رأي

تطور الفساد المالي ورهاناته في الجزائر

البروفسور رابح لونيسي
– جامعة وهران-
ـــــــــــــــــــ

سبق لنا أن نبهنا منذ حوالي عشرين سنة تقريبا في كتابنا “البديل الحضاري- دراسة مستقبلية لمواجهة الكارثة التي تهددنا-” الصادر عام1997 إلى صعود أوليغارشيا مالية في الجزائر، وبإمكانها أن تأخذ السلطة كاملة، وتستولي على كل دواليب الدولة، وستكون مرتبطة بمراكز القوى الرأسمالية كأمريكا وفرنسا، ولاتكون لها أي علاقة بالبناء الوطني للإقتصاد، وقد أنطلقنا في ذلك من تتبعنا الدقيق لكتابات اليوناني كورنيليوس كاستورياديس صاحب مجلة “إشتراكية أم بربارية” أين تنبه منذ نهاية أربعينيات القرن20م إلى ظاهرة ما أسماه “برجوازية بيروقراطية” في الدول الإشتراكية ذات الحزب الواحد، خاصة الإتحاد السوفياتي آنذاك، وتتمثل في مسؤولي الحزب والإدارة والجيش السوفياتي آنذاك الذين شرعوا في إستغلال نفوذهم السلطوي لنهب ثروات البلد بأساليب ملتوية، وقد عرفت الجزائر نفس ظاهرة الإتحاد السوفياتي منذ ستينيات القرن20م، فمسألة الفساد المالي في الجزائر تطرح اليوم أمامنا عدة تساؤلات حول جذوره وإنعكاساته على مستقبل بلادنا.
تعود جذور الفساد المالي في الجزائر إلى السنوات الأولى لإسترجاع الإستقلال عندما أمم الرئيس بن بلة عدة ممتلكات، ومنها ممتلكات لعدة تجار بسطاء بإسم الإشتراكية ، لتنقل بأساليب ملتوية إلى ذوي النفوذ السلطوي آنذاك رغم محاولات هواري بومدين تصحيح الوضع بعد أخذه السلطة في1965.
فبشأن الرئيس هواري بومدين، فإنه لا يمكن لنا فهم مقولته بصفته وزير الدفاع الوطني في المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني في أفريل 1964 “من الطاهر الذي سيطهر من؟”، إلا بعد عقود ونمو ظاهرة الفساد، ولو أن بومدين كان يقصد آنذاك بمقولته الرد على مطالب بتطهير الجيش من الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، لكن يبدو أن هذه الفكرة تطورت فيما بعد، وأخذت أبعادا أخرى، خاصة في إيامنا هذه بتعميم الرشوة والفساد على الجميع بأشكال مختلفة، وتتحول إلى أسلوب لشراء الذمم، مما يصعب المحاسبة، وعم الشك في أغلبية المواطنين دون تمييز بين من أخذ ملايير ومن أخذ فتاتا، فتعاد نفس مقولة بومدين اليوم، لكن بالنسبة لتعميم الفساد “من الطاهر الذي سيطهر؟”.
ان الفساد كان موجودا حتى في عهد الرئيس بومدين، إلا أنه كان محدودا، ويتم في مستويات عليا، بل حتى بومدين ذاته فتح بنك التنمية المحلية في 1967 خصيصا لشراء ذمم بعض المجاهدين، خاصة الكبار منهم بقرضهم أموالا للقيام بالتجارة مقابل السكوت وعدم الإهتمام بالسياسة، أي عدم معارضته، فقبل البعض منهم ذلك، لكن الذين