أحوال عربية رأي

    كيف نسمي ما تعرضت له سورية عدوان ثلاثي أم …

                                                                                        صلاح المختار

 ــــــــــــــ

         ان تحديدا صائبا لتسمية ما حدث لنظام بشار وهل هو عدوان امبريالي فيستحق مقارنته بالعدوان الثلاثي على مصر،ام انه صراع بين الامبرياليات القديمة والجديدة وبمشاركة اتباعهما ومنهم نظام بشار ضرورة مسبقة لاي حكم موضوعي ،وهذه الحالة تفرض تسميات مختلفة ، ولهذا لابد اولا وقبل كل شيء تحديد هوية نظام بشار بدقة وموضوعية واستنادا لمسيرته . لقد اعتبرت كافة القوى الوطنية ضرب مصر في عام 1956 عدوانا ثلاثيا ، رغم تحفظنا في ضوء وعينا الحالي لوصف (عدوان ثلاثي) الذي اطلق على حرب عام 1956 وهو ما سنبينه لاحقا .هل نظام بشار معاد للاستعمار والصهيونية وخادم للشعب العربي كي نقبل وصف ما حصل بانه (عدوان ثلاثي) تشبيها بالعدوان على مصر عبدالناصر ؟

قبل تقديم اجابة لابد من التذكير بما حصل في عام 1956 لان كثير من الاجيال الشابة لايعرف تلك الحادثة حيث امم الرئيس جمال عبدالناصر قناة السويس وطرد الاجانب منها وادى ذلك الى شن اسرائيل الغربية حربا على مصر انضمت اليها كل من بريطانيا وفرنسا استمرت عشرة ايام ودارت معارك كبيرة وبارزة بين الجيش المصري والمقاومة الشعبية من جهة وقوات الاستعمار من جهة اخرى في مدن مصرية خصوصا بورسعيد وانتهت بتسجيل مصر عبدالناصر نصرا سياسيا كاسحا ادى الى حصول اكبر نهوض قومي عربي في القرن العشرين شمل كل الوطن العربي من موريتانيا حتى اليمن،وانهى فترات التراجع وهيمنة قوى الاستعمار ودشن عهد هجوم القومية العربية على اعدائها. كانت فرنسا مدفوعة بمعرفتها بخطورة دعم عبدالناصر للثوار الجزائريين تنتظر فرصة للرد عليه فيما كانت بريطانيا تنظر بقلق لتقارب عبدالناصر مع المعسكر الاشتراكي فيما كانت اسرائيل الغربية تعاني من تضييق عبدالناصر عليها في قناة السويس وخليج العقبة والرغبة في اخراج القوات المصرية من سيناء والتي اخذت تهدد اسرائيل الغربية خصوصا بعد التسلح المصري من المعسكر الاشتراكي .

لقد خاض عبدالناصر صراعا مجيدا مع قوى الاستعمار التقليدية واسرائيل الغربية بعد ان حرر مصر من السيطرة الاجنبية وبدأت جذور أزمة السويس في الظهور عقب توقيع اتفاقية الجلاء سنة 1954 بعد مفاوضات مصرية بريطانية بجانب رفض عبد الناصر الدخول في سياسة الأحلاف التي قادتها بريطانيا ، ورفض عبدالناصر الصلح مع إسرائيل كشرط غربي لمنحه قروضا لبناء السد العالي وفقا لخطة هدفت إلى تحجيم عبد الناصر، بحظر المساعدات العسكرية والغاء  تمويل السد العالي .

 فالحرب كانت ذات طبيعة تحررية واضحة لاشك فيها لهذا جعمت ملايين العرب خلف قيادة عبدالناصر وتيقنت انه القائد المنتظر منذ قرون لتحرير الامة كلها. هل دور نظام اسد تحرري ووطني وخدم العرب ام انه خدم اهدافا  استعمارية ؟وهل ادى دور بشار في الحرب السورية لحصول نهوض قومي عربي كما فعل عبدالناصر ام انه دعم التقدم الاستعماري والصهيوني والفارسي ؟

