ثقافة رأي

رأي ـــ في زمن الرداءة تتناسل جحافل القطعان

موسى أغربي
ـــــــــــــــــ

تصلني من حين لآخر صور من لدن بعض الأصدقاء، تعود إلى العقود الماضية بدء من الخمسينات حتى الثمانينات، وهي تشمل الأشياء البسيطة التي كانت أسرنا تستخدمها في المطبخ ونماذج من الألبسة التقليدية وغيرها وكذا حال أطفالنا –ونحن جزء منهم- وحال مدارسنا ونوعية الألبسة التي كانت ترتديها الفتيات وغير ذلك كثير، وليست هذه الصور هي ما تسترعي الانتباه بل طبيعة العنوان الذي يؤطرها: “الزمن الجميل”، وتساءلت في قرارة نفسي هل في ما مضى من عمرنا ما يستحق أن يوصف بالزمن الجميل بدء من الخمسينات على سبيل المثال؟ هل قمع انتفاضة الريف وانتفاضة الدار البيضاء وقمع سائر الاحتجاجات التي حدثت بعد ذلك… تنتمي إلى الزمن الجميل، إذن فكيف داخل هؤلاء الأصدقاء أنه كان هناك زمن جميل. ومن وجهة نظري فإن هذا يعود إلى سببين: الأول مرتبط بالتعلق الغريزي (أو النوستالجي) باللحظات المسروقة من أيامنا، إذ الزمن يدمرنا في كل حين قبل أن نعود إلى رحم الأرض (غايا بالمعنى الأـمازيغي)، وبمعنى آخر فإن هذا الجمال لا يمكن أن يتجاوز التفاصيل الصغيرة من حياتنا اليومية كالإحساس بالدفء في حضن الأمومة وعلاقات القرابة الدموية وعلاقات الجوار والزمالة إلخ، وأما السبب الثاني فيمكن تلخيصه في هذه الكلمات: إن هذا الزمن الجميل بصيغة الماضي يشير بشكل صارخ إلى نقيضه: زمن القبح هنا والآن !! ولا شك أن كل من عاش في الخمسينات وحتى بداية الثمانينات سيشعر بوجود زمنين متناقضين ولكن بصورة نسبية، فجيل “الزمن الجميل” مثلا يختلف عن جيل الزمن الرديء (وهنا أشير إلى أن الرداءة لا تعني نفي نقيضها بصورة جدلية كما نعلم ذلك من صور التاريخ الإنساني، كل شيء يحمل نقيضه في داخله)، جيل الزمن الجميل كان يتوقد حلما وأملا في التغيير وهو يضع نصب عينه زعماء يشحذون إيمانه لكون الإنسان قادرا على تغيير واقعة البئيس مثل القائد عبد الكريم الخطابي وقوامي نكروما وغاندي وباتريس لومومبا وهوشيمنه وجياب، إنه باختصار كان يحفظ عن ظهر قلب شعار الانتفاضة الطلابية في فرنسا سنة 1968 والذي كتب على كل الواجهات:
Oubliez tout ce que vous avez appris, commencez par le rêve !
وهذا الحلم لا زال يلامس شغاف أفئدة الإنسان في أي زمن، وهذا ما يحيي الأمل في انبثاق عهود الإنسانية المنيرة والمستنيرة بشكل مناقض تماما لطموحات العقول المغلقة التي تخطو إلى الخلق بدل الخطو إلى الأمام.
نعم هناك زمنان موازيان لا يلتقيان: زمن العقول المتقدة وزمن العقول الغبية في زمن الردة! ولنا أن نتأمل المشهد من حولنا: الجهل الزاحف على الأذهان من كل حدب وصوب أسرع من التصحر وأخطر من الجفاف، في الماضي التاريخي كانت البشرية تصاب بالأوبئة الفتاكة كالطاعون والجذام ولكن سرعان ما تتعافى منها أما أوبئة هذا الزمان فاشد فتكا لأنها تصيب الأذهان وإذا مرضت الأذهان فالتعافي منها يقتضي مرور أزمان ثقيلة إن لم يقتض سيلان الدماء البشرية بشكل لم تفكر فيه حتى الأقوام البدائية التي تنعت أحيانا بالهمجية ظلما. (وهنا لا بد من أن أشير على سبيل الاستطراد إلى أنني لا أوظف كلمة الجهل مقابل العلم أو العلم الغير النافع الذي تمطرنا به جحافل القطعان الوهابية والإخوانية في كل آن وحين) وإنما أعني فقدان ملكة الاستقلال الذهني عن ثقافة القطيع والسقوط في مهاوي التصديق Crédulité أي الإيمان الساذج بكل ما يقال له، وهذا المرض الذهني يعوق الإنسان عن تحصين ذهنه ضد ما يصدر عن أباطرة الجهل والتجهيل لأنهم بقدرة قادر أصبحوا نجوم هذا الزمن ونجوم أمة نصيبها من الإنتاج المعرفي والعلمي صفر على اليسار ولكن نصيبها من الخراب متروك لمديري مراكز الأبحاث لكي يخبرونا مشكورين، ولكنهم لن يفعلوا ولن يفعلوا!
