مجموعة شيشانة مسلحة إلى داغستان المجاورة واعتبرت موسكو ان الأمر تحد لهيبتها ولا يمكن السكوت عنه وقد تولى الأمر رئيس جهاز الأمن الفدرالي فلاديمير بوتين وعالج الأمر بنفسه وكان أول قرار اتخذه بوتين بمفره بعد ان كان ينفذ قرارات غيره في مكافحة الإرهاب في الشيشان وعين بعد ذلك في نفس العام رئيسا للوزراء في إشارة رضا من الكرملين على إجراءاته ،وقد استخدم بوتين الأمن في سبيل تحقيق أهداف اقتصادية وحصل مؤيدوه على أغلبية في الانتخابات التشريعية في كانون الاول 1999 طرح عدة تعديلات تشريعية حول النفط والغاز وضبط تجارة الذهب والمعادن وإقرار قانون حماية الملكية الفكرية والاستثمار الأجنبي وتملك الأجانب ولعل أهم القوانين التي وراءها في عام 2000 (مدونة التشريعات الضريبية)والتي طبقت الضريبة الثابتة والتي بلغت 13%…().اعتمد الليبرالية الاقتصادية وحرية السوق والدفع باتجاه أسرع لدخول روسيا الى عضوية منظمة التجارة العالمية وقاد ثورة مناصرة للغرب في سياسته الاقتصادية الخارجية خاصة في السنة الأولى من حكمه وانعكست هذه السياسة ايجابيا على الاقتصاد وساعدت في تحسن أسعار النفط فقد شهد عام 2000 نمو اقتصادي بلغ 8.3%وفائضا في الميزان التجاري ووقف التضخم والحد من تفشي البطالة ووصولها الى ما دون 7.6% وفي السنة الأولى من حكمه عادت روسيا كونها دولة عظمى ودخلت في نادي الدول الصناعية السبع الكبرى (والتي تسمى مجموعة الثمانية وأيضا نجح بوتين في إعادة اعتبار للصناعات العسكرية وهي الأهم في مجال التصدير السلعي للخارج وانخفاض الديون الخارجية بنسبة 70 %وارتفاع الدخل القومي من 200مليار عام 1999الى 920 مليار عام 2006 وفي العام 2007 كان الاقتصاد الروسي العاشر عالميا وبمعدل نمو ثابت وهو 7% وايضا تحسن صادرات الأسلحة إضافة الى النفط والغاز اللذان يشكلان ما يقارب 49%من عائدات الموازنة حسب إحصاءات عام2007 ولهذا وفي ظل الديمقراطية ذات النفحات الاوتوقراطية التي اعتمدها بوتين تحولت روسيا إلى قطب اقتصادي قوي أبعدت عنها التهديدات الأمنية المباشرة وجنبها الخوض في الملفات الخطرة وجعلها تعتمد سياسة المصالح وهذا ما جعل روسيا ثالث دولة في العالم تمتلك احتياطي من العملات الأجنبية الصعبة بعد الصين واليابان ()00


تأثير الأحزاب على سياسة الدولة
أهم الأحزاب السياسية الناشطة في الوسط السياسي الروسي وهي :
1- حزب الوحدة -الدب :قائد هذا الحزب هو وزير الدولة للحالات الطارئة سيرغي كوشوتيفج شايكو الذي يمثل الوجه الإنساني لروسيا في النزاع الشيشاني مكملا الوجه الحربي لبوتين ، وقد تأسس هذا الحزب قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية التي جرت في كانون الأول 1999 ورغم انه ليس لديه برنامج سياسي واضح إلا انه يؤكد على ضرورة حفظ وحماية القيم والممارسات الايجابية المطلوبة لدفع المجتمع الروسي الى الأمام وتحقيق إمكانيات تقدمه. ومن هنا فقد صاغ حزب الوحدة إيديولوجيته على أساس قيم الحرية الفردية للمواطن والعدالة الاجتماعية ،والعمل على أساس المسؤولية الحقوقية التي تعني القبول الايجابي بالحقوق بنفس الوقت التي تنفذ فيه جماهير الحزب مسؤولياتها الوطنية العالية تجاه المجتمع والدولة ، ولذلك فستكون كلا من القانون والحرية والمسؤولية هي الموجهات الأكثر اهمية لحزب الوحدة().وقد حصل حزب الوحدة على ثاني اكبر نسبة من الأصوات في القوائم الحزبية لانتخابات 1999 بلغت 16.2% ، وهو ما مكنه من الحصول على 73 مقعداً في الدوما 0