1-قام حافظ اسد ومن معه بانقلاب عسكري دموي قاس جدا في 23 شباط عام 1966ضد الحزب وقتل الكثير من مناضليه وحكم بالاعدام على مؤسسه القائد احمد ميشيل عفلق واغتال  شريكه في التأسيس الشهيد صلاح الدين البيطار واخرين من قادة الحزب .واتضح الان بعد كشف خفايا ما جرى في اعوام ما بين عام 1966 وعام 1970 بان كلا من مخابرات امريكا والاتحاد السوفيتي كانتا تدعمان حافظ اسد ضد  قيادة الحزب الشرعية وضد رفاقه في ردة 23 شباط عام 1966 ،وهو ما  كشفه الرفيق ضرغام عبدالله الدباغ الذي كان عضو قيادة قومية في تنظيم حافظ اسد ، فالمخابرات الامريكية والسوفيتية كانتا تدعمان اسد ضد كافة خصومه مما يفسر لنا ظاهرة بقاءه اربعة عقود تم خلالها تدمير البعث في سوريا . وسبب الدعم المزدوج السوفيتي والامريكي هو ان نظام اسد قبل الاعتراف باسرائيل الغربية وهو موقف كلا من امريكا والاتحاد السوفيتي في حين كانت قيادة البعث ضد اي تغيير في الموقف القومي الاصيل والاصلي . وربما لايقدر غير البعثيين دلالات دور اسد في تدمير الحزب في سوريا وشن حرب مستمرة ضد النظام الوطني في العراق ولكنها حرب كان لها اثار خطيرة على العرب كلهم .

2- كانت امريكا ومازالت تريد منع اي تقارب سوري –عراقي- مصري خصوصا بعد وصول البعث للحكم في العراق وهو عامل يساعد على قيام الوحدة ،مما جعل نظام اسد بالغ الاهمية بالنسبة لامريكا في تنفيذ خطتها خصوصا بعد تأميم البعث  للنفط العراقي فدعمته وهو ما رأيناه في تصعيد حافظ عداءه للعراق.لو لم تحدث ردة 23 شباط عام 1966 وما ترتب عليها خصوصا تدمير البعث في سوريا هل كانت سوريا والوطن العربي سيصلان لحالة الكوارث الحالية ؟

البعث كان التنظيم القومي الذي نهض ناشرا الوعي القومي مما جعل سوريا قلب العروبة النابض ومركز الاشعاع القومي النهضوي العربي ،وكان للبعث الدور الحاسم في اقامة وحدة مصر وسوريا والتي خطط البعث لها كي تكون نواة للوحدة العربية الشاملة وهو تحقيق لحلم الاجداد ،وكانت تلك اخطر ضربة توجه لخطة بنرمان الاستعمارية القائمة –حتى الان – على منع اي وحدة عربية وافشال اي تضامن عربي وحصول الوحدة وتوسع نطاقها تحول لو نفذ لما كنا الان في حالة كارثة وتراجع ،واسد لعب الدور الحاسم في احباط المشروع النهضوي القومي وهو ماكانت قوى الغرب والصهيونية تسعيان اليه رسميا.انظروا الان الى سوريا ماذا تجدون ؟

سوريا لم تعد مركز الاشعاع القومي النهضوي العربي بل صارت هي ولبنان اخطر مراكز الدعوة الشعوبية الحديثة فتشرذمت بعد ان كانت واحدة قلبا وقالبا وصارت الصراعات والفتن الطائفية تدمر الشعب حيث تعوّد نظام اسد على ابادة الالاف في كل هجوم له على الشعب كما حصل في حماة في عام 1982 وكان رفعت اسد شقيق حافظ يتباهى بانه قتل في حماة اكثر من 38 الف سوري ! وحوّل اسد الدولة باجهزتها خصوصا الجيش الى اداة قمع فاشي لم تشهد سوريا له مثيلا ابدا ، ولم تعد سوريا مرشحة للوحدة مع العراق ولا مع مصر بل صارت وكرا للتأمر على العراق ،ونفذ اسد احد اهم اهداف خطة بنرمان والحركة الصهيونية وهو منع اي تقارب عراقي سوري باي طريقة وباي ثمن ، ولهذا فان معطيات وعينا الحالي تسمح لنا بالربط بين مسار نظام اسد واهداف خطط الاستعمار الغربي والصهيونية وانه ينفذ تلك الخطط.