ولكي نتيقن من مقدار التلوث الذي يصيب ذهنيتنا بصرف النظر عن الأرضية الإيديولوجية التي تقف عليها، يكفي أن ننظر في خطب بعض “الزعماء السياسيين” والمثقفين وتجار الدين بكل أشواكهم، إن القاسم المشترك بينهم هو تنميط الفكر أي ما قاله الأموات منهم لا يحيد عنه من ينوب عنه في الحياة، أفكار مستعادة وأحيانا استعمال الألفاظ نفسها، ولا حاجة إلى سرد الأمثلة لدى هذا القطيع أو ذاك فإنها تفقأ العين حتى إنها تزهدنا في الاستماع أو مشاهدة الحوارات، وقذف الجماهير بخطاب مكرور منذ مئات السنين ومنذ قرون لا يفضي إلا إلى نتيجة واحدة وهي تحويل هذه الجماهير إلى قطعان بأذان دون أذهان، وهذا ما عبر عنه المفكر “تشاكوتين” باغتصاب الجماهير عن طريق البروباكندا السياسية! وأضيف إن جاز التعبير البروباكندا االتيولوجبية!
إن الأنظمة الاستبدادية سواء أكانت دينية أو سياسية – دينية لا يمكن أن تحيا بدون وجود صناعة القطعان، وما أسهل هذه الصناعة ولكن ما أقبحها وما أشد مرارتها!
وعلى الرغم من أن الأمة التي أخرجت للناس تعتبر في مقدمة الأمم من حيث صناعة القطعان وتصديرها لتنفيذ أعمال قذرة في بلاد “الكفار”، فإن دراسة هذه الصناعة –حسب علمي- نادرة، أو حتى إن وجدت فهي مندمجة في دراسات اجتماعية ومعرفية أخرى، ومن المفارقة أن هذا النوع من الدراسة التحليلية لظاهرة تشكل القطيع متوفرة في الأنظمة الديمقراطية حيث يعتبر الفرد واستقلاليته الفكرية من ثمار الحداثة الغربية، وربما يعود السبب في ذلك إلى نشوء الأنظمة الفاشية والنازية والديكتاتورية الستالينية باسم ديكتاتورية البروليتاريا والتنظيم الحديدي للحزب الطليعي القائد للجماهير الشعبية!! وأمام هذه الظاهرة التي كانت تهدد الأنظمة الديمقراطية ظهرت بعض الدراسات التحليلية بأدوات علمية كعلم الاجتماع وعلوم السياسة والأنتروبولوجيا والفينومولوجيا …إلخ، ويمكن اعتبار دراسة Le Bon بسيكولوجيا الجماهير التي ظهرت سنة 1895 من الدراسات الرائدة متبوعة بدراسة فرويد بسيكولوجيا الجماهير الصادرة سنة 1921 بالإضافة إلى دراسة سيرج تشاكوتين سنة 1952.
وأما أحدث دراسة ولكنها مخصصة في المقام الأول للكاريزما السياسية في النظام الديمقراطي سنة 2012 فهي للباحث الفرنسي جان كلود مونود Monod J.C. بعنوان: ما الزعيم في النظام الديمقراطي؟ وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر بين هذه الدراسات (وهذه مسألة طبيعة لا يمكن تجاهلها إلا ما لدن من شب على ثقافة الإجماع!) نتيجة التباين في الأهداف المتوخاة والمنطلقات النظرية بل والتجريبية، فإن هناك شبه اتفاق على القول بأن البشرية تنحو بشكل عزيزي أو بدافع ما نفسي أو اجتماعي أو سياسي إلى التجمع في صورة القطيع أو السرب أو الحزب أو الطائفة أو ما أشبه، وذلك منذ الشكل “البدائي” للمجتمع الإنساني، فقد أشار داروني إلى أن هذا الشكل عبارة عن حشد (أو قوم) Horde خاضعين للهيمنة المطلقة من لدن فحل قوي (نقلا عن فرويد في الدراسة المشار إليها آنفا الفصل x).
وبناء على ما قرره داروين هنا فإننا إزاء طرفين وهما الحشد أو الجمهور من جهة والفحل من جهة أخرى سواء تجلى هذا الفحل في صورة للجلباب وبعقلية قرشية وظلامية أم في صورة “الزعيم” الذي يخطب من أعلى الشرفة كما هو الحال بالنسبة لموسولوني! ولنأخذ الطرف الأول الذي يرتبط بصورة جدلية وانطولوجية بالطرف الثاني.
