رأي

الإسلام بحاجة الى بريسترويكا جديدة!

 

 

 

 

 اقترن هذا المصطلح بحدث انهيار الاتحاد السوفيتي من اجل انقاذ حياة المجتمعات السوفيتية وإيجاد نظم جديدة بإعادة هيكلة الحياة والدول على وفق المتطلبات العصرية. شعر الناس بوجوب تغيير المبادئ الشيوعية بعد ان دامت في حكم الاتحاد السوفيتي لأكثر من سبعين عاماً. حينها احترم العالم تجربة الرئيس الروسي وفريقه في اعلان البروسترويكا. في الشرق الإسلامي نحن بحاجة الان الى بروسترويكا لان حياة الناس هناك اهم وان امنهم ورخائهم أقدس من الأيديولوجيا والأديان والأحزاب والمليشيات والأنظمة السياسية الدينية واللادينية التي تتحكم بالفرد المسلم ولم تقدم له سوى التخلف والمأساة والحياة العشوائية والمجتمعات بائسة.

الأيديولوجيا الإسلامية الان هي المتحكمة بقوانين واعراف الشرق واقتصاده واحزابه وديموقراطيته وشارعه ودوله. إعادة هيكلة الدين الإسلامي وإعادة انتاج فهمه على أسس جديدة وإعادة اولوية الانسان والحياة في مهمات ذلك الدين تحتاج الى بروسترويكا. بروسترويكا من نوع جريء تواجه التفسير المعاصر للإسلام بحزم وبنظريات ومؤسسات جديدة تعطل العمل بنصوص وآيات عديدة وتمنع رجل الدين من التدخل بالسياسة، وإعادة تفسير وتنظيم فهم جديد للإسلام.

هذا المشروع – مشروع بروسترويكا الإسلام – إذا لم يتصدى له الشارع الإسلامي وزعماء إسلاميون شجعان على غرار غورباتشوف او مارتن لوثر كينغ فان مستقبل الإسلام كدين سيكون مهدد بوجوده في منطقة الشرق الأوسط.  والدليل على ذلك بداية التحدي الالحادي والرفض الشعبي من قبل شرائح اجتماعية عديدة تعلن سراً وعلناً رفضها للإسلام داخل الشرق الأوسط وخارجه.  إن خلو الساحة الاجتماعية من أية محاولات إصلاحية الى الإسلام وعدم قدرة الإصلاحيون ان وجدوا على مواجهة التيارات السياسية الإسلامية وميليشياتها الصُدامية وادواتها الإرهابية ذات اليد الطولي المتمرسة بالقتل والإرهاب.

نحن الان امام خيارين: اما ان نترك المليشيا الإسلامية وأحزاب التيارات الإسلامية السياسية وشيوخ الدين المتحكمين بثقافة الشارع العربي والمسلم، والأنظمة السياسية التي تدعم الانحراف والإرهاب السياسي لتعبث بالشرق وبالدين الإسلامي الى ان تصل الى تصفية الدين والاعتدال تماماً.  أو امامنا خيار ثاني هو: ان تقوم القوى الدينية المعتدلة والليبرالية بإجراء تصحيحات شجاعة على فهم الدين الإسلامي وإعادة هيكلته وارجاعه الى المسجد كي يعود الى كينونته كدين روحانيات وخلق وخير وحب وسلام.

 

كيفية اجراء بروسترويكا او إعادة هيكلة

مشكلة الدين الإسلامي الذي يعتمد في فلسفته على تفسير النصوص القرآنية وأحاديث الرسول الكريم يضاف اليها أحاديث اهل بيت النبي في منهج الشيعة الامامية، الا ان هذه المصادر لا توفر حسم في القضايا الخلافية والقابلة لعدة تفسيرات،  مما يؤدي الى ظهور قضايا جدالية غير محسومة داخل المجتمع الواحد تؤدي الى تفرقته حتى ولو كان ذلك المجتمع يتألف من مذهب إسلامي واحد ، ذلك ما عرض الإسلام تاريخياً الى التعدد المذهبي، وتلك حالة طبيعية ترافق أي دين او فكر أيديولوجي كما حدث مع اليهودية والمسيحية والأنظمة الايديولوجية كالتيارات اليسارية الاشتراكية وما الى ذلك،  لذلك نرى تلك الأديان والأنظمة الأيديولوجية فشلت بالتعاطي مع مفهوم الدولة الحديثة.  نحن ندعو عبر هذه الأفكار المتواضعة الى إعادة الدين الإسلامي وشيوخه الى المساجد ومنعهم عبر قانون دولة مدنية من التدخل في شؤون الدولة والمجتمع السياسية والاقتصادية.  لقد ظهر عملياً في كثير من الدول الغربية ان الكنيسة تلعب دوراً فعالاً في مساعدة المجتمع عن طريق بناء المؤسسات الخيرية التي ترعى الفقراء والايتام في حين ان المساجد قامت بأدوار سلبية في الشرق والغرب في تحشيد المليشيا واستعداء أبناء المسلمين ضد بعضهم عن طريق استحضار قضايا التاريخ والتوزع على اجندات سياسية مختلفة وايضاً تدعوا الى العدوانية ورفع السلاح باسم الجهاد. مضاف الى ذلك ان قوانين الشريعة الإسلامية باتت قوانين لا تصلح للتعاطي مع أي دولة مدنية او مجتمع متعدد.   لقد خرج المسجد عن الدور المناط به وبموجب النص الإسلامي الذي ينظر الى المساجد كبيوت للعبادة وذكر الله وتقوية الروح الايمانية والتزود بالطاقة الروحية لمواجهة معترك الحياة نرى ما يقوم به المسجد العكس تماماً.

