رأي

مواطن غير واعي = سياسي فاسد.

د. محمد أبو النواعير

يقول عالم الاجتماع السياسي الراحل الدكتور صادق الأسود : إن الواقعة
الإجتماعية لا تنشأ عن علاقة الإنسان بالطبيعة, وإنما عن عمل الناس فيما
بينهم!

تعتبر الانتخابات- كممارسة سياسية- من أهم الوقائع التي تتميز بها
المجتمعات الحاضرة, حيث يكون دور المواطنين في رسم سياسات بلدهم, من أهم
مقومات بناء تلك الدولة وديمومتها, وغالبا ما تكون هذه العملية بكل
تفصيلاتها وتفرعاتها, عبارة عن ساحة تنافس مفتوحة بين المتنافسين
(المتخاصمين), تنسحب تداعياتها عادة إلى الجمهور الناخب.

في العراق, وبعد أن تنفس العراقيين هواء الحرية السياسية, بات للمواطن
حق في أن ينتخب من يمثله ويحكمه, مصحوبا بحقه في محاسبته وخلعه, بل
والثورة عليه والقيام بوجهه والاعتراض على سلوكياته؛ فنرى مواقع التواصل
الاجتماعي, والجلسات العامة, أمواج عاتية من أحاديث السياسة التي كانت في
زمن الطاغية تعتبر من أكبر الجرائم كفرا, وأعظمها فسوقا, وكان يكفي في
ذلك الزمن التحدث بجملة سياسية واحدة أمام قلة قليلة, يكون جزائها السحل
لك ولعائلتك والإعدام أو السجن في قعر المطامير, ومصادرة الأموال,
والتسفير أو التهجير!

الإستغلال السيء لهذه الحرية السياسية قادت لنتائج عكسية, فقد قادت
إلى خلاف تضمن بعدا سلبيا غالبا ما كان يمثل سببا مباشرا في إلحاق الضرر
بالعلاقات الاجتماعية, سواء أكانت في حالة من التوافق السياسي أم في حالة
من التضامن الاجتماعي؛ كل ذلك كان سببه تنوع وتعدد الاستخدامات السلبية
لهذه الحرية, والتي قادت في النتيجة لأن يقع المواطن تحت طائلة التضليل
السياسي والإعلامي المقصود والممنهج المحترف.

لا يمكننا إلقاء كل اللوم على طرق الاحتيال التي يمارسها أغلب
السياسيين من أجل استحصال الأصوات الانتخابية, وإن كانت تمثل الجزء
الأعظم, والنصيب الأكبر, في خراب بنية الوعي الجمعي السياسي في المجتمع,
ولكن هناك طرفا مهما جدا في المعادلة, تسبب بخراب البلد, ألا وهو أنماط
التفكير المجتمعي العراقي, والتي ترى من المرشح السياسي غنيمة وفرصة يجب
توظيفها لتحقيق المصالح الخاصة, دون النظر للصالح العام!

إنّ الضعف في مفاهيم وأسس المواطنة,تمثل سببا مباشرا لهذه السلبية,
حيث أن هناك علاقة ترابطية منطقية وثيقة بين روح المواطنة, وبين ممارسة
الفاعل السياسي (المواطن) لحقوقه السياسية, لو أردنا الإنصاف في الكلام,
لوجدنا أن أغلب التقييمات التي يقوم بها جمهور الناخبين لأي سياسي أو لأي
عضو مجلس نواب, أو لأي مرشح سابق, إنما تكون بمقدار ما يتمكن من تقديمه
هذا السياسي من مصالح شخصية للمواطن : تعيينات, مردودات مادية, تمشية
معاملات شخصية .. الخ . وهنا الطامة الكبرى.

أي سياسي أو مرشح لا يستطيع أن يحقق لعدد من ناخبيه قضاياهم ومصالحهم
الخاصة, سيكون نموذجا سيئا في نظرهم يجب تسقيطه وضربه وتفسيقه وتشويه
سيرته, أي أن مقدار وطنية السياسي ليست بمقدار ما يحققه من مشاريع عامة
في بناء الدولة, يمكن تلمس فائدتها على صعيد الصالح العام, بل السياسي
الناجح هو الذي يتمكن دوما من التواصل مع فئات مجتمعية معينة, ويعين
أبنائهم, ويقضي حوائجهم, ويخالف القانون من أجل تمشية أمورهم! لذا في
الغالب نجد أن السياسي أو المرشح الناجح في الاحتيال على الناخبين
وإقناعهم بوعوده الوردية الزائفة, هو الذي يتمكن من الفوز في الانتخابات
والصعود بأصوات أولئك البسطاء

العملية تبدأ من المواطن بوعيه معرفته لماهية المواصفات التخصصية
والأكاديمية والعملية والأخلاقية والأسرية, للمرشح أو السياسي الذي يجب
انتخابه, ومعرفة ماهية الواجبات التي يجب عليه أن يقوم بها بعد انتخابه,
لتجري محاسبته وتقييمه بموجبها؛ إذا تحقق هذا الوعي, ستنهار إمبراطوريات
التسقيط السياسي, وستُغلق دكاكين الإعلام التضليلي الممول.

*دكتوراه في النظرية السياسية- المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة في السياسة.