يرى Trotter أن الإنسان حيوان يميل إلى التجمع animal grégaire وضمن الحشد الجماهيري تولد ما يسعه le Bonالروح الجماعية التي تتميز بكون الأفراد الذين تتشكل منهم يشعرون ويفكرون ويعملون بطريقة مختلفة تماما عن ما يمكن أن يفعله كل فرد خارج هذا التجمع، حتى أن بعض الأفكار أو العواطف لا يمكن أن تنبثق أو تستحيل إلى أفعال إلا ضمن ذلكم التجمع.
لماذا؟ لأن الفرد حينما ينخرط في إطار الحشد الجماهيري يفقد استقلاليته ويستجيب بطريقة عفوية وساذجة لما يوحى به إليه، ومن ثمة فإن الفرد ينحط درجات من سلم الحضارة وفق Le Bon لأن الحشدfoule كيان غريزي وبربري ومتميز بالعفوية والعنف والشراسة وبطولات الكائنات البدائية، ويتميز هذا الحشد أيضا بكونه لا يمتلك مطلقا الروح النقدية حتى إن الفرد لا يعرف مفهوم المستحيل (حينما يتعلق الأمر بالتخريب طبعا!!) لأن الحشد الذي ينتمي إليه يعتبر نفسه قوة لا تقهر، ويعتبر الرأفة والحلم تجاه الآخر المخالف ضربا من الضعف، وبمقدار ما يشتد التصاق الفرد بجماعته ينخرط الجميع في نزعة المحافظة والرعب الشديد من الجديد والتطور وتقديس التقليد بطريقة لا حدود لها (يراجع كتاب فرويد المشار إليه آنفا ص: 60، 61، 62.. 132، الطبعة الفرنسية 2014).
ولا يخفى على القارئ أنني لا أروم تبني وجهات نظر لوبون على نحو مطلق إلا حينما أراها تلائم وضعنا في هذا الزمن الرديء حيث تسود ثقافة التلقين وتغول الأموال النفطية الذي يسهم إلى جانب الإفلاس الحضاري وانهيار التعليم وغياب الديمقراطية والقهر الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية في تفشي ظاهرة الشيوخ الذين ينتحلون صفة العلماء وامتلاك ناصية العلم أمام حشود أمية أو فاقدة الوعي بذاتها ليمارسوا لا وظيفة الفحل القوي في الزمن الغابر وإن كانت الشبقية (لا الرغبة الجنسية) لا تعوزهم كما يتجلى ذلك من خلال فتاويهم المرضية وإنما ليمارسوا ما يسميه المفكر سيرج تشاكوتين… الاغتصاب النفسي، والذي لا تمارسه –في نظري- الأنظمة الاستبدادية والشمولية وحسب، بل إن ما قاله تشاكوتين عن الواقع الذي عاشه في أوربا من حيث سيادة ثقافة الترويض للجماهير التي تراجع دورها في التأثير على السياسيين، ينطبق إلى حد كبير على هذا الزمن الرديء حيث تغيب أصوات الفقهاء الظلاميين أصوات الباحثين الحقيقيين في مجال العلوم، الإنسانية على وجه الخصوص.
يسود الاعتقاد في هذا الزمن الرديء بأن منتحلي صفة العلم يمتلكون المعرفة المرتبطة ظلما بالعلم المجرور منذ قرون، وهذا الاعتقاد لا راد له لا في الأمد القريب ولا في المتوسط لأنه ترعرع واينع ولم يشخ بعد، اللهم إلا إذا حدثت معجزة في بلدان الصالحين وتم الأخذ بأسباب الحداثة التي تعلمنا من خلال مفكريها العظام أن هناك فارقا بين المعرفة والاعتقاد، يقول غوستاف لوبون: “… جميع الناس يمتلكون اعتقادات، لكن قليلون جدا من يرتقون إلى المعرفة” (الآراء والمعتقدات ترجمة نبيل أبو صعب الطبعة 2 2016)
بل هناك من الكتاب في الغرب من يذهب إلى حد القول بأن الحقيقة لا وجود لها كما هو عنوان افتتاحية La Recherche (Hors-serie) N° 24 Déc. Jan 2017-2018 مروردا قولة باتريك بتر الفيزيائي الفلكي: “إن الباحث لا يريد ان يبين لنا أنه على صواب، بل انه على النقيض من ذلك يفكر باستمرار في الوسيلة التي يبرهن من خلالها أنه على خطأ”، هذا تواضع صادر عن عالم حقيقي يدرك حجم المعاناة التي يكابدها الباحث في مواجهة ألغاز الكون التي تزداد اتساعا على الرغم من توفر الإمكانيات وأدوات البحث الهائلة، وهكذا فإن الفقيه الذي يتحدث عن أزمة التعليم الجامعي المنكوب في بلده ويلخص الأمور في العري والإلحاد والانحلال الأخلاقي!!! لا يمكن أن تأتمنه على شيء من قضايا الوطن الشائك! وهل الذي يفتي بزواج القاصرات (أو بالأحرى اغتصابهن قياسا على الماضي المقدس) يمكن أن تطمئن على سلامة عقله ونفسيته. هذه البضاعة الرخيصة لا يمكن أن تنتج إلا أسرابا من الخشب المسندة!