3- بعد تدمير الحزب في سوريا تنفيذا للخطة المخابراتية الغربية والاسرائيلية كان يجب على اسد تحويله من حزب ثوري وعقائدي وطني وقومي واشتراكي الى مجرد ميليشيا طائفية اسرية تحمي النظام وفساده ونظام يتعاون مع اعداء الامة العربية كلهم من اجل تنفيذ خطة بنرمان ،ولكن مع التمسك باسم الحزب وبشعارات قومية حبيبة على قلوب العرب للخداع من جهة ولشيطنة البعث من جهة ثانية .وبهذه الخطوة ابعد سوريا لعدة عقود عن مسار التحرر الوطني والتحول التقدمي ووضعها في جبهة اعداء الامة العربية ، وقدم صورة بالغة السلبية عن البعث استغلت لشيطنته وحتى الان يقال (نظام البعث في سوريا) رغم انه كان النظام الاشد عداء للبعث!

فحافظ اسد نفذ خطة اجتثاث البعث قبل امريكا وحليفته الستراتيجية اسرائيل الشرقية بل انه كان اخطر من بقية الاطراف لانه عمل من داخل الحزب وفتته باسمه ونجح في افساد الكثير من عناصره .وبما ان تفتيت اي قطر عربي من الداخل هو الخطوة الحتمية التي لابد منها للتمهيد لاحتواءه من الخارج وانهاء دوره الوطني والقومي فان ماقام به اسد في سوريا هو تحييد سوريا بطاقاتها الشعبية والمادية وبمواصفاتها الفكرية والسياسية وبموقعها الستراتيجي ثم بعد التحييد تسخيرها للاسهام الفعال في تدمير بقية الاقطار العربية  خصوصا العراق .

4-سلم الجولان بلا قتال لاسرائيل الغربية بالاعلان عن سقوطها بيد القوات الاسرائيلية بينما كانت بيد القوات السورية بل وطلب حافظ اسد الانسحاب الفوضوي منها فتقدمت القوات الاسرائيلية واحتلتها بلا قتال وبقيت في حوزتها حتى الان ! وفي عام 1973 واثناء حرب اكتوبر كان بالامكان تحرير الجولان بعمل مشترك بين القوات العراقية التي وصلت وانقذت دمشق من الاحتلال الصهيوني لها ، والقوات السورية ولكن حافظ رفض ذلك وقبل قرار 338  الذي يفرض وقف اطلاق النار وهو قرار يكمل القرار 242 ولم يتعب نظام اسد في مرحلتيه الحافظية والبشارية بتقديم اي تفسير لسبب تسليم الجولان بلا قتال ! ولهذا وتأكيدا على انه ينفذ المخطط الصهيوغربي حيّد سوريا في الصراع العربي الصهيوني ولم يطلق منذ اكثر من اربعة عقود رصاصة واحدة لتحرير الجولان ! وهذه العملية لوحدها تكفي لادانة حافظ بتهمة الخيانة العظمى .

5- قبل نظام اسد قرار مجلس الامن 242 (1967) وجوهره الاعتراف الصريج باسرائيل الغربية والموافقة على احتلالها لاكثر من 80% من الارض الفلسطينية وتم ذلك تحت غطاء (مبادلة الارض بالسلام) مرتدا عن الموقف البعثي والعربي العام الاصيل والشرعي والصحيح وهو النضال بكافة الوسائل لتحرير الارض العربية الفلسطينية كاملة وعدم التنازل عن اي ارض عربية محتلة ، وتلك من اسس هوية البعث فالردة هنا واضحة ولاتحتاج لاثبات وهي ليست ردة عن عقيدة الحزب فقط بل هي ردة وطنية سورية وردة قومية عربية ادت الى الاعداد لردات عربية  تكمل ردة اسد في مسار تنفيذ خطة بنرمان.

6- عندما حدثت ثورة 17-30 تموز في العراق في عام 1968 ناصبها العداء بشدة وسخر قدرات الدولة السورية للتأمر على نظام الحزب في العراق والسبب معروف :فانقلابه الدموي على الحزب وتصفية قادة كثيرين منه والارتداد عن عقيدته سوف تفضحه مواقف وانجازات الحزب في العراق وتؤكد انه منحرف ومرتد عن عقيدة البعث ومعاد لها وان كل ممارساته غريبة عن البعث ولهذا اعتبر وصول البعث للحكم في العراق اكبر تحد له ولردته واخذ ينتطر اي فرصة لاغتنامها للعمل ضد العراق .

7- دعم اسرائيل الشرقية في حربها ضد العراق ومنع النفط العراقي من المرور عبر سوريا الى لبنان لتصديره وقطع مياه نهر الفرات عن العراقيين فاصاب الفلاح العراقي ضرر كبير .