2- الحزب الشيوعي الروسي : يسعى الحزب الشيوعي بزعامة (زيوغانوف) الى إحياء المكانة والوجود السوفيتي القديم وتعظيم مقومات القوة الشاملة للدولة ، بما يحمله ذلك من إمكانيات إعادة ترتيب العلاقات الدولية والنظام العالمي من جديد ، والاتجاه نحو توازن قوى جديد(). ويمكننا تلمس ذلك من خلال قراءة ما يكتبه زيوغانوف (أننا ما زلنا بلداً يملك اكبر مساحة أراض في العالم ، واحتياطات هائلة من المعادن وسكاننا الأكثر تعليماً ونتمتع بقوة صناعية وعلمية عظيمة ونحتفظ بتكافؤ نووي مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وعليه يتوفر لروسيا كل متطلبات الاستمرار بأداء دور هام في العالم .. لكن ذلك لا يحصل لان روسيا ما زالت تتبع ذلك النهج المخزي في الاقتصاد والسياسة الخارجية مما جعلها معتمدة تماماً على الغرب واخضع سياستها لمصالح رؤساء حلف الأطلسي ، لقد فقدت الدولة تقريباً كل حكمتها وإرادتها السياسية)() وفي إحدى المناسبات الوطنية الروسية حول وضع وأزمة العراق حينذاك على سبيل المثال ، حيث شهد ذلك اليوم تظاهرة شعبية كبيرة حملت شعارات عديدة تضامنا مع الشعب العراقي وتندد بالحشود العسكرية الأمريكية ففي تصريحه هذا قال: (لو كان الاتحاد السوفيتي لا يزال موجودا لكان يكفيه إصدار بيان واحد يعلن فيه رفضه للحرب ضد العراق ولكان كل شيء انتهى بسلام)().. ونستشف من تصريحه انه ركز على ضرورة ان تستعيد روسيا دورها على الصعيد الدولي ، وانتهاج إستراتيجية تحافظ على المصالح القومية الروسية(*) .إن هؤلاء الشيوعيين لا يدعون الى النظام الشيوعي على الصعيد الاقتصادي، وتسميتهم بالشيوعيين مقتصرة على أنهم قدماء الشيوعيين فحسب ، الا ان العامل الرئيس الذي يميزهم – كالقوميين المتطرفين – هو دعوتهم الى قيادة الاتحاد السوفيتي من جديد وان كانوا يؤكدون على رغبتهم في ان يكون ذلك بالوسائل السلمية() ، هذا مع عدم إغفال ان هذه الوسائل يمكن ان تتضمن الضغوط السياسية والاقتصادية لدفع دول الاتحاد السوفيتي السابق الى الارتباط بروسيا ارتباطا مباشرا يتجاوز حدود ما صنعته سياسة يلتسن عبر ما يسمى برابطة الدول المستقلة(). وكانت انتخابات مجلس الدوما ، في كانون الأول عام 1995 والتي حصل خلالها الحزب على نسبة بلغت 34.9% ،ومن ثم في انتخابات كانون الأول عام 1999 اذ حصل على 25.1% ، الحدث الأكثر أهمية في مسار قوة وبروز الحزب سياسيا ، وتحقق هذا الأمر من خلال اعتماد (زيوغانوف) على الشيوعيين النشطين وحلفائهم وأنصارهم فضلا عن اعتماده على تحريك العامل المعنوي المتمثل بالحنين للماضي وعلى رفض وانتقاد السياسات الاقتصادية والسياسية التي أدت الى التراجع الكبير لروسيا.() الا ان الحظ لم يحالف هذا الحزب في انتخابات 2003 فقد حصل على 11.6% ، وقد يعود ذلك الى عدم تقديم الحزب لبرنامج سياسي جديد وبديل لتطوير المجتمع عما طرحه في السابق().