ومن البديهي والمنطقي أنه لا يمكن الفصل بين أسراب النيام وبين من يمارس وظيفة التنويم الإديولوجي، بمعنى أن هذا الأخير جزء من النوم، أو بعبارة أخرى من الذين ابتلوا بالسبات العقلي الموروث منذ قرون، وهذا السبات بمثابة الخاتم السحري الذي يبرر كل شيء لا باسم الفكر أو الفلسفة أو التنظير العقلي، بل باسم الطحالب الفكرية التي ما أن تلامسها أشعة العقل حتى ولو كانت خافتة فإن أصحابها يصابون بالذعر الذي يشبه ذعر الجواميس إذا ما أحسوا بالخطر الذي يهدد وجودهم، ويكفي أن تسلط الضوء على قضية ما من تراثهم المقدس حتى يصابوا بإسهال من الشتم والتكفير، ولا يذهبود إلى أبعد من ذلك، وهذه حالة مرضية لا تدل على أن أصحاب الطحالب الفكرية لهم القدرة عن مناظرة أو مجادلة المخالف، بل إن الشرط الوحيد الذي يجب أن يتوفر لتصريف مجموعة من المفاهيم المهترئة هو وجود أسراب من الأميين أو أشباه الأميين، ولكن هذا الشرط يقتضي أيضا البحث أولا في أدوات هذا التصريف وفي سبب وجود هذه الأسراب التي تنمو في هذه السنين بصورة أشد مما ينمو اقتصاد الأمة التي أخرجت إلى الناس وأشد أيضا مما تسهم به في الإنتاج المعرفي والفلسفي والتكنولوجي مقارنة مع الأمم الأخرى.
منذ أن نشر Le Bon دراسته المشهورة عن نفسية الجماهير أو الحشود –وقد لقيت بعض الاعتراضات التي لا تخلو من صواب- أصبح من المسلمات التمييز بين الجماهير التي تحتشد من أجل مصالحها كما يشهد التاريخ بذلك مثل الحركات الدينية الإصلاحية السياسية منها والثورية، فكمونة باريس أو كرونشطاط أو أحداث فرنسا في 68 لا يمكن أن تخضع لتحليل Le Bon، وبين الحشود التي لا تختلف عن حشود الجراد التي تسعى إلى القضاء على ما هو جميل في هذه الحياة مثل النازية أو الفاشية، ولقد أسعفتني دراسة Le Bon وكذا تكملتها العلمية في دراسة فرويد، أن أهتدي إلى هذا الاقتناع: إذا كان الفرد في الحشد الغوغائي يفقد استقلاليته بالذوبان في الجماعة، فإن الفرد في الجماهير الثورية على العكس من ذلك هو هو سواء داخل الجماعة أو خارجها، بمعنى أن ما يمكن أن يعبر عنه وهو معزول هو ما يمكن قوله أو التعبير عنه ضمن جماعته. دون أن أغفل إمكانية أن يتحول الفرد في هذه الحالة إلى ما يشبه الفرد في الحجم الغوغائي، أي حينما يعتبر أن كل ما يصدر عن الجماعة التي ينتمي إليها مقدس ولا يخضع لأي مراجعة نقدية، ففي هذه الحالة ينتفي الحديث عن مفاهيم التجديد أو التطور أو التغيير. ويمكن أن أستشهد ببعض الأمثلة من عالم القومية العربية، فبعد المتياسرين أو الحداثيين المزيفين لا زالوا يحنون إلى عهد عبد الناصر باعتباره رائدا للقومية العربية لا للهزيمة الحضارية، وحينما يتعلق الأمر بوجود أقوام أخرى غير عربية فإن هذيان ميشيل عفلق القائل: “كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب محمدا” يستحضر كسلاح للمواجهة الخاسرة، إن الحدود الإيديولوجيا بين القومجي والأصولي من وجهة نظري لا وجود لها: ألم يدافع راشد الغنوشي عن صدام حسين. يكفي أن يرقص الزعيم –حتى ولو كان دمويا- ليجاريه القطيع في الرقص. وقبل شهر لفت نظري عنوان مقالة لإخواني متزمت منشورة في مجلة يصدرها يتيم من يتامى القدافي وكان فيما مضى يزعم أنه ماركسي، ولكن المشكل لا يكمن هنا وإنما يكمن في إضفاء لقبين على صاحب المقالة: الدكتور، الشيخ، وقلت في نفسي: فعلا هذا زمن القطيع، ولكنه قطيع تافه. وفي الوقت نفسه تذكرت ما قاله الباحث حمود حمود حينما ذهب إلى أن الأصول والقومي (وكل من ارتبط بقبيلهما) يقفان على أرضية واحدة. وماذا يجمع بينهما في نظر هذا الباحث؟ غياب العقلانية! وأنا أضيف إلى ذلك الميولات العدوانية تجاه الآخر المخالف؟ (أنظر: بحثا عن المقدس طبعة 2014).
