أمن وإستراتيجية

الصين ترد على ترامب بلسان وزير دفاعها من موسكو

فادي عيد
ــــــــــــ

على أثر الاتفاقات الخاصة بتطوير التعاون فى المجال العسكري التى وقعت فى شهور مايو ويونيو ونوفمبر من العام الماضي بين الرئيس الروسي ونظيره الصيني الخاصة، جائت الزيارة الاولى لوزير دفاع الصين الجديد (والذى تم تعيينه منذ ثلاث اسابيع) الى موسكو، وخلال لقائه بنظيره الروسي، صرح وزير الدفاع الصيني وي فنغ خه قائلا: “إن الوفد الصيني وصل إلى موسكو لكي يعرف الأمريكيون عن الروابط القوية بين القوات المسلحة الصينية والروسية وخاصة في الوضع الحالي، فنحن وروسيا موقفنا موحد في شأن القضايا الدولية الهامة، وبصفتي وزيراً جديداً للدفاع في الصين أزور روسيا تحديدا كي نظهر للعالم كله المستوى العالي لتطوير علاقاتنا الثنائية وعزم قواتنا المسلحة على تعزيز التعاون الاستراتيجي مع روسيا، واعلن دعمي للجانب الروسي في تنظيم مؤتمر موسكو للأمن الدولي”.

فمنذ ايام اعلن ترامب الحرب التجارية على الصين، واليوم الصين ترد عليه من موسكو وعلى لسان وزير دفاعها وليس وزير تجارتها، فالصين حقا لا تريد حرب تجارية مع الولايات المتحدة ولكن فى نفس الوقت هى لا تخشى تلك الحرب ولن تكون قليلة الحيلة فيها ولن تخوضها وحدها.

ومن العمل المشترك بين بكين وموسكو فى تطوير الصواريخ يبعث بوتين برسالة جديدة للاطلسي، الاطلسي الذى لم يستوعب بعد ما حدث بأنقرة منذ أيام قليلة بعد ضم تركيا لنادي روسيا النووى بالشرق الاوسط، والاهم موافقة روسيا على تقديم موعد تسليم تركيا ما تعاقدت على شرائه من منظومات “إس-400” إلى يوليو/تموز 2019 بدلا من مارس/آذار 2020 بحسب وزارة الصناعات الدفاعية التركية، أي ستكون أولى الهدايا للرئيس التركي بعد الانتخابات المقبلة، وستسلم فى الذكرى الثالثة لمحاولة انقلاب تموز2016.

وهو الامر الذى قد يكون القشة التى ستقسم ظهر الاطلسي، وأتذكر جيدا غضب الغرب على اردوغان منذ عامين ونصف تقريبا، عندما توجه للصين لشراء منظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى HQ-9، وبعد ان دفع اردوغان مقدم شرائها تراجع بعد رسائل الغضب التى جائته من الانجلوسكسوني.

والان بعد الاجتماع الثلاثي بأنقرة ثم الاجتماعات الثنائية المنفردة، وتأكيد روسيا توريد منظومة اس400 لتركيا فى الوقت التى رفضت فيه تركيا عروض مغرية من البنتاجون لعدم استقبال المنظومات الروسية لم يعد فى تلك الرقعة الهامة بالشرق الاوسط اوراق للولايات المتحدة سوى الاكراد، وهم الطرف الوحيد الذى اتفق عليه جميع من فى انقرة بجانب دمشق وبغداد على انهاء دورهم.

بوتين الان هو من أحرج الامريكي بعد ان حاول الاخير احراجه فى الغوطة بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية الروسية، والان بوتين بعد أن جعل شمال سوريا حلبة استنزاف وخسارة لكل خصومه سواء فى الاقليم او خارجه، وفى مقدمتهم تركيا نفسها، ونجح فى ضرب التنظيمات الارهابية ومن يمولها بالدوحة او الرياض أو انقرة ببعضها البعض، وهو ما تجلى بوضوح فى حرب المليشيات التى دبت فى الاسابيع الماضية بين فيلق الرحمن وجيش الاسلام والنصرة …الخ، الان يعد بوتين المسرح فى شمال سوريا كي يكون نقطة جاذبة لغير الامريكان أيضا، نقطة جاذبة لكل اعدائه القدامى والجدد، الظاهرين والخافيين، كمن يضع صاعق الناموس وسط الغرفة كي تأتى له كل الحشرات مرغمة، وقد كان الامر وجاء الفرنسي لشمال سوريا، كي يكون الصراع فى الشمال ليس بين تركيا وسوريا كما كانت ترغب اسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا، ولكن بين تركيا واخوان سوريا وتكفيريين كوكب الارض من جانب ضد الولايات المتحدة وفرنسا والاكراد من جانب أخر.

ولا يفوتنا واحدة من أهم الجمل التى صرح بها أردوغان فى المؤتمر الصحفى المشترك فى ختام القمة الثلاثية التى عقدت بينه مع بوتين وروحاني بأنقرة، عندما قال: “منذ اللحظة الاولى لمعركة عفرين والاصدقاء بروسيا يعلمون بكل خطواتنا العسكرية ويؤيدونها”، وهنا اردوغان تعمد ارسال رسالة لجيميس ماتيس وزير الدفاع الامريكي والرئيس الفرنسي ماكرون، بأني لا انتظر سوى موافقة بوتين فقط لمرحلة ما بعد عفرين.
وهنا بوتين بكل حق غير المعادلة فى شمال سوريا التى كانت رهينة لأكثر من عشر قواعد عسكرية امريكية بشمال سوريا.

أخيرا وليس أخرا تأملوا بهدوء ماذا فعل القيصر ولن اقول لكم منذ البداية بعام 2008 فى جورجيا عندما ظهرت مخالب الدب الروسي من جديد، ولكن بالثماني أيام الماضية فقط، وربما ستروا انه ساحر، فقد استطاع فى الوقت الذى يمر به الشرق الاوسط بواحدة من اقوى العواصف الاصولية على مدار تاريخه عمل حلف بالشرق الاوسط ركيزته ايران (الشيعية) وتركيا (السنية)، بين الفارسي والعثماني، بين المرجعية الشيعية وواحدة من ابرز المراجع السنية، وهم الدولتين تاريخيا كان لا يجمعهم شئ سوى الحروب والصدام، وببداية الحرب السورية نفسها كانت بينهم الحرب على اشدها ولكن ذكاء بوتين واستغلاله لاخطاء الاخرين جعلنا نرى ما يحدث اليوم، نعم هو اشترى من صنعه الامريكي بالامس وباعه اليوم، فعندما انقلب الامريكي على اردوغان تلقفه بوتين بذكاء وبدأ هو من يلعب بورقة تركيا فى وجه الغرب، فبعد أن كانت تركيا لعقود خنجر أطلسي فى ظهر الاتحاد السوفيتي حولها بوتين لرمح بيده فى وجه الغرب.

فاليوم حلفاء موسكو بالمنطقة أقوى من اتباع واشنطن، وأن كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تحرك دميتها (الوهابية السعودية وهو ما جاء على لسان بن سلمان عندما قال ان الوهابية صنيعة الغرب) التى صنعتها وتستغلها بحكم اهميتها الدينية كما تشاء، فالروسي اليوم هو ايضا ممسك بدمية سنية اصولية أخرى يحركها فى المنطقة كما يشاء، وتمعنوا فى رسائل تركيا للسعودية عبر شاشت وصحف النظام التركي، وكيف كانت تلصق صحف النظام التركي كل جرائم اردوغان بحركة الخدمة، بما فيها جريمة اغتيال السفير الروسي بتركيا.