3- الحزب الديمقراطي الليبرالي : تأسس هذا الحزب في آذار عام 1990 بزعامة (فلاديمير جيرنوفسكي) والذي يعد من ابرز قيادات الاتجاه القومي(). واهم ما تضمنه برنامجه الانتخابي على الصعيد الاقتصادي هو وقف عملية تحويل الصناعات الحربية الى صناعات مدنية ، وتشجيع تصدير السلاح الى كل من يستطيع ان يدفع الثمن بغض النظر عن أي عامل آخر، مع وقف أي نوع من أنواع المساعدات(). أما بخصوص جيران روسيا فيقول : (يجب علينا ان نحدد فقط الأقاليم التي طُرد الروس منها مع إمكانية عمل الشيء نفسه للذين يعيشون من أبناء شعوبها في روسيا)(). ويرى (جيرونوفسكي) ان روسيا يجب أن تكون إمبراطورية وانه يجب العودة الى الحدود التي كانت عليها الإمبراطورية الروسية القيصرية عام 1900، كما يرى ضرورة أن تتوسع روسيا حتى حدود الهند ، كما ويعارض قيام الكومنولث بوصفه عملا غير شرعي وغير دستوري ، داعياً إلى إحياء الإمبراطورية الروسية وتوسيع رقعتها والتصدي للولايات المتحدة الأمريكية والغرب، والتعاون مع القوى والدول المقهورة في النظام الدولي ()، ويرى ان هذا كله لا يمكن تحقيقه إلا بتغيير هيكل النظام العالمي القائم ووضع الولايات المتحدة الأمريكية فيه() )فروسيا – حسب ما يذكر – دولة نووية مثلها مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، ولهذا لابد ان تكون القرارات الدولية التي تتخذ قرارات مشتركة((). ولهذا فهو يطالب الغرب بمغادرة البلقان والشرق الأوسط لكي يسود الهدوء من كابول حتى اسطنبول وعندئذ سيهدأ جنوب روسيا”(). وفيما يخص سلوكه السياسي فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط فنستطيع معرفته من خلال تحليل أقواله التي وردت في كتابه (الانطلاقة الأخيرة نحو الجنوب) يذكر فيه (لقد اخترت عنوان كتابي لأنني أريد خروج روسيا الى شواطئ المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط لان هذه هي مهمة إنقاذ الأمة الروسية فروسيا ذات شعب مجيد وان القرن الحادي والعشرين يجب ان يكون قرن نهضة روسيا وتطورها)() .
إن ما يمكننا ملاحظته بخصوص الأحزاب السياسية المعارضة بأنها لا يجمعها اتجاه محدد يجعلها متراصة وإنما كلها تنادي بانبعاث روسيا ونفوذها ، أي عودة السيطرة الروسية كما كان الاتحاد السوفيتي ومما تقدم أعلاه نستطيع القول ، صحيح أن للأحزاب السياسية في روسيا الاتحادية دور في التأثير في سياسات الحكومة وتوجهاتها سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، إلا انه ومع ذلك يبقى هذا التأثير محدوداً نسبيا وذلك يعود الى الظروف والتوجهات المختلفة لهذه الأحزاب من ناحية . ومن ناحية أخرى ، فانه مهما يكن من تأثير لهذه الأحزاب في السلطة فإنها تصطدم بصلاحيات الرئيس الذي بقى هو الشخص الأول والأخير الذي يستطيع أن يدير دفة الحكم بفضل صلاحياته الدستورية الواسعة.

براغماتية القيادة الروسية:
نستطيع أن نتعرف على طبيعة هذه القيادة من خلال استشفاف القيم الجديدة التي بدأت روسيا تعمل بها، إذ عمد رؤساء روسيا الى إظهار وتأكيد قطع علاقات بلادهم بالماضي الشيوعي والتخلي عن كافة ركائز الحرب الباردة بما فيها الإيديولوجية الماركسية-اللينينية فقاموا بتحجيم نشاط الحزب الشيوعي في روسيا(). وهنا أشار أحد المحللين السياسيين بقوله: ( لم يشهد التاريخ من قبل إمبراطورية تقوقعت دون حرب، دون ثورة ، ودون غزو)() وهو يعود بأحد أسبابه الى الطريق او النهج الذي اتبعه يلتسن للوصول الى هكذا نتيجة. فالاختلاف المهم الذي يمكن ان نلمسه بين يلتسن وبين من سبقه من القادة هو في تبنيه لقيم مختلفة عن قيم أسلافه، و شهدت التسعينات في روسيا انقلابا عميقا في إستراتيجيتها ، فكان أهم ما طرأ عليها من تغير هو التخلص النهائي من مبادئ الماركسية اللينينية التي كانت تحكم تحرك النظام السوفيتي في هذا المجال ، فقد حرص المسئولون على إلغاء القسم الرابع من الدستور السوفيتي الذي كان ينص على المبادئ الأيديولوجية التي هيمنت على الإستراتيجية التي كانت متبعة ، مثل ضرورة العمل من اجل دعم ونصرة الاشتراكية الدولية().