وفي هذا الإطار أيضا لا بد من ملاحظة أساسية لم تخطر ببال Le Bon ولا Freud ولا Tchakoutine لأنهم حينما أنجزوا دراساتهم لم يكونوا يتخيلون وجود أمة على وجه الأرض، لا زالت تردد مفاهيم منذ أزيد من 14 قرنا ولا تزال دون إدراك خلفياتها التاريخية: ومرد هذه الملاحظة إلى أن هذه المفاهيم ترددها بصوت واحد كالأغنام مثل الحضارة العربية الإسلامية دون أن تسأل عن معنى اقتران هاتين اللفظتين العربية الإسلامية بموصوف واحد، وذلك لدى الفريقين الأصولي والعروبي. ولتوضيح هذه النقطة تحديدا لا بد من ذكر بعض اللحظات التاريخية التي في ضوئها أنجز هذا المفهوم السياسي وظل عالقا بالأذهان قرونا ثقيلة:
– حينما استبد الأمويون بالسلطة وواجهوا المعارضة بالحديد والنار برز الميل إلى التعصب للجنس العربي ضد غيره من الأجناس، وهنا يحضرني موقف معاوية بن أبي سفيان من الأعاجم وكذا موقف هشام بن عبد الملك من منطقة شمال إفريقيا أثناء الغزو الأموي. ولتبرير هذا التعصب ساد الاعتقاد بأن الله أعز قريشا في الجاهلية ثم أعزها من بعد ذلك بالإسلام الذي لولا العرب لظلت الشعوب ترزح تحت نير الجاهلية! وإذا فإن ميشيل عفلق سرق الشعار السابق من أفواه قريش، وفي أي شيء نختلف عن الأولين حينما نردد مفاهيم بكل جهالة.
– وحينما تم غزو الأندلس من لدن الامازيغ (الذي لم يعتدوا على أي شعب قبل اعتناق ثقافة الغزو القرشية)، اغتنمها أحفاد معاوية من القرشيين بعد انهزامهم أمام العباسيين لبسط نفوذهم العربي على ما بات يسمى الأندلس، وحينما واجهوا معارضة السكان الأصليين الإيبيريين (أو المولدين) في القرن العاشر بقيادة بن حفصون الذي حاول زعزعة أركان الهيمنة العربية، كتب في التاريخ الرسمي للدولة الأموية: إن أي انتفاضة ضد العرب يعتبر خيانة للإسلام أو أن العرب هو حماة الدين الإسلامي الحقيقيون. (أنظر مقالة كابرييل مارتنيز- كروس: Au temps d’AL – Andalus in l’Histoire (les collections hors – série N° 79 Avril 2018.
ولكننا تعلمنا في مدارسنا وجامعاتنا أن نستحضر بكل غباء كل ما نطق به الأسلاف وحتى ولو كان الكذب الصراخ بل إن عواطفنا ومواقفنا تتأقلم مع هذا الكذب ونورث كل ذلك للأجيال المقبلة مما رسخ مرض التصديق بشكل لا يمكن أن نتزحزح عنه، ونسمح لأنفسنا بالحديث عن الأصالة مقابل الحداثة وإذا فتشت عنهما في حياتك اليومية وفي طريق تفكيرنا وتدبير قضايانا الشائكة فإنك لم تظفر بغير قبض الريح.
– وفي العصر الحديث جوبهت مطالب الحركة الأمازيغية بكل أدوات القمع الإيديولوجية كما جوبهت المعارضة زمن الأمويين وفي الأندلس إلى حد المطابقة كما سأوضح بدون التواء في الأسلوب أو المراوغة الفكرية.
