ثقافة

روبرتسون وترامب الجالس بجوار الله

President Trump, left, and Pat Robertson.

دكتور محمد عمارة تقي الدين
ــــــــــــــ
بات روبرتسون Pat Robertson هو داعية إنجيلي أمريكي شهير، فهو من أبرز دعاة تيار المسيحية الصهيونية ذلك التيار المساند لإسرائيل بشكل مطلق باعتبار أنها تجسيد لبداية تحقق نبوءة الخلاص الديني المسيحي وفق قناعات هذا التيار الذي يؤمن بأن عودة المسيح المخلص يجب أن يسبقها قيام دولة لليهود في فلسطين وفرض سيطرتهم بشكل كامل على القدس ثم بناء الهيكل، في تلك اللحظة سيعود المسيح المخلص لتبدأ أحداث ومعارك آخر الزمان منتهية بإقامة فردوس أرضي مدته ألف عام.
ولد بات روبرتسون عام 1930م ، وفي عام 1960م أنشأ محطة تلفزيون سي بي إن (شبكة الإذاعة المسيحية) ثم وفي عام 1989م أنشأ منظمة التحالف المسيحي (Christian Coalition of America) (CCA) لمساعدة مرشحي الرئاسة الأمريكية المؤيدين لتيار الصهيونية المسيحية للوصول للحكم وقد ساعدت جورج بوش الابن في ذلك، ويُذاع برنامجه بكثير من لغات العالم لضمان وصول رسالته لأكبر عدد من المشاهدين، يقول روبرتسون:” أنا في توق للحظة التي ستتولى محطتي التليفزيونية نقل وقائع نزول المسيح فوق جبل الزيتون بالقدس” (1).
في عام2003م وجه روبرتسون الاتهام لياسر عرفات بطرد اليهود وقتل عدد كبير منهم ومن ثم احتلوا فلسطين، وأن الفلسطينيين مجموعة من العرب وصلوا فلسطين منذ عقود قليلة فقط(2) وهي كلها إدعاءات كاذبة ومجافية للواقع التاريخي وتدور في إطار الدعاية الصهيونية الوقحة.
وتعد نبوءة بات روبرتسون حول نهاية العالم من أشهر النبوءات في هذا المضمار إذ توقع عودة المسيح في عام 1982م حيث قال:”أؤكد لكم أنه مع نهاية عام 1982م ستكون هناك قيامة على الأرض”(3) ، لكنّ شيئًا لم يحدث.
بعد أحداث 11 سبتمبر2001م، دعا روبرتسون أتباعه للصلاة كي يمنع الله انتشار الإسلام في أمريكا ، وأضاف:”إن الإسلام دين إرهاب وتخلف ورق وعبودية، إنه يهدف للسيطرة على العالم …. العالم الإسلامي مرتع لعمل الشيطان”(4) وهو في ذلك يتفق مع زملائه من منظري المسيحية الصهيونية في تبني هذا الموقف العنصري من الإسلام والمسلمين.
وحول موقفه من الشأن الإسرائيلي اعتبر روبرتسون اغتيال اسحق رابين رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق بمثابة عقاب له من الله لتفريطه في الأرض المقدسة وتوقيعه اتفاق أوسلو الذي بموجبه سيتم إخلاء بعض المستوطنات وتسليمها للفلسطينيين.
وهي ذات المبررات التي ساقها التيار الديني اليهودي المتشدد داخل إسرائيل والذي فرح هو الآخر بهذا الاغتيال، فلقد طالب عدد من الحاخامات داخل إسرائيل بإصدار فتوى (دين روديف) وفتوى (دين موسير) وهي فتاوى تحل سفك دم رابين باعتباره يهوديًا يعرض حياة شعبه اليهودي للخطر، وباعتباره خائنًا يفرط في أرض إسرائيل لشروعه في اتفاق أوسلوا مع الفلسطينيين، وأمام منزل رابين أدى عدد من الحاخامات شعائر ما يسمى صلاة اللعنة ضده واسمها بالآرامية”بولسا دينورا”(lashes of fire) أي سياط النار أو أسهم النار(5) ، التي تعني استنزال لعنة الموت بحقه بقوة روحية، كذلك تم تنظيم مظاهرة ضخمة في ساحة صهيون في القدس والتي رددت شعارات”خائن”،”رابين قاتل”،”بالدم والنار سنطرد رابين”(6) وانتهي الأمر باغتياله من قبل المتطرف الديني اليهودي إيجال عامير (Yigal Amir)، وهو درس قد استوعبه الساسة الإسرائيليون جيدًا.
وبالعودة للسياق والحديث عن بات روبرتسون ففي إحدى زياراته لإسرائيل خلال حرب إسرائيل مع حزب الله، قال:”اليهود هم شعب الله المختار، إسرائيل دولة خاصة لها مكان خاص في قلب الله لذا سندافع عن هذه الأمة، المسيحيون الإنجيليون يساندون إسرائيل، هذا هو أحد أسباب وجودنا هنا”(7).
لقد أخبر روبرتسون إيهود أولمبرت أثناء زيارته لإسرائيل أنه يعارض أي خطة لتسليم أراض للفلسطينيين وأنه يؤيد الحرب ضد حزب الله تأييدًا مطلقًا(8).