وقد حافظ الرئيس الحالي فلاديمير بوتين على نفس هذا الخط من حيث التوجهات العامة وانعكاس أوضاع روسيا الراهنة على علاقاتها الخارجية إذ يؤكد على (ان روسيا تسعى الى بناء إستراتيجية ترتكز على الثبات والتنبؤ والبراغماتية ذات المزايا المشتركة للطرفين ،ان هذه السياسة هي سياسة ذات شفافية قصوى تأخذ باعتبارها المصالح المشروعة للدول الأخرى وتهدف الى التوصل الى قرارات مشتركة تخدم مصالح كل الأطراف)() فعلى الرغم من تصريح الرئيس بوتين أثناء خطابه السنوي الى الأمة بان تفكك الاتحاد السوفيتي كان اكبر كارثة جيوسياسية في القرن الماضي بالنسبة للشعب الروسي الا انه جدد النهج البراغماتي للدولة الروسية مؤكداً(ان روسيا يجب ان تتطور كدولة حرة وديمقراطية وان الهدف السياسي العقائدي الرئيس هو تطوير روسيا كدولة حرة وديمقراطية )() أيضا تأكيد الرئيس بوتين أكثر من مرة انه (لكي يكون لك مكان تحت الشمس فلا بد ان تحتفظ بعلاقة جيدة مع الجميع ) () وتستلزم هذه السياسة مبادرات عديدة كالدعوة للانضمام الى حلف شمال الأطلسي وهم أعداء الأمس ، والتعاون مع الولايات المتحدة عسكرياً وامنيا والسكوت عن تواجد قواعد عسكرية غربية في دول الاتحاد السوفيتي السابق ، فضلاً عن طلب الانضمام الى رابطة العالم الإسلامي .وقد تمكن بوتين يوظف عوامل القوة الروسية (دور سياسي وتطلع قومي للزعامة مضافاً لها قوة عسكرية) لصالح الارتقاء بالقوة الروسية بالشكل الذي يؤدي الى إعادة الهيبة لروسيا كما هو الحال الذي كان عليه الاتحاد السوفيتي السابق.() 0

أولويات السياسة الخارجية الروسية في السنوات الأولى بعد انهيار الإتحاد السوفيتي:

للسياسة الروسية ،خاصة الخارجية ، ثوابت ومتغيرات ، فالثوابت فيها دفاع دائم عن مصالح البلاد العليا وعن كرامة ومكانة الشعب الروسي كونه واحد من الشعوب صاحبة الرسالة وله أهميته الكونية والإنسانية وان كانت هذه الرسالة لها الكثير من الاعتبارات وغالبا ما تتأثر بحوادث معينة وطبيعة اللحظة السياسية والتطور العام لحركة التجارة والاتصال والمناحي الفكرية والعقائدية وتمثل ركائز سياسة روسيا ومصالحها العليا ..وأهمها الشعور السلافي وترابطه مع الاثوذكسي وايضا المدى الجغرافي وتحديد الموقع الأسيوي والأوربي وموضع المياه الدافئة خاصة البحر الأبيض المتوسط والاهم النزعة للدور الإمبراطوري وعلى وجه الخصوص استعادة المكانة السوفيتية()لذلك تحرص موسكو على دورها كونها مرجعا للدول والشعوب التي تنتمي الى العرق السلافي وعلى هذا تتجه سياستها الى الدول المحيطة وخاصة في منطقة البلقان…
أما فيما يتعلق بالمدى الجغرافي او الجيوبوليتيكي فان موسكو حريصة دائما على ان تحمل صفات مشتركة بين الأوربية والأسيوية في آن واحد والتي تشكل مركز قلب العالم وتعزيز مكانتها في هذا الجزء من العالم الذي يمثل الرابط بين الشرق والغرب وتأكيد مصالحها مع أوربا في الغرب ومع الصين في الشرق وفي هذا الإطار كانت معاهدة (الصداقة والتعاون)التي وقعها الرئيس بوتين مع الصين في عام 2001() تعبيرا عن مكانة روسيا في آسيا الوسطى وعلى هذه القاعدة تتعامل في آسيا الوسطى كونها مجالا حيويا لها..