لقد تم في البدء اللجوء إلى محنة التعريب مقرونة باختلاف أسطورة “الظهير”، المعروف وعلى الرغم من الفشل الذريع بالنسبة للنقطة الأولى كما يتجلى ذلك في الإسهام في تخريب منظومتنا التعليمية، وفضح دسائس ما يسمى “الحركة الوطنية”، فإن أي شخص حتى ولو كان مثقفا أو “زعيما” سياسيا لازال يؤمن بما يسمى “الظهير البربري” ويواجهك بما واجه به الأمويون في الأندلس معارضيهم حينما نشروا فكرة أن الموقف الرافض للهيمنة العربية يضاهي الإساءة إلى الإسلام، وإن كانت التهمة الآن خضعت “للتحديث” أو للطبعة المزيدة والمنقحة: التآمر مع الأعداء الخارجيين لتفتيت أوصال الأمة العربية، أو أن اللغة العربية لغة مقدسة تقف وراءها أمة مقدسة وهذه الفكرة لا يتناطح حولها عنزان الأصولية المتطرفة والبعثية المهزومة.
وعلى الرغم من أنني لست مؤرخا، فإن النزر اليسير من التاريخ الذي وقع بين يدي، أوحى لي بأن القوم عندنا يتشابهون كما يتشابه أفراد القطيع، إنهم هم في كل الأزمنة من الزمن الغابر وفي الزمن الحاضر، في أقصى الشرق – البيئة المريضة، وفي أقصى الغرب الذي يستورد أقفاص هذه البيئة، الأصوليون يقولون إنه لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، والعروبيون من تلامذة زكي الأرسوزي يقولون إن الأعاجم أفسدوا نقاوة وطهارة اللغة العربية ولا سبيل إلى استعادة هذه الطهارة إلا بالعودة إلى نقائها الأول في بادية الصحراء، هذان الطرفان متحابان وإن كان الخلاف بينهما يصل إلى حد الاقتتال أحيانا، ولذلك فإنني لا أجد من استعارة لوصف هذه العلاقة الراسخة بينهما إلا تلك الصورة التي أشار إليها الفيلسوف الألماني شوبنهاور أثناء حديثه عن قطيع Porc-épic فهذه المخلوقات تجنح إلى التصاق أفرادها بالبعض الآخر حينما تحس بوطأة البرد ولكنها في الوقت نفسه تميل إلى أخذ المسافة فيما بين الأفراد، بيد أن قطيع الأصوليين والقومجيين لا يقعون تحت وطأة البرد إذ ينتمون إلى مناطق جافة في معظم فصول السنة، الوطأة الشديدة بل الصدمة التي أرغمتهم على الخروج من التاريخ هي الهزيمة الحضارية أساسا، ناهيك عن الهزائم العسكرية، ووقع هذه الهزيمة يزداد حدة كلما زعمت الذات الحضارية أنها أرقى من كل الذوات مثل الطفل المدلل الذي لا يقوى على مواجهة شدائد الحياة في أول تجربة قاسية، لذا فإن القوم عندنا شرقا وغربا مغرورون بماضيهم المقدس ومن فرط التعلق به جعلهم يشبهون أسطورة الكهف التي تحدث عنها أفلاطون، إنهم مشدودون مثل السجناء إلى عمق الكهف السحيق ووجوههم إلى الحائط ولا يرون من الأشياء غير الظلال المنعكسة على الممر الموجود في الكهف، والفرق بين أقوامنا وأهل الكهف أن واحدا من أصحاب الكهف استطاع الانفصال عن هؤلاء السجناء ليبصر الأشياء الحقيقة خارج الكهف بفضل أنوار الشمس المنيرة، وأما الآخرون فإنهم بفعل الهزيمة التي تداعب بظلماتهما عواطفهم تجعلهم شبه أموات والإحساس بالحياة وموضوعاتها الحقيقة غلقوا الأبواب دونها وقالوا هيت لك، ألم تسمعوا الحديث عن جواز معاشرة الجثث بدل الحديث عن الحب، دلوني على فقيه يمكن أن يستسيغ ما قاله القديس بولس في رسالته إلى الكورنثيين:
“وإني وإن تكلمت لغة بني آدم والملائكة، فإنني مجردا من الحب لا أعدو أن أكون عبارة عن معدن من النحاس أو الفولاذ”. [نقلا عن دراسة فرويد الآنفة الذكر ص: 84 الهامش رقم 2].
إن الذي يدعو إلى معاشرة الجثث والإشادة بنقاوة وطهارة البداوة في موطنها الصحراوي لكي تسمو اللغة عما عداها من اللغات لهو نذير شؤم وهدم لأحلام الإنسانية في الارتقاء الحضاري، فكما أن الجثة لا يمكن أن تنبثق من الحياة فكذلك الماضي مهما كانت طبيعته ارتقاء أو انخفاضا لا يمكن أن يعود لأننا نحن سكان الأرض لم نسمع بحضارة ماتت ثم عادت لأن الأركيدلوجيا لا يتحدث إلا عن حضارات سادت ثم بادت، أقول هذا وأنا على يقين أن الخطاب السائد في هذا الزمن الرديء هو حول “انبعاث” أمة و”بعث” أمة لا فرق بين الأصوليين والقومجيين في الإيمان بهذا الفانتازم.