إعادة الإسلام وشيوخه الى المساجد هي الغاية المنشودة للبروسترويكا المطلوبة لكن ذلك لا يتم الا عبر عدد من المحاور ذات الاستراتيجية الطويلة المدى في التطبيق للوصول الى الهدف وإنقاذ الدين والإسلامي والمجتمعات الشرق أوسطية مما تعانيه.

اولاً: الايمان بالدولة المدنية كأخر ما توصل له العقل البشري في نظام إدارة المجتمعات، الدولة العصرية التي تعتمد على تطبيق القانون والدستور والتبادل السلمي للسلطة عبر صندوق الانتخابات ونظام الفصل بين السلطات.

ثانياً: ايماناً بركن من اركان تأسيس الدولة المدنية يجب تبني دستوراً يمنع تشكيل الأحزاب السياسية على أساس ديني ويطبق ذلك بواسطة قانون يناقش التفصيلات داخل قبة البرلمان ويرحٌل الى السلطة التنفيذية لتطبيقه بحزم.

ثالثاً وهو الاهم: ما تقدم يهيئ الى إقامة مؤسسة مجتمع مدني مدعومة من الدولة المدنية تتمتع بمجلس إدارة مستقل يمارس سلطة على رجال الدين وشؤونهم وتنظيم دار الفتوى وإدارة المساجد وائمتها ومناهجهم وخطبهم بحيث يحول ذلك النظام دون السماح بنشاطات دينية خارج إطار تلك المؤسسة بعيداً عن التدخل بشؤون الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية.

رابعاً: للحفاظ على هيبة الدولة وقوة القانون وحماية المجتمع من تنامي اية قوى دينية أيديولوجية تتدخل بشؤون المجتمع وتشكل مليشيا وقوى ضاربة لتنفيذ مناهجها كما يحصل الان في معظم الدول الإسلامية على الدولة المدنية تبني قوانين حازمة لمنع تشكيل أي نوع من أنواع المليشيا التي تعبث بأمن البلاد وسلطة الدولة وينفذ الامر عبر الحوار والقانون واحترام حقوق الانسان لتدرك القوى الإسلامية السياسية ان امن البلد والمواطن فوق الأيديولوجيا الدينية.

 

مؤسسة البروسترويكا الإسلامية

بلحاظ الخطط الإصلاحية لإبعاد الدين عن التدخل في شؤون الدولة فان المحور الثالث هو أصل الموضوع. اذ يجب تشكيل قوى جديدة معتدلة في إيجاد المبررات من داخل الإسلام لتنفيذ الامن في البلاد والعباد عن طريق ايجاد مؤسسة دينية يتم تشكيلها داخل كل بلد إسلامي. تقوم هذه المؤسسة على تبني منهج معتدل وتشكيل لجان وإدارة قوية لإعادة النظر بالفهم الإسلامي وإعادة الإسلام الى حقيقته بالقدرة على التعايش مع الشعوب والأديان الأخرى. يجب اختيار أعضاء المؤسسة الإصلاحية الدينية من القوى والشخصيات الدينية المعتدلة التي تؤمن بتعايش الإسلام السلمي وتقبل الاخر والايمان بالدولة العصرية وقوانينها. هذا الطرح يحتم على قادة الإصلاح تعطيل استخدام قوانين الشريعة في إدارة الدولة العصرية كما ذهب الخليفة عمر بن الخطاب على تعطيل بعض النصوص التي كانت سارية في عهد النبي وعهد الخليفة الثاني، كثير من القوانين الإسلامية لا تصلح الان، لان تلك القوانين استخدمت في فترات زمنية غابت فيها مفاهيم الدولة العصرية، فلا يمكن تطبيق الجلد وقطع اليد والجهاد وتغيير المنكر باليد وما الى ذلك من مفاهيم غير واقعية في إطار المجتمع الحضاري.

إذا كان القران حمال أوجه كما يقول علماء الإسلام فلماذا لا يحمل الوجه الحضاري ويتخلى عن آيات ونصوص التكفير والتجريم والتصادم مع الاخرين ويركز على آيات الحب والتسامح والتعايش؟؟ لماذا لا تُمنع فوضوية رجال الدين وتدخلهم السافر في أمور السياسة بل ان كثير منهم يتجاوز دولته ويتدخل في شؤون دول أخرى ويتحدث في وسائل الاعلام وفي خطب الجمعة في المساجد لأثارة الفتن والنعرات الطائفية والتجييش والفتاوى الإباحية بعشوائية فاضحة دون ضوابط.  ان المؤسسة الإصلاحية الإسلامية بداخل الدولة العصرية بحاجة الى إعادة دور المسجد لدعم الانسان الروحي والدعوة الى الخير والصلاح بدلاً عن العدوانية التي يتبناها خطاب المسجد ويبشر بتفرقة الامة؟؟؟