والجدير بالذكر أنه وبعد أن شرع رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون في تنفيذ خطة فك الارتباط والتي بمقتضاها تم الانسحاب من قطاع غزة ثم مرض شارون بعد بضعة أشهر ادعى بات روبرتسون أن مرضه هو عقاب إلهي نتيجة للتخلي عن جزء من أرض إسرائيل التوراتية فالصهاينة المسيحيون هم أكثر تشددًا حتى من بعض أجنحة اليمين الإسرائيلي، فهم يرفضون رفضًا مطلقًا تسليم أي أراضي للفلسطينيين ويدعون للتمسك بجميع المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل وكان بعض الصهاينة المسيحيين البارزين ينتقدون بشدة سياسة الحكومة الإسرائيلية المتمثلة في سياسة تبادل الأراضي، ويعتقد الصهاينة المسيحيون أن إسرائيل يجب ألا تتخلى أبدًا عن أي جزء من إسرائيل للفلسطينيين لأن إسرائيل أعطيت لليهود بموجب وعد من الله(9).
وبعد موت شارون نعى روبرتسون شارون لكنه أكد على عقاب الله له لأنه حاول تسليم الأرض والتخلي عنها(10).
وردًا على سؤال حول خطة اتفاق رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت حول إخلاء المستوطنات في الضفة الغربية قال روبرتسون”إنها كارثة مطلقة… لا أعتقد أن الله سيكون راضيًا عن شخص يتخلى عن أرضه”(11).
وكدليل على مكانة اليهود في فكر روبرتسون فقد أورد في إحدى دراساته واحدة من القصص التاريخية والتي تقول: ذات يوم في القرن التاسع عشر سألت الملكة فيكتوريا ملكة إنجلترا رئيس وزراءها بنجامين دزرائيلي هذا السؤال:”أعطيني دليلًا على وجود الله ؟”، ففكَّر قليلًا ثم أجاب:”اليهود جلالة الملكة، فتاريخهم تاريخ معجزات، وبقاؤهم كشعب حتى الآن هو معجزة”(12) ، ومن ثم فهو يضفي هالة من القداسة على المسيرة التاريخية اليهودية تأسيسًا على قناعاته الدينية.
وبات روبرتسون هو أكثر تشددًا من اليمين الإسرائيلي ذاته فيما يتعلق بالوقوف ضد الحقوق الفلسطينية، ففي 2009م قال في برنامجه التليفزيوني:” أرفض بشدة تقسيم مدينة القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين …. معركة هرمجدون ستكون حول من يسيطر على القدس على اليهود ألا يتخلوا عن القدس أبدًا مهما حاولت الدول ذلك.. المشكلة أن الجزء الذي يريده العرب من القدس هو الذي سوف ينزل به السيد المسيح، لقد تحدثت مؤخرًا إلى بنيامين نتنياهو وقلت له القدس غير قابلة للتفاوض”(13).
ومما يجدر ذكره أن لبات روبرتسون الكثير من التصريحات المثيرة للجدل والتي لاقت الكثير من ردود الفعل الساخرة، ففي عام 2017م علق في برنامجه(نادي700) على الهجوم الإرهابي على أحد كازينوهات لاس فيجاس والذي راح ضحيته أكثر من خمسين قتيلًا أنه كان بسبب عدم احترام وتقدير الرئيس ترامب الذي أرسله الله لحكم الولايات المتحدة، فهو، وفقًا لروبرتسون، مبعوث العناية الإلهية لأداء مهام مقدسة ومن ثم يجب إظهار أكبر قدر من الاحترام والتقدير له، وقبلها كان روبرتسون قد هاجم والت ديزني مؤكدًا أنها ستتعرض لزلازل وأعاصير ونيازك بسبب استضافتها للمثليين، وفي عام 2010م ذهب إلى أن الزلزال المدمر الذي ضرب هاييتي كان سببه الرئيسي أن شعبها تحالفوا مع الشيطان، وحول الأعاصير التي ضربت الغرب الأوسط الأمريكي في عام 2012 م قال:” هذه الأعاصير ما كان لها أن تحدث لو كان هناك عدد كاف من المؤمنين المُصلِّين”(14).
وفيما يتعلق بعلاقته بدونالد ترامب فروبرتسون مثله مثل كل قادة المسيحية الصهيونية قد أيدوا ترامب تأييدًا مطلقًا بل واعتبروه مرسلًا من العناية الإلهية لأداء مهمة مقدسة، ففي أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية لترامب قص روبرتسون هذه الرؤية على أتباعه:” لقد أتاني الله في المنام بالأمس وأراني المستقبل، لقد اصطحبني الله إلى السماء وحينها رأيت دونالد ترامب جالساً بجوار الله وعلى يمينه”(15) وهي أحاديث تدور في إطار غيبي يستحيل تكذيبه، ولكنها تؤكد قناعات الرجل الدينية والمتمركزة حول إسرائيل والمساندة المطلقة لها وتأييد أي رئيس أمريكي من شأنه الانحياز لها.