ولن تتهاون روسيا في موضوع مكانتها الدولية حتى لو كان طموحها الأكبر يتجسد في عودتها الى تمثيل كامل للدور الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي سابقا فالرئيسان مدفيديف وبوتين أكدا ان روسيا ستكون جاهزة للتعامل مع كل القضايا الدولية وفقا لمصالحة الإستراتيجية وانها لن تعتمد على أمجاد الماضي بل ستكون دولة عظمى على أساس سياسة ذكية تحفظ مصالحها ومكانتها()..وقد  كانت السياسة الخارجية الروسية تعتمد على مبدأ التقليل من أضرار تفكك المعسكر الشيوعي ومحاولة إعادة تنظيم البيت الداخلي في محاولة لإعادة النهوض حيث تم التخلي على المنطق العسكري الهجومي وقد ظهر ذلك من خلال:

الإعلان عن سحب قواتها على مسافة 1500 كلم نحو الشرق وبالتالي التخلي عن منطقة وسط أوروبا.
التخلي عن فكرة توازن القوى.
3- التخلي عن الفكرة التي نص عليها الدستور السوفيتي 1978 والمتمثلة في مبدأ الاستفادة من التناقضات الإمبريالية 0
هذا ولقد تأثرت السياسة الخارجية الروسية في فترة حكم بورس يلتسين بالفوضى التي لحقت سقوط الاتحاد السوفيتي والمشاكل التي واجهتها روسيا في تطبيق النموذج الغربي الليبرالي بحيث تبنى يلتسن ما يعرف بنموذج العلاج في المجال الاقتصادي بالصدمة كذلك التجاوزات التي عرفتها الساحة السياسية الروسية والمواجهة الرامية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في 1993 وغيرها من الأزمات والنزاعات الحدودية على أطراف الدولة () ما دفع بيلتسن إلى طي صفحة الخلاف مع الغرب والاهتمام بالمشاكل الداخلية حيث أعلن وزير خارجيته في تلك الفترة أندريه كوزيريف بأن السياسة الروسية سوف تتطلع إلى مشاركة متميزة مع الاتحاد الأوروبي وإلى اعتباره جسرا يربط الشرق بالغرب ()، كما تم الإعلان عن جملة من الركائز الأساسية والمتمثلة في:
صياغة مفهوم )الخارج القريب) ويقصد به ضمان الصلة التي تربط بين روسيا من جهة، والدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفيتي سابقا.
ضمان حصول روسيا على وضع خاص ومميز عند صياغة أمن أوروبي لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، وإعطائها دور يليق بمكانتها كدولة كبرى ومؤثرة إقليميا، حيث لم تدخر الدبلوماسية الروسية جهدا في التأكيد على طرح هذا المفهوم للعظمة في الساحة الدولية وما يتبع ذلك من حقوق لها في مجال نفوذها الطبيعي كما ورثته عن الإتحاد السوفيتي.()
الوضعية الجغرافية لروسيا بين القارتين الآسيوية والأوروبية تعني أنها مهتمة بجميع المسائل الهامة في القارتين، ولا يجوز أن تعالج أي من هذه المسائل من دون مشاركة روسيا.()
استثمار عضوية روسيا في مجلس الأمن في إقامة علاقات ودية ومثمرة مع جميع دول العالم.
سعي روسيا إلى المشاركة في جميع المحافل الدولية، والانتماء إلى المنظمات الدولية، والدخول في مجموعة 7 على الرغم من أن مشاكلها الاقتصادية لا تسمح لها بمشاركة فعالة والتأثير على القرارات في هذه المجموعة.
إقامة علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي، واعتباره شريك أساسي ومهم خاصة في المجال الاقتصادي، والتخلي عن فكرة أن هذا الاتحاد يعتبر الركيزة الأوروبية للحلف الأطلسي ()
الحرص على الاحتفاظ بترسانة الأسلحة النووية واعتباره كعنصر في التفاوض مع الغرب من أجل الحصول على مزايا وتدعيم وضع روسيا في الساحة الدولية، ولعل هذه النقطة هي التي دفعت بمجلس الدوما الروسي إلى عدم التصديق على معاهدة الحد من أسلحة الدمار الشامل ستارت II.)()
العمل على تأمين الحدود الأورو-آسيوية، وضمان أمن الأقليات العرقية في روسيا، تشكيل منظمة تجمع الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفيتي (كومنولث الدول المستقلة) تحت زعامة روسيا والقيام بدور الضامن الشرعي للاستقرار السياسي والعسكري في هذه المنطقة، وتحقيق الاعتماد المتبادل وتشابك المصالح مع هذه الدول.()