رأي

الفلسفة وتحقيق السلام

 

 

لاشك أن تاريخ البشرية مليء بالحماقات والآثام التي اقترفها الإنسان منذ أقدم عصوره وحتى وقتنا الراهن ، وكان دائمًا يستجيب لصوت العنف أكثر مما يستجيب لأي صوت آخر ، وما معاهدات السلام عبره إلا هدنة مؤقتة لاستئناف عنف جديد أكثر قسوة وضراوة. ولا تزال البشرية حتى الآن تتشبث بحماقاتها القديمة الهوجاء ونزعاتها العنصرية التافهة ، فما زالت الدول تصطنع في علاقاتها بعنفها ببعض سبل الإكراه والتعزيز وعليه نقرر أن صوت العنف كان هو الأعلى والأقوى عبر التاريخ.

لكن كبار الفلاسفة لم يكونوا أبدًا بعيدين عن هذا الواقع المأسوى وقد أزعجتهم أزعجتهم هذه الظاهرة فنبذوها وأعلنوا دعواتهم الثورية التحريرية للتخلص من أسر هذا الواقع الأليم وتجاوزه وقدموا لنا تصورات عن خصائص المجتمع الفاضل وسماته.

فلقد دعا أفلاطون في جمهوريته وفلسفته المثالية إلى التعالي على منطق الواقع الفعلي وتجاوزه ودعا الفلاسفة الرواقيون إلى أهمية التحرر مما يفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان من فروق في اللغات والأديان والأوطان وذلك من منطلق إيمانهم بدور الدستور الأخلاقي في حياة الناس . وأغسطين الذى رأى أن التعاليم المسيحية كفيلة بتحقيق الدولة المثالية أو مدينة الله ، ودعا الفارابي في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة ” إلى أهمية التعاون بين البشر والمشاركة الفعالة التي تحقق السعادة واستمد دعوته هذه من الدين الإسلامي الحنيف الذي ينص صراحة على تكريم الإنسان وتفضيله على كثير من مخلوقات الله ويدعو إلى مكافحة نوازع العصبية والشعوبية والاتجاه إلى الجامعة الإنسانية التي تربط بين البشر جميعًا أفرادًا أو شعوبًا لأن الناس على اختلافهم فيما بينهم قد خلقوا من نفس واحدة فهم متحدون في الأصل والمصير وواجبهم لذلك أن يتعارفوا أي تنشأ بينهم صلات المعرفة الواعية والمعاملة الحسنة فلا يتفاضلون إلا بالتقوى ومكارم الأخلاق واتجهت دعوة الإسلام منذ البداية إلى الترغيب والإقناع واستهدفت تحقيق السلام في مختلف صوره سواء في علاقات المسلمين بعضهم ببعض أو في علاقاتهم بغيرهم…. إلخ.

ولقد اهتم الفيلسوف الألمانى كانط بمسألة السلام والشروط الضرورية التي تنهي الحرب بين البشر وتقضى على ظاهرة العنف في العالم وفي سبيل ذلك قدم كانط رؤية مستقبلية تحقق أحلام البشرية وآمالها في السلام ، رؤية توفق بين استقلال الحكومات وبين تنظيم دولي يكفل استتباب هذا السلام ، رؤية تعبر عن شرور الحرب وأهوالهما وكل هذا بقصد واعتدال وإدراك للضرورات التاريخية.

ويرى المفكر المصرى عثمان أمين في هذه الرؤى تعبيرًا عن آمال نفس كريمة متفائلة ومثلاً أعلى يرسمه ذهن كبير محيط عرف بؤس الناس وفساد الطباع ولم يغب عنه أن الماضي ممهد للحاضر ولكنه آمن بأن مستقبل الإنسانية يمكن أن يكون أسعد من ماضيها وأن واجبنا دائمًا أن تخضع أمور السياسة لقانون الأخلاق وأن نصغي إلى صوت الضمير وإلى ما في الطبيعة والتاريخ من توجيهات.

وكتب كانط رسالته ” مشروع للسلام الدائم” ونص في المشروع على ست مواد أطلق عليها المواد التمهيدية لتحقيق سلام دائم بين الدول. وهذه المواد أشبه بالنواهي فهي تبين الشروط السلبية للسلم ولذلك فقد أضاف إليها ثلاث مواد أخرى أطلق عليها المواد النهائية لتحقيق سلام دائم بين الدول وهذه المواد الثلاث النهائية تنص على الشروط الإيجابية للسلم.

وعرض كانط مواد المشروع على النحو التالي:

أولاً: المواد التمهيدية لتحقيق سلام دائم بين الدول

المادة الأولى: “أن أى معاهدة من معاهدات السلام لا تعد معاهدة إذا انطوت نية عاقديها على أمر ما من شأنه إثارة الحرب في المستقبل”.

