في الواجهة

تجميد البرنامج النووي الكوري الشمالي فجأة أهو نتيجة عرضٍ مغرٍ أم خدعة سياسيّة؟

 

فوزي بن يونس بن حديد

ـــــــــــــــــــ

إن موافقة زعيم كوريا الشمالية على إغلاق البرنامج النووي لن يكون بريئا أو استسلاما للولايات المتحدة وهو المعروف دوليا أنه العدو الشرس لأمريكا ورؤسائها المتعاقبين، فمنذ سنوات كثيرة كانت كوريا الشمالية تتحدى الولايات المتحدة الأمريكية التي سلكت خط العداء مع كوريا الشمالية بدل الحوار والتفاوض، حتى وصفها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن بدولة الشر، ولأنها تعادي السياسات الأمريكية الامبريالية الاستعمارية اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الدولة دولة مارقة، وحتى بعد مجيء ترامب كان الأخير يرسل تغريداته النارية متهما الدولة الكورية بأنها دولة مارقة وأنه قادر على نسفها من الأرض إن فكّرت كوريا الشمالية أن تضرب الولايات المتحدة الأمريكية، وأمام هذه الصراعات والنزاعات بين الرئيسين كانت كوريا الشمالية مستمرة في تجاربها الصاروخية غير عابئة بما يجري حولها من مناورات عسكرية ضخمة واستفزازات أمريكية وتهديدات غربية وقطع للعلاقات الاقتصادية وغيرها من الأمور.
وفجأة حدث التحول الغريب في العلاقات بين البلدين، فجأة أعلنت كوريا الشمالية استعدادها للحوار المباشر مع أمريكا وهي التي تطالب به منذ زمن، وفجأة كذلك تتراجع الولايات المتحدة الأمريكية وعلى لسان رئيسها عن التهديد والوعيد ليتحول إلى قبول باللقاء المرتقب بين الرئيسين، بل أقدم زعيم كوريا الشمالية على تجميد نشاط دولته النووي وهي خطوة ما كان ليقدم عليها أو يقوم بها هذا الزعيم إلا بعد أن تلقى عرضا مغريا من المحيطين به، وبالنظر إلى التحركات الأخيرة السرية التي جرت وسرّبها الإعلام العالمي، تتبين خيوط اللعبة السياسية بين البلدين المتنازعين، فزيارة أون الأخيرة والسرية للصين تعطي مؤشرا على رغبة زعيم كوريا الشمالية في الحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات، وكذلك الزيارة التي قام بها أخيرا وزير خارجية أمريكا بومبيو إلى كوريا الشمالية ولقائه سرا أون تعطي مؤشرا قويا على إعادة العلاقات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية لكن يبقى السؤال ما العرض المغري التي تلقاه الزعيم الكوري الشمالي ليغير موقفه بين عشية وضحاها.
لم يكن يتوقع أحد من المحللين أن تتغير المواقف هكذا فجأة بين الرئيسين اللذين أشهر كل منهما زرّه الذي يمكن أن يفني الآخر، أهو التعقل والحكمة أم هو المصلحة أم يكون هذا المشهد خدعة سياسية مفبركة، ومن المؤكد أن هناك سرّا كبيرا يكمن وراء هذه اللعبة السياسية، فالتحولات السياسية المفاجئة تحمل في طياتها أخبارا مفاجئة، وأنا أستبعد أن يكون التعقل والحكمة وراء تغيّر المشهد لأن الرجلين معروفان بالتشدد كلّ في قضيته وكل منهما متمسك بموقفه إلى آخر لحظة وكل منهما يعتبر الآخر عدوا لدودا،وكل منهما يهدد الآخر بالرد إذا تعرضت دولته إلى الضرب أو المسّ، فما الذي تغير فجأة؟.
من المؤكد أن هناك سرا في العملية، ولن يقبل زعيم كوريا الشمالية -الذي عرف أيضا بمواقفه المتصلبة- بتجميد برنامجه النووي إلا إذا وجد ما يغنيه عن ذلك، ولا أستطيع أن أخمّن حجم هذا العرض لكن الذي أستطيع تأكيده هو أن هناك عرضا تلقاه الزعيم الكوري الشمالي من الولايات المتحدة الأمريكية بتدخل أطراف عدة في المنطقة كالصين واليابان وربما كوريا الجنوبية لتقديم عرض مناسب يوافق عليه أون، ولعل الزيارات التي أشرت إليها سابقا كانت سببا في تغيير الموقف بعد العرض المغري الذي عرض عليه، لكن مهما كان ذلك العرض يبقى هذا التحسن قابلا للتدهور في أي لحظة من اللحظات إذا حدث تحرّك مشبوه من هنا أو هناك.
أما السيناريو الثاني وهو الأقل احتمالا وتأكيدا، فيتمثل في التهديد المباشر الذي تلقاه أون من أمريكا وربما من الدول المجاورة كالصين وكوريا الجنوبية واليابان، إذ لم تعد تتحمل هذه الدول استفزازات كوريا الشمالية على المدى الطويل، ولم تعد قادرة على ضبط النفس خاصة إذا زادت كوريا الشمالية من عدّتها العسكرية، وربما كان الضغط الاقتصادي من هذه الدول جميعها وراء استجابة أون وموافقته على العرض المقترح، وقد يكون التهديد بالاغتيال الشخصي من قبل أعلى سلطة في العالم، فلديها ما يكفي من الأعوان في الخفاء ما يكفل لها أن تقوم بهذا العمل في أي وقت وفي أي مكان لقدرتها المخابراتية والعسكرية.
في حين يبقى السيناريو الثالث المحتمل أن تكون هذه الموافقة خدعة سياسية يمارسها كيم جونغ أون للإطاحة بغريمه دونالد ترامب الذي اشتعل في وجهه غضبا وزمجرة سواء في تغريداته المزعجة أو في قراراته المجحفة، فرأى كيم جونغ أون أن يعلّمه درسا من خلال الدبلوماسية الذكية التي ربما يتقن أداءها ليبين للعالم كم أن هذا الرئيس الأمريكي غبي وسخيف وأنه قادر على إذلاله أمام مرأى ومسمع الناس والدليل على ذلك التخوف المبرر لليابان حيث رأت أن الوقت غير مناسب لتخفيف العقوبات على كوريا الشمالية.
وأيا كانت الاحتمالات والسيناريوهات فإن المتفق عليه أن التسليم الكوري الشمالي لن يكون بريئا وأن ما أعلنته كوريا الشمالية من أنها ليست في حاجة إلى تجارب جديدة للصواريخ الباليستية كلام فيه شك وريبة لأن دولة مثل كوريا الشمالية تعودت على مثل هذه التجارب وشغوفة جدا بالتسلح العسكري لا يمكن أن تهدأ بكل هذه السهولة بل في الأمر شيء جديد لا نعلمه اليوم وقد نراه مستقبلا واضحا.