في الواجهة

كوريا الشمالية وايران

 افنان  محمد  قاسم

ــــــــــــ

لا تبتلع القرص الكوري كيلا تبتلع دموعك، فكل ما يجري اليوم بلجة وضجة ما هو سوى غطاء، وما كان في الأمس القريب الخطر النووي الشمال الكوري على أمريكا والعالم تحول، بين عشية وضحاها، إلى حكاية مؤثرة من حكايات الأطفال، ونحن نرى كيم يونج-أن يضحك ببراءة كلوريل وهاردي، ونحن نراه يسلم بحرارة كأرمسترونج، ونحن نراه يتكلم بعقلانية كإيزنشتاين! هوليود المخابرات الأمريكية بأفشل مخرجيها تريد أن يمشي علينا فيلمها الرديء عن بلد من بلدان “محور الشر” أنتجت حوله مئات الأفلام “المرعبة”، فما الذي يحصل؟ ولماذا الذي يقع؟

أولاً وقبل كل شيء عليك أن تعلم أن ترامب هنا ليس لأنه ترامب، مثله مثل أي رئيس سابق للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن لأنه سيدير أزمة رأس المال على طريقته. إذن هناك ملفات ثابتة، وهناك هوامش متحولة، ومن الهوامش المتحولة هذه تتحول المواقف تبعًا للمدى الذي تكون فيه خدمة الملفات الثابتة. لهذا كان التحول في موقف ترامب بخصوص اتفاق باريس، ولهذا كان التحول في موقف ترامب بخصوص الاتفاق النووي الإيراني، ولهذا كان التحول في موقف ترامب بخصوص الملف الشمالي الكوري، لم تأت به الماكينة الرأسمالية رئيسًا إلا من أجل هذه التحولات، ولأنه في شكله السياسي والاقتصادي والثقافي متوائم معها، والكل يعلم شعاره الشعبوي “أمريكا أولاً”، وما أدى هذا الشعار إلى ما أدى من قرارات حمائية، قلبت موازين القوى في العالم لمصلحة الملفات الثابتة، خاصة موازين القوى الأمريكية-الصينية-اليابانية-الكورية الجنوبية.

بالحمائية أصابت أمريكا هدفها مباشرة في الصين، فعم الكساد، ولم تعد الواردات تغطي النفقات، وبالتالي اختل التوازن بين الصين كأكبر مُدين لأمريكا وبين أمريكا كأكبر مَدين من الصين، ومع اختلال التوازن أصبح بمقدور المَدين أن يملي شروطه على المُدين، فاستمرار عدم التوازن في الصين على المدى البعيد سيؤدي بها إلى إفراغ الصناديق في بنوكها، إذن ما العمل للحيلولة دون ذلك؟ رفع الحمائية، نعم، بكل بساطة. لكن رفعها حسب شروط أمريكية تشمل كل دول المنطقة بما فيها كوريا الشمالية، وهي شروط اقتصادية أولاً وقبل كل شيء لصالح الملفات الثابتة، ستتضمن إعادة النظر في شروط الديون، ومرة ثانية لصالح الملفات الثابتة.

الملفات الثابتة الأمريكية هي في نفس الوقت ملفات شاملة، تأخذ بعين الاعتبار مصالح البلدان الأخرى في ملفاتها الخاصة بها من وجهة النظر الأمريكية، فللضرورة أحكامها، وأحكامها أن تستفيد كل البلدان من بعضها البعض، الملفات الصينية والملفات اليابانية والملفات الكورية الجنوبية والملفات الكورية الشمالية. بخصوص ملفات كوريا الشمالية، أول شيء صرحت به بيونجيانج، بعد الصفقة السرية التي تمت بين كيم يونج-أن ومايك بومبيو مدير المخابرات الأمريكية في وقتها وسكرتير الدولة كاستمرار طبيعي للصفقة، أول شيء صرحت به بيونجيانج عن “التعهدات الاقتصادية”. لبلد فقير ككوريا الشمالية ومنهار اقتصاديًا كيف لا تكون غيرها، التعهدات الاقتصادية؟ وفي بلدين مَدينين على وشك الانهيار، اليابان وكوريا الجنوبية، كيف لا تكون غيرها، التعهدات الاقتصادية؟ لهذا، وبقدرة قادر، تحولت كوريا الشمالية، من قائدة “لمحور الشر” (كوريا الشمالية، إيران، عراق صدام)، إلى الأم الحانية للكوريتين ولكل المنطقة، بينما ترسانتها النووية –أشك أن تكون لديها مثل هذه الترسانة- في المستودعات، فدورها “كبعبع” يخوفون به الدول المجاورة لاستنزافها وابتزازها أنهته الظروف الاقتصادية الأمريكية-الصينية، والظروف الاقتصادية لكل دول المنطقة.

بناء على ما سبق، دور إيران “كبعبع” سينتهي عاجلاً أو آجلاً، شرحت، وأسهبت في شرحي كيف، ودور إيران “كدينمو” سيبدأ عاجلاً وليس آجلاً، فكل شيء جاهز. في مسألة كوريا الشمالية، توصل جميع الأطراف إلى هذه القناعة، وفي مسألة إيران، سيتوصل جميع الأطراف إلى هذه القناعة.