ذلك أن مثل هذه المعاهدات لا تعدو أن تكون هدنة مؤقتة لاستئناف الحرب من جديد بعد الاستعداد وامتلاك مزيد من الأسلحة، قد تكون رغبة في انتهاز الفرصة في المستقبل ومن ثم لا تكون سلامًا حقيقيًا يقطع دابر كل عدوان ويقضي على جميع أسباب الحرب في المستقبل.

المادة الثانية: ” أى دولة مستقلة صغيرة كانت أو كبيرة “لا يجوز أن تملكها دولة أخرى بطريق الميراث أو التبادل أو الشراء أو الهبة”. ذلك أن الدولة ليست متاعًا يباع ويشترى وإنما هي جماعة إنسانية لا يحـل لأحد سواها أن يفرض سلطانه عليها أو أن يتصرف في شئونها.

المادة الثالثة: ” يجب أن تلغى الجيوش الدائمة إلغاء تامًا على مر الزمان”. لأن هذه الجيوش التي تبدو على الدوام متأهبة للقتال تهدد الدول الأخرى بالحرب تهديدًا دائمًا كما تحفزها إلى التسابق في زيادة قوتها زيادة لا تقف عند حد هذا فضلاً عن أننا حين ندفع أجرًا للجنود من أجل قتل الآخرين فإننا بذلك نعاملهم معاملة الآلات أو الأدوات في يد غيرهم وهو أمر لا يتفق مع حقوق الإنسانية وليس الأمر كذلك بالنسبة للتدريبات العسكرية التي يقوم بها المواطنون متطوعين من حين إلى حين ليكفلوا سلامتهم وسلامة وطنهم من عدوان الأجنبي.

المادة الرابعة: ” يجب ألا تعطى الدول قروضًا من أجل منازعاتها الخارجية”.هذه القروض تعد ذريعة لتدخل بعض الدول في شئون بعضها الآخر ويعد قوة مالية خطيرة وميزانية حرب كبيرة كل هذا يؤدي إلى إضرام نيران الحرب ويمثل عقبة كؤود تحول دون السلام الدائم.

المادة الخامسة: ” لا يجوز لأي دولة أن تتدخل بالقوة في نظام دولة أخرى أو في طريقة الحكم فيها”. ذلك أن تدخل الدولة الأجنبية في شئون الغير يعد افتئاتًا على حقوقهم وتبجحا في اقتراف المنكر وزعزعة لاستقلالهم ، فالدول كالأشخاص لها حرمتها ولها وحدها حق التصرف في شؤونها.

المادة السادسة: ” لا يحق لأي دولة في إبان الحرب أن تستبيح لنفسها اقتراف أعمال عدائية كالاغتيال والتسمم وفق شروط التسليم والتحريض على الخيانة من شأنها عند عودة السلم أن تجعل الثقة بين الدولتين أمرًا مستحيلاً”.فهذه شناعات وأعمال منكرات ولابد من الإبقاء على شيء من الثقة حتى إبان الحرب وإلا استحال الاتفاق على أي سلام ووقف القتال، فأضحى القتال حرب إبادة وإفناء.

ثانيًا: المواد النهائية لتحقيق السلام الدائم:

المواد الست السابقة أشبه بالنواهي أما المواد الثلاث النهائية تنص على الشروط الإيجابية للسلم وهي:

المادة الأولى: “يجب أن يكون الدستور المدني لكل دولة دستورًا جمهوريًا”.والدستور الجمهوري هو الذي يجب أن يقوم عليه كل تشريع قانوني لأنه قائم على: مبدأ الحرية لأعضاء جماعة ما، ومبادئ تبعية الجميع لتشريع واحد مشترك من حيث هم مخاطبون بهذا التشريع وعلى المساواة بين هؤلاء المخاطبين.

وهذا الدستور الجمهوري فضلاً عن صفاء مصدره من حيث أنه مستمد من المنبع الخالص الذي تنبع منه فكرة الحق يمتاز بأنه يرينا في الأفق البعيد النتيجة التي ترنوا إليها أبصارنا أي السلام الدائم فإذا كان القرار بأن تقع الحرب أو لا تقع لا يمكن اتخاذه إلا برضاء المواطنين وهو أمر لا مناص منه في دستور جمهوري فمن الطبيعي جدًا أنه مادام المطلوب منهم أن يحكموا على أنفسهم بمعاناة شرور الحرب وكوارثها فهم مطالبون إلى أن يترددوا في الأمر قبل أن يقدموا على لعبة خطيرة كهذه.

أما الدستور غير الجمهوري لا يكون الفرد فيه موطنًا وبالتالي تقرر الحرب فيه بأقل قسط من التدبر والتفكير لأن ولي الأمر ليس عضوًا في الدولة بل هو مالكها ولأنه لا يخشى إن وقعت الحرب أن تؤثر في مائدته أو في دور لهوه أو في حفلات بلاطه فهو يستطيع إذن أن يقرر الحرب لأوهن الأسباب.

