أحوال عربية

4 أسس ترسم خريطة الوضع في سوريا في المستقبل .. اتجاهاتُ الملف السوريّ بعد أستانا و سوتشي

د. محمد عادل شوك
ــــــــــــــــ
لا تفتأُ روسيا تسعى لتبقي يدها طويلة في الملف السوريّ، بموجب التفويض الذي منح لها من أمريكا، بناء على خطة مؤسسة راند، في الشق العسكري، منذ منتصف أيلول: 2015، و هو الأمر الذي أزاح عن كاهل أمريكا كثيرًا من الحرج.
ولم تعبأ كلتاهما بالحال التي آلت إليها سورية، و جعلتها تصنّف في أسفل سلم التصنيف العالمي للرفاهية، بترتيب (150/ 152)، و لتبقى في صدارة الدول المتلقية للمساعدات الإنسانية منذ عام 2011، حسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ( أوتشا )، و لن يزاحمها في ذلك إلاّ اليمن في العام 2019.
لقد خالج روسيا شعور الانفراد بهذا الملف، فأخذت تتنقل فيه بين سوتشي و أستانا، غير مدركة أنّ التفويض الذي منح لها قد أدّى غرضه، و حان الوقت للسير في شقه السياسيّ، و يجب أن يعود إلى عهدة الأمم المتحدة، استنادًا إلى المرجعيات الدولية، و ليس إلى التفاهمات الثنائية أو الثلاثية، التي لا ترقى مقرراتها إلى متانة النصوص و جدية القرارات الدولية، و في مقدمتها القرار 2254.
فعلى الرغم من حرص روسيا و تركيا، لإبقاء اتفاق إدلب صامدًا، لم يمرّ بسلاسة، و لولا أنه أحد متضمَّنات خطة مؤسسة راند، و ما حظي به من التأييد الدولي، ولاسيما من أمريكا؛ لكان للنظام و إيران رأي آخر، و مع ذلك لم تألُوَا جهدًا في عرقلته، و جعله نهاية أزمة، و ليس بداية مسار.
إنّه و منذ الأيام الأولى لحراك 2011، أرسلت رسائل مباشرة إلى أطرافه المحليين، فضلًا على الآخرين، بأنّه من غير المسموح لأحد أن يتحرّك في الملف السوريّ، من غير تفاهمات دولية، و برعاية أمريكية.
و عليه فإنّ المراقبين يذهبون إلى أنّ اتجاهات الحلّ فيه للمرحلة القادمة ستكون وفق الآتي:
1ـ لا حلّ عسكريًا في سورية، و لا بديل عن حلّ سياسيّ، يكون عنوانه لا مركزية إدارية، و تشاركية سياسية، مع الإبقاء على المنظومة الأمنية بعد إعادة هيكلتها.
2ـ التعامل مع الخارطة الجيوسياسية وفق مناطق النفوذ الحالية، و من غير المتوقع أن تتغير ملامحها، و ستسعى الأطراف الثلاثة صاحبة النفوذ لتحصينها ما أمكن.
و على هذا يحمل تصريح جمس جفري، نية أمريكا فرض منطقة حظر طيران في سورية، على غرار العراق بعد 1991، تمنح بموجبها طمأنة لحلفائها الأكراد، و تؤسس لحالة التشظي القادمة لجغرافية المنطقة عمومًا، في مقابل مزيد من الضبط الروسي لمنطقة نفوذه، و كذا التركي لمنطقتي درع الفرات و غصن الزيتون، و فيما يتعلق بمنطقة إدلب فمن غير المتوقع أن تشهد تغيرًا يذكر، فستبقى فيها الخارطة الفصائلية، و لن تضخّ فيها برامج تنموية ذات جدوى، و لن تشهد تحسنًا في الوضع الأمني، أو البناء المؤسساتي على المستوى العام، و سيراوح اتفاق أستانا عند البنود ( 8، 9، 10)، فلا تعود الطرق الدولية إلى سابق عهدها، و لن توضع المعابر تحت إدارة مدنية جامعة، و لن ينهى ملف الجماعات الجهادية. و سيبقى ملفها في عهدة ضباط الاستخبارات التركية، و الدول المعنية، و لن تكون هناك آلية صارمة لضبط خروقات النظام، و من غير المنتظر أن يتحوّل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
3ـ على الرغم من علو النبرة الأمريكية للولوج في العملية السياسية، فإنّ ذلك يفتقر إلى الجدية في المدى المنظور، و ذلك لعدم رغبة النظام و إيران، و لعدم رغبة الثلاثي ( أمريكا، روسيا، تركيا ) في مغادرة سورية في القريب العاجل، فليس في وارد أيّ منهم أن يسلّ من يديه ذريعة وجوده فيها ( أمريكا/ داعش، تركيا/ الوحدات الكردية، روسيا/ الجهاديون ).
فطالما أنّ الوضع تحت السيطرة، و ليس هناك إرادة دولية في إعادة البناء بتكلفة ناهزت الأربعمائة مليار دولار، و حتى لا تكون المنطقة عامل جذب و استقرار، تساعد على بناء هياكل مؤسسية، يخشى النظام من نجاحها، فتكون بديلًا مستقبليًا عنه؛ فسيبقى الحديث عن العملية السياسية ورقة ضغط ليس إلّا.
4ـ ستبقى سورية ثقبًا أسود بإرادة أمريكية، لكل المنخرطين في مجريات صراعها، على اختلاف هوياتهم، و تنوع مقاصدهم، و تباين مشاربهم، و أعطت تلك السياسة نتائجها، فأخذت الرسائل تصل تترى لجميع أولئك، أنّه من غير المسموح لأيّ منهم أن ينفرد بالحل، إذْ يمكن لهم أن يجلسوا على الطاولة، و يعطى لهم هامش من التحرك، و لكن من غير المسموح أن يفرضوا إرادتهم، و يقرّروا وحدهم مصير منطقة تتقاطع فيها مصالح العالم أجمع.