هذا الركام من نمطي الخطاب القومجي والإخواني حول انبعاث أمة من مرقدها الأزلي وبذراعين: الثيولوجي والعرقي، يملك قدرة هائلة على التحشيد البدوي اعتمادا – من بين أسباب أخرى أشرت إلى بعضها آنفا- على لغة الخطابة، وهذه اللغة لعبت دورا بارزا في تثبيت أركان الأنظمة الاستبدادية مثل الدولة الأموية والنازية فالأولى كان لها خطباء “مفوهون” كما يقال مثل زياد في أبيه والحجاج اللذين حولا الباطل إلى حق والحق إلى باطل بتعبير على ابن أبي طالب، وأما الإعلام النازي فكان شعاره هو: الكذبة إذا تكررت مائة مرة صارت حقيقة حتى إن المرء أصبح واعيا بأن ما يروج من مفاهيم وأفكار عبر التاريخ أكاذيب وأكاذيب نجحت ولا تزال في تشكيل جحاف من القطعان هم بمثابة المؤمنين على استمرارية الخلل في العلاقات الدولية والعلاقات الداخلية سواء بسواء، ولقد عالج كبار المفكرين هذه المعضلة التي لازالت تشكل قيدا في الانطلاقة الحرة للإنسان، ولم تنتج غير “القادة” les chefs في المجال الديني والسياسي ومع ذلك فقد أصبحوا قديسين وكاريزميين وأولياء الله الصالحين، وإن اختلفوا في درجات التفاهة والغباء التي وصلت ذروتها فيما “تفرزه” قطعان الوهابية من فتاوى.
في هذا الزمن المغنى حضاريا، يكفي هؤلاء “القادة” كما يذهب إلى ذلك لوبون استعمال بعض الألفاظ والتعابير التي تنطق بكل وقار حتى تنحني الجباه، فهم ليسوا في حاجة إلى تعزيز “حججهم” منطقيا بل فقط استعمال بعض الصور المثيرة وتكرار الأشياء نفسها بدون توقف (كتاب فرويد السابق ص: 62/63/65)، هذا الوعي من لدن هؤلاء القوم لفعالية اللغة السحرية هي التي تفسر في نظري هذه الجموع الغفيرة من الشعب المصري حتى وصلت إلى ستة ملايين قادمة من كل أنحاء مصر لتشييع عبد الناصر، أعتقد أن خطاباته هي التي كانت ترن في أذهانهم وهم يتدفقون كأسراب الجراد، وليس الحسرة على فقدان زعيم الإنجازات، لأن هذا الشخص كان وبالا إلى جانب الإخوان على الشعب المصري وجواره، لم أشاهد في حياتي جنازة حاشدة لمثقف سواء في الشرق أو شمال إفريقيا تضاهي جنازة الحشود للقادة الوهميين، الجواب في نظري البسيط هو أن المثقف الحقيقي يشيع ثقافة العقل وثقافة التحرر من كل أشكال العبودية وخاصة الأبوية منها، وأما القادة السياسيون فإن وجودهم مرتبط بهذه العبودية، ومن هنا هذا الزواج الكاثوليكي في زمننا الرديء بين الساسة وفتاوى الهجرة والتكفير، كلهم يتشبتون بأصنام الماضي، كلهم يستعملون لغة أقرب إلى سجع الكهان (هل رأيتم في العالم قادة يخاطبون شعوبهم بلغة لا تفهمها)، إن هذا النمط اللغوي له من الأدوات الفعالة لتأبيد العبودية وهذه اللعبة يشترك فيها لا القومجيون والوهابيون فحسب بل وبعض المثقفين أيضا.
قد يلمس القارئ من خلال هذه السطور أن ثقافة القطيع سائدة هنا وهناك، سواء في الشمال أو الجنوب، بين الشعوب التي قطعت أشواطا في مجال الحداثة وما بعد الحداثة، ومن الشعوب التي لم تخرج بعد من المرحلة “الطوطمية”، ولهذا فإني لابد أن أبادر بالقول: إن الظاهرة النازية والفاشية والستالينية أصبحت من الماضي وشروط إنتاجها لا يمكن أن تعود لأنها ستواجه شعوبا وعت الاتجاه الصحيح لتحررها، ومع ذلك فإننا لا نعدم وجود بعض الدراسات والوقائع التي لم تمح منها بعد ثقافة القطيع بهذه الصورة أو تلك.