المادة الثانية:

” ينبغي أن يقوم قانون الشعوب على أساس نظام اتحادي بين دول واحده”. فالشعوب باعتبارها دولاً تشبه الأفراد في حالة عدم وجود قانون يعتدي بعضها على بعض بحكم الجوار، ولابد كل شعب لضمان أمنه وسلامته أن يطلب إلى الآخر أن يشاركه في نظام شبيه بالدستور المدني الذي يرى فيه كل واحد ضمانًا لحقوقه ، هذا النظام بمثابة “جامعة أم” ، لكنه لن يكون دولة واحدة مثله في ذلك مثل الأمم نفسها قامت على تعاقد حر بين الأفراد أي جمع شملها في اتحاد سلمي. وهذا الاتحاد حر بالطبع” فما من دولة يجب أن تقهر على الانضمام إليه، بل يكفي أن تعقد إحدى الدول الكبرى ميثاقًا من هذا القبيل مع بعض جاراتها وسرعان ما تسعى كل دولة متمدنة إلى الانتفاع بعثرات نظام يكفل لها سلامتها من كل اعتداء وإذا كان قيام اتحاد شامل للإنسانية جمعاء أمرًا لا يتحقق في مستقبل قريب فهو كالهدف الذي يجب أن ترمي إليه جهود الدول المسالمة جمعاء.

المادة الثالثة: “حق النزيل الأجنبي من حيث التشريع العالمي مقصور على إكرام مثواه”. ذلك دون أن يكون لدولة أن تدخل في شئون دولة أخرى، فمن الواجب أن يكون لكل أمة السيادة على تنظيمها الداخلي وبالتالي فإن كل ما يمكن أن يطالب الأجنبي أهل البلد الذي يحل فيه هو ألا يعاملوه معاملة العدو.

فالإكرام هنا معناه حق كل أجنبي في ألا يعامل معاملة العدو من البلد الذي يحل فيه ما دام مسالمًا وليس للأجنبي أن يدعى لنفسه حق الإكرام باعتباره ضيفًا لأن ذلك يقتضي اتفاقات خاصة تبيح له الضيافة بل حقه مقصور على حق الزيارة وهو حق كل إنسان في أن يجعل نفسه عضوًا في المجتمع بمقتضى مشاركته في ملكية سطح الأرض التي نعيش عليها.

تلك هي شروط السلام الدائم التي عرضها كانط في رسالته “مشروع للسلام الدائم، وقد أضاف إليها مادة سرية تكشف عن السخرية التي تناول بها المشكلة كلها. وتنص هذه المادة على أن “أحكام الفلسفة يجب أن توضع فيما يتعلق بشروط السلام الدائم موضع الاعتبار لدى الدول المجهزة للحرب”.

ولا يعني كانط بذلك أن الدول يجب أن تفضل مبادئ الفلسفة على فتاوى فقهاء القانون الممثلين لسلطة الدولة لكنه يطالب بأن تستمع الدولة إلى آراء الفلاسفة فلا رجاء في أن يصبح الملوك فلاسفة والفلاسفة ملوكًا وما ينبغي أن يكون ذلك مأمولاً: لأن ولاية السلطة من شأنها أن تفسر حكم العقل وأن تقضي على حريته قضاء لا مرد له لكن الشعوب التي تحكم نفسها طبقًا لقوانين المساواة لا ترضى بأن تنقرض طبقة الفلاسفة أو أن تلتزم الصمت فلا يسمع لها صوت بل تدع لها حرية الجهر بآرائها والتعبير عنها في صراحة.

وهذا أمر لا غناء للملوك ولا للشعوب عنه: لأن فيه إبانة لشئونهم وهداية لسبيلهم أعنى أن الفلاسفة بطبيعتهم عاجزون عن أن يحشدوا الحشود أو أن يتجمعوا في النوادي والأحزاب فلا يمكن أن تحوم حولهم شبهة الدعاية.

وموجز القول: أن كانط قد ارتأى أن كل دولة شخصية مستقلة في الداخل خاضعة لقواعد الحق وأن الحالة الراهنة التي تعتبر فيها الحرب الوسيلة الوحيدة لفض المنازعات وتنظيم العلاقات الدولية هي حالة وهمية يجب العمل على الخروج منها بإيجاد “جمعية أمم” تنضم إليها كل أمة بملء حريتها وتشترك جميعًا في تسوية الخلافات طبقًا لمبادئ العدالة الدولية ولهذا وضع كانط “مشروعًا للسلام الدائم”حيث يعين في عشر مواد الشروط الضرورية لتحقيق هذه الغاية.