أحوال عربية رأي

بوتينيا

US President Donald Trump (L) chats with Russia's President Vladimir Putin as they attend the APEC Economic Leaders' Meeting, part of the Asia-Pacific Economic Cooperation (APEC) leaders' summit in the central Vietnamese city of Danang on November 11, 2017. / AFP PHOTO / SPUTNIK / Mikhail KLIMENTYEV

صلاح المختار
ـــــــــــــ
ضربة ثلاثي الغرب (امريكا ،بريطانيا وفرنسا) لسوريا تفرض توسيع نطاق فهمنا لما يجري حولنا وداخلنا ، فالعوامل النفسية في تقرير القيام بالضربة درست بالتفصيل مسبقا وكانت موضع اهتمام المتفرغين للعمل المخابراتي الذين حاولوا معرفة رد فعل الرئيس الروسي بوتين على القيام بالضربة في اجواء شحنت بسيادة النمط الدبي من الصراع اي نفخ الدب الروسي لنفسه امام الضبع الامريكي كي يبدو اكبر واقوى ويخيف الضبع الامريكي صاحب اقوى فك عند العض طبقا لتجربتنا مع عضاته. بوتين اطلق تصريحات قوية ومارس اساليب اثبتت انه جاد وينفذ وعوده !

في الحرب الباردة الجديدة بوتين هو الشخصية المحورية لان رؤوساء امريكا وعموم الغرب مدراء يذهبون مع الانتخابات بينما بوتين قائد نصف شرقي – نصف اوربي جمع بين استبدادية الشرق وبراغماتية الغرب فظهرت شخصية قوية وصلبة في عصر جرت فيه تصفيات القادة الاقوياء وكان اخرهم القائد الشهيد صدام . ومع صعود بوتين تغير مسار العلاقات الروسية -الغربية فالغرب الذي اعتبر ان تفكك الاتحاد السوفيتي سوف يؤدي لاحقا الى تفكيك روسيا الاتحادية والحاق ما يتبقى منها بالغرب كتابع ، فوجئ بل صدم بتحول بوتين من مستغرب –بعكس مستشرق – اتقن فنون العلاقات العامة الغربية ومارسها الى قائد عنيد خلخل مخططات امريكا العالمية واخذ يهدد بافشالها !

ولو درسنا الستراتيجية الامريكية في عهد ترامب لرأينا ان روسيا بقيادة بوتين هي العدو المباشر فيما الصين هي العدو الاخطر القادم بسرعة لازاحة امريكا من عرش عالم شبه احادي القطبية ، فبوتين يحقق تقدما في ازاحة امريكا عن عرشها بقوته العسكرية وتقدمه السايبراني والتكنولوجي العام ،بينما الصين تتقدم في كل المجالات خصوصا الاقتصادية وتستعد لتجلس على قمة العالم خلال عقود قليلة وربما سنوات . ولئن كانت الصين تعمل بحكمة الشرق التي تعد الصمت وقلة الكلمات ضرورة فان روسيا بوتين تعمل بلغة الغرب القائمة على استعراض القوة .

وكما مع كل قائد خطر من وجهة امريكا فان مخابراتها تعد شخصا داخل مخابراتها ليقوم بدور ذلك القائد فيتفرغ لدراسة شخصيته بالتفاصيل وينادى عليه باسم الشخصية التي يتقمصها لاجل فهم محركاتها الخفية ، فان المخابرات الامريكية صنعت بوتينها المخابراتي واخذ هذا البوتين وهو متفرغ تماما لمعرفة بوتين الروسي يجمع كل شيء عن بوتين ويقلده. وهذا يذكرنا بوجود جمال عبدالناصر داخل المخابرات الامريكية كان يمثل شخصية القائد الراحل جمال عبدالناصر لانه هدد بأنهاء عصر الاستعمار الغربي ، كما يذكرنا بصدام حسين المخابرات الامريكية والذي كلف بالتحقيق مع القائد الاسير صدام بعد غزو العراق واسمه جون نيكسون والف كتابا عن ذلك .

اذا هناك بوتين امريكي يدرس بوتين الروسي كل دقيقة ويقلده بلبسه وهواياته وطريقة كلامه وينادى من قبل رؤوساء باسم بوتين . هذه توضيحات مهمة جدا للوصول الى فهم مشترك لكيفية تعامل الغرب مع الرئيس بوتين ، وهو شخصية تتمتع بكاريزما بدون شك ،وهي كاريزما لم يتمتع بها اي زعيم سوفيتي منذ ستالين ، ومن بين ابرز صفاته هيمنة نمط التفكير المخابراتي عليه والهدوء والاصرار وعدم الاكتراث بالمخاطر اذا كان ذلك يخدم هدفه الرئيس. وبهذه القدرات اراد جعل روسيا مكافئة لامريكا وشريكة لها في قيادة العالم.