في الفلسفة الماركسية لا وجود لمصطلح القطيع حسب علمي، بل المفهوم الحاضر هو مفهوم الطبقة، غير أن القول بدكتاتورية البروليتاريا، أو هيمنة الطبقة على طبقة لم يمنع بروز”زعامات” لتمارس الديكتاتورية باسم ديكتاتورية البروليتاريا، حتى إن شعوب الاتحاد السوفياتي كانت تخضع لتنظيم حديدي باسم الحزب الطليعي الذي له القدرة وحده لا شريك له في قيادة الإنسانية نحو النظام الشيوعي حيث تغيب الأداة القمعية أي الدولة وينتفي الصراع الطبقي: لكن السؤال المطروح هل الخضوع لتنظيم الحزب الطليعي لا يعتر مدخلا لتنميط أفراد المجتمع، أي جعلهم (قطيعا) ينطقون بصوت واحد، ومن حاد عن القطيع يتهم بالعمالة للإمبريالية الغربية.
وأما في المجتمعات الليبرالية والديمقراطية فيمكن أيضا دمغ الشعوب التي تشارك في الانتخابات لاختيار قائدها أو زعيمها بالقطيع على أساس وجود هذا الميل الغريزي نحو التجمع على نحو ما مر بنا آنفا لكن الأمر هنا يختلف هنا تماما عن مجتمعات القطعان التي لم تغادر مملكة “الطوطميات” بعد، ذلك بأن اختيار القادة أو “الممثلين” يتم وفق اختيارات سياسية حرة إذ نجد أن الفرد على الرغم من أنه جزء من الجماعة فإنه ينخرط في اللعبة السياسية بمحض إرادته وما يمكن أن يقوله فردا يقوله جماعة، ثم إن القائد بالنسبة للأنظمة الديمقراطية ليس شيخا يردد قيل وقيل ولا قائدا يشرف بنسبه لا بإنجازاته، بل إنه شخص “كاريزمي” يفرض نفسه بحكم كونه أكثر تأهيلا من بين الكثيرين بالقيام بالوظيفة المنوطة به ويعتبر عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر” الذي يعتبر من المنظرين الكبار للكاريزمية أن هذه الأخيرة تعتبر إحدى المصادر الكبرى لشرعية السلطة (أنظر جون كلون مونود: qu’est ce qu’un chef en démocratie ? (Seuil.2017) P : 23-24.
علاوة على أن النظام الديمقراطي سن للإنسانية منهجا في التفكير قائما على أساس المسلمة التي أصبحت من أبجديات المعرفة ألا وهي النفور من الفكر الشمولي والمطلق. لأنه لا ينتج غير الويلات من الحروب والأنظمة الاستبدادية وانغلاق وتحجر الفكر كما يحدث في ضفتي جنوب البحر المتوسط.
وأنا أكتب هذه السطور لا يغيب عن ذهني ما كتبه سيرج تشاكوتين عن الاغتصاب النفسي للجماهير عن طريق البروباكاندا السياسية وما كتبه غيره (جون كلود مونود) عن هيمنة الاقتصاد عن السياسة وما ينجم عنه من خفوت نور الديمقراطية أمام جشع أصحاب النفوذ الرأسمالي. لكن الواقع عندنا أصبح لا يطاق نتيجة غياب النخبة المثقفة التي تخاف من خدش “طهارة” الخطاب الذي أصبح عبئا ثقيلا لا ينتج غير القطعان حتى ولو كنا نملك آلاف الجامعات، وطالما أن العلوم الإنسانية قد تم تغييبها بقرار سياسي فإن حديث البعض منا عن الحداثة وهو أجبن ما يكون بل يحني جبهته أمام شيخ يسبح في ظلمات الجهل ولا يقوى على مجابهة المسلمات الغبية- فإنه إما واهم أو منافق أو جاهل.

خاتمة:
في الختام أقول للقارئ الكريم قد أكون مصيبا في ما كتبته أعلاه وقد أكون مخطئا، ولكن لا يمكن أن نختلف حول ما كتبه هيراكليت Héraclite منذ قرون حيث ركز اهتمامه في المقام الأول على مفاهيم المركب (multiple) والأضداد والتغير والمواجهة (أو الصراع combat) والتدفق (écoulement)، وأما الجوهر الوحيد بالنسبة إليه فهو التغير (changement) وقوامه اللوغونس. وقد أثر عنه كلمات من ذهب – خاصة في زمن الرداءة والردة – إذ قال: “كل شيء يتدفق، يجري ولا يمكن أن نستحم مرتين في النهر نفسه”، وإذا ما عدنا إليه فإنه قد أصبح بعيدا إنه نهر آخر، وماء آخر. ( أنظر: Jeanne Hersch : L’étonnement philosophique, Gallimard, 1993.
إن هذه الكلمات تقابلها كلمات تطفح بالرداءة في هذا الزمن: الكل متوقف منذ القرن السابع، من الواجب ومن الفرائض التي أوصى بها فقهاء الظلام أن النهر لم يعد نهرا بل أضحى مستنقعا لك أن تستحم فيه إلى يوم القيامة وتنمسخ إلى ضفادع تصدح بصوت واحد: النقيق، النقيق….