أحوال عربية

مأزق -السيسى- الغير مؤجل ! لا شروط سياسية، اقتصاية فقط !

سعيد علام
ــــــــــــــ
بعد فوز السيسى بولاية ثانية، انهمك العديد من المحللين السياسين، فى محاولة استقراء مستقبل الحكم فى مصر، وبعيداً عن التفاصيل التى تتسبب فى اعاقة وضوح الرؤية، ترتكز معظم تحليلاتهم، من الناحية الفلسفية، على فرضية ان فلسفة نظام حكم السيسى، السياسات التى ينفذها “فريق السيسى” وكأنها من “بنات افكاره”، انها فرضية بعيدة تماماً عن الحقيقة، حقيقة كيف يدار عالم اليوم؟.

ان تسونامى العولمة الشركاتية الذى يجتاح العالم منذ منتصف النصف الثانى من القرن الماضى، يزيح فى طريقه كل مقاومة، فى الشرق كما فى الغرب. تسونامى بيع كل ما هو مملوك للدولة الوطنية الى الشركات متعددة الجنسيات، وعلى رأس جدول اعماله قطاعى الطاقة والنقل، (مثال الاضطرابات الحالية ضد خصخصة قطار فرنسا).

ليس مأزق “فريق السيسى” فى التعامل مع الداخل المصرى، لقد سبق ان نجح، ومازال، فى التعامل مع هذا الداخل، اقتصادياً وسياسياً، فقد ادرك مبكراً، انه لا يمكن تنفيذ سياسات الافقار الاقتصادية، (العولمة الشركاتية)، دونما قمع سياسى؛ ان مأزق “فريق السيسى” الغير مؤجل، هو فى التعامل مع الخارج وليس مع الداخل، الخارج الذى يرغب فى شراء ممتلكات الدولة المصرية، (مدنياً وعسكرياً)، من شركات ومؤسسات انتاجية وخدمية.

ليس معنى ذلك اطلاقاً، ان هناك انفصال بين الداخل والخارج فيما يتعلق بمستقبل الحكم فى مصر، ان مأزق “فريق السيسى” مع الخارج مرتهن فى جانب هام منه، بقوة موقفه فى الداخل، واحتمالات مستقبل الحراك الجماهيرى تحت الضغط، والعكس صحيح، حال ضعف موقفه فى الداخل، يضعف من قدراته التفاوضية، ويضعف من قدرته على مقاومة ضغوط الخارج من اجل بيع ممتلكات الدولة، المدنية والعسكرية، خاصة الاخيرة.

كما انه من غير الصحيح ايضاً، ان نعتقد ان آليات اى “فريق رئاسى” ستكون متطابقة مع آليات “فريق السيسى” فى التعامل مع هذه الضغوط الداخلية والخارجية، طبعاً كل “الفرق الرئاسية” ستسير فى نفس الطريق، طالما تنتمى جميعها الى نفس الانتماء الطبقى والوظيفى، كل ما هنالك، انه ستكون هناك اختلافات بين هذا الفريق ولآخر، فى شدة ومعدل تسارع آليات السير، السير فى نفس الطريق.

شرقاً كما غرباً، لا شروط سياسية، اقتصاية فقط !

غرباً، امريكياً، ترامب على الموجة الصحيحة، للعولمة الشركاتية. ليس صدفة ان يفوز مستثمر كبير وصاحب شركات، برئاسة امريكا، فى زمن العولمة الشركاتية، مدعوماً من اليمين، المحافظون الجدد؛ بغض النظر عما اذا كان ترمب سيستمر ام لا، فأى رئيس امريكى سيسير على نفس الدرب الشركاتى؛ كما انه ليس من باب الصدفة صعود التيار اليمينى فى اوروبا فى نفس الفترة؛ اذاً سيدعم الغرب السيسى، ولن تكون هناك شروط سياسية، طالما يلتزم بتحقيق الشروط الاقتصادية.

شرقاً، ايضا، ستطبق نفس القاعدة، لا شروط سياسية، اقتصادية فقط. بعد ان طبق عمالقة الشرق، الصين، روسيا، العولمة الشركاتية، ولكن بتطبيق نوعى مختلف شكلياً، حيث مازالت الدولة مسيطرة على قطاعات هامة من سوق اقتصادهما، (وهو ما يفسر سر العداء الغربى لعمالقة الشرق)، الا ان اجهزة الدولة ذاتها لديهما، تعمل على ان تتم خدماتهما الى المواطنين، دافعى الضرائب، وفقاً لقانون الشركات، قانون الربح والخسارة، فكى يحصل المواطن على خدمات الدولة يجب ان يدفع، اما موارد الدولة من ضرائب وخلافه، اموال المواطنين انفسهم، فتذهب لتجهيز البنية التحتية الاساسية التى تخدم الاعمال، اعمال القطاع الخاص.

اقليمياً، كلً يغنى على ليلاه !

تمثل المنطقة العربية الحالية، المدمر نصفها، البيئة الحاضنة المناسبة للانظمة العربية الصاعدة. يقود المنطقة العربية حالياً، مثلث القوة، مصر، السعودية، الامارات، الذى مسهم “الربيع العربى”، ولكنه لم يتمكن منهم، بل على العكس، تمكنوا هم منه، حتى الان على الاقل، يقود مثلث القوة المنطقة العربية نحو شرق اوسط جديد، لا يستوعب العولمة الشركاتية فقط، بل ايضاً، يستوعب الولاية الامريكية المتقدمة، “اسرائيل”، بل وفى مكانة متميزة، (ما يفسر سر العداء لايران كلياً، ولسوريا حليفة روسيا، جزئياً)، وفى سياق تنفيذ مثلث القوة لهذه المهمة الاقليمية، ينفذ فى نفس الوقت، مهمة ضمان استمراره واستقراره فى السلطة، او التمكن منها رسمياً، لمن لم يتمكن منها رسمياً بعد. يكاد يكون مصير انظمة حكم المثلث الثلاث، مترابط عضوياً.

مأزق “السيسى” الغير مؤجل !

ان قوة الاقتصاد والسيطرة السياسية التامة للنظامين الصينى والروسى، هما اللذان قد سمحا لهما بامكانية تطبيق السياسة النيوليبرالية الاقتصادية الجديدة، وفى نفس الوقت، مكنهما من مقاومة ضغوط الحكومات الغربية، الممثلة والعاملة لدى الشركات متعددة الجنسيات، حتى الان، ووفر لهما القدرة على التطبيق النوعى للعولمة الشركاتية، بما يحفظ للدولة قدراً كبيرا من السيطرة “الشركاتية” على سوق اقتصادهما.

سؤال الولاية الثانية الجوهرى:
هل يملك “فريق السيسى” من القوة الاقتصادية والسيطرة السياسية، التى تسمح له بالنجاح فى مقاومة الضغوط الغربية، والاحتفاظ بسيطرة الدولة على قطاعات من سوق الاقتصاد المصرى، او على الاقل، الاحتفاظ بالاقتصاد العسكرى؟!.
هذا هو المأزق الغير مؤجل الذى يواجه السيسى فى فترة رئاسته الثانية، وهو فى نفس الوقت، المأزق الذى ستشكل طريقة تعامل “فريق السيسى” معه، جوهر الاجابة على السؤال الذى يحير المحللين السياسين حالياً: هل سيعدل السيسى الدستور للبقاء فى السلطة الى ما بعد الولاية الثانية.(1)

سعيد علام