فكيف استخدمت المخابرات الامريكية معلوماتها عن بوتين قبل توجيه الضربة ؟ في اجواء ادراك امريكي ان بوتين لن يتردد في الرد بقوة وهو ما قد يجر امريكا الى كارثتين كل منهما اسوأ من الاخرى : فاما ان يرد بصورة شاملة وتنشب حرب عالمية تقليدية وهي كارثة للجميع ،او يواجه العالم كارثة اخطر وهي اندلاع الحرب النووية لان الحرب ما ان ترسخ جذورها حتى تبدأ بفرض قوانينها الداخلية وتجر قادتها الى ما لم يريدونه ، وبما ان امريكا لاتستطيع خوض او تحمل نتائج حرب عالمية فانها توصلت كما نعتقد الى ما يلي :

1-قررت المخابرات الامريكية هز ،ان لم يكن ممكنا تحطيم، صورة بوتين القوي الذي لا يتراجع واذا نجحت العملية فان بوتين سوف يتعرص لفقدان شعبيته داخل روسيا وتتعزز امكانية خسارته في الانتخابات لصالح شخص موال للغرب وهذا هدف جوهري .

2-ولانها تدرك ايضا ان شخصية بوتين لاتسمح بذلك قررت ان تنفذ خطة ( اجرح وداوي ) فهز صورة بوتين اقترن بالرغبة في تخفيف رد فعله الغاضب والقوي عن طريق تجنب اصابة اي روسي في سوريا او اي قطعة حربية روسية وبطريقة استعراضية واعلان امريكا ذلك لاشباع غرور بوتين واعتبار ان الضربة لم تكن موجهة لروسيا بل للنظام السوري حصرا . ولتحقيق هذا الهدف استخدمت امريكا لاول مرة صاروخا باهض التكاليف لضمان عدم حصول خطأ ووقوع اضرار على روسيا.

3-تولى الاعلام الغربي الترويج لما ورد في الفقرتين 1و2 على نطاق واسع لاجل لجم رد فعل بوتين ومع ذلك فقد التقط سفير روسيا في واشنطن اهم رسائل الضربة وهي اهانة بوتين لاجل نزع صفاته التي عرف بها وابرزها انه لايتردد عن الرد على اي ضربة بقوله ان الضربة اهانة لبوتين ولم يقل لروسيا، فامريكا تعرف ان بشار نعجة ميتة وان الاهم بالنسبة لها هو لجم صعود روسيا المفاجئ والسريع وتعاظم قوتها ،وهذه الفرضية تدعم فرضية اخرى وهي ان امريكا تعمدت جر روسيا للتورط في المستنقع السوري ، ولهذا كان تقليص رد فعل بوتين اهم ما اقترن بالضربة . ولايمكننا ايضا تجاهل تصريحات ومواقف ترامب قبل الضربة حينما هنأ بوتين بفوزه في الانتخابات ،بعكس توصية مستشاريه، وتأكيداته انه يريد اقامة علاقات طيبة مع روسيا …الخ ، وكانت تلك التغريدات في تويتر من نصائح المخابرات لترامب تشكل نفسيا عامل شعور بالرضا لدى بوتين يشبع غروره .

4-كانت الضربة مصممة اساسا وكما اشرنا ليس لاسقاط بشار بل لهز صورة بوتين وتلك كانت خطوة على طريق اعادة روسيا لمربع الرئيس يلتسين الضعيف وهو ما عرفه بوتين بحدسه المخابراتي وقبل توفر اي معلومات عن هذا الهدف ،ولهذا رأيناه الصامت الاكبر بعد الضربة رغم ان العالم كله توقع صخبا منه ، وهو الصمت الذي توقعته المخابرات الامريكية مسبقا واعدت له وسائل صب ماء بارد عليه .

5- لكن بوتين هذه المرة لم يتحكم به نصفه الشرقي بل نصفه الغربي وهو البراغماتية الغربية ، فهو يدرك ان الرد العدائي السريع هو ما خططت له امريكا لانه سيخرب مشروعه الكوني وليس مشروعه في روسيا فقط ، ولكنه عرف اللعبة الامريكية فصمت واتجه لعمل اخر للرد على امريكا ، ربما يكون توجيه ضربات مخابراتية او سياسية او اقتصادية …الخ لامريكا في اماكن اخرى لهز صورتها امام العالم وهذا ما سرب من من جهات روسية بقولها ان بوتين ربما سيوجه ضربة انتقامية لامريكا في افريقيا ، وارجح بان افريقيا ليست هي المقصودة بل مكان او اماكن اخرى تؤذي امريكا ، بمعنى ان روسيا لم تسكت على الضربة الغربية الا لترد بمثلها ان لم يكن باقوى منها في اماكن مهمة .

6- اين تقع الاماكن الاهم من افريقيا؟ دون ادنى شك فان الاتحاد الاوربي اول مرشح لتوجيه ضربة بوتين لامريكا ولبريطانيا وفرنسا منه، فالاتحاد الاوربي المتردد والمنقسم حول الموقف من روسيا اصلا هو البطن الرخوة للتحالف الغربي ،ولروسيا نفوذ فيه من خلال المصالح المشتركة وخصوصا منع حرب عالمية او عودة منلفتة للحرب الباردة لان كلا الاحتمالين يضربان هدف تعزيز الدور الاوربي في الصميم وهو ما تسعى اليه امريكا وبريطانيا تحديدا،اذ ليس من مصلحة امريكا تعاظم قوة الاتحاد الاوربي وهو ما جعلها تشجع بريطانيا على اضعافه من الداخل بانسحابها منه، كما ان تصدير روسيا الغاز لاوربا مهم جدا لاوربا .

بناء على ماتقدم فان بوتين ربما سيرد في اوربا بعمله على تحقيق تقارب اكثر مع الاطراف الاوربية التي وقفت ضد الضربة او تحفظت عليها ،او انها بالاصل كانت ضد تصعيد الخلافات مع روسيا مثل المانيا وهي اهم دول الاتحاد الاوربي.ويمكن لبوتين بتبني خطوات مغرية لاوربا اقتصاديا ومطمئنة لها امنيا وسياسيا ان يزيد من حجم الخلافات الاوربية الامريكية وهو ما سيضعف بريطانيا وفرنسا ويحملهما مسؤولية التوترات مع روسيا الناتجة عن الضربة في سوريا .

اضافة لذلك يمكن لروسيا وعبر عمل مخابراتي محكم زيادة تكاليف الخلافات في شرق اوربا وشمالها خصوصا تنمية خوف دول البلطيق (لاتفيا، استونيا وليتوانيا) والتي تخشى من (الخطر الروسي ) ، وبما ان زيادة مخاوف تلك الاطراف الاوربية الصغيرة والضعيفة عسكريا يؤدي الى زيادة تورط امريكا ومن معها وتحمل تكاليف ذلك فان من المرجح ان تلجأ المخابرات الروسية الى تصعيد القلق خصوصا اذا حركت قواتها المسلحة في مناورات عسكرية محسوبة وهو وما قد يساعد على ضم روسيا لاجزاء من دول اوربا لها كانت جزء من الاتحاد السوفيتي كما فعلت مع اوكرانيا بفصل اجزاء منها وانضمامها لروسيا او كما فعلت باعادة القرم اليها .ولكن امريكا وهي تجبر من قبل روسيا على زيادة نشر قواتها وزيادة الانفاق العسكري ستفشل في تحقيق وعودها لحلفاءها خصوصا في ظل التهديدات باقالته .

7-هل توجد مناطق اخرى يمكن لروسيا ان ترد فيها ؟ نعم في الوطن العربي يمكن لروسيا ان ترد باللعب على وتر ازدواجية امريكا في التعامل مع دول عربية خصوصا موقفها المغذي للخلافات بين قطر ودول الخليج العربي ويمكن لروسيا ان تجد وسائل ترسيخ فكرة ان امريكا تغدر بمن تقدم لهم الوعود وعقد صفقات تجارية وربما عسكرية مع دول خليجية وتقديم دعم روسي لدول خليجية بالضغط على اسرائيل الشرقية مثلا .

ولكن واذا كان بوتين يريد قلب الطاولة على امريكا بطريقة تزلزل وجودها في المنطقة والعالم فهي اقدامه على اللعب في العراق وهو المركز الاساس للمصالح الامريكية الستراتيجية ،وهو يستطيع ذلك بطريقتين اما بزيادة تعاونه مع اسرائيل الشرقية لاقلاق الوجود الامريكي في العراق ، او باعادة النظر بموقفه من المقاومة العراقية والتنسيق معها .فهل يستطيع بوتين ان يصبح ظاهرة اسمها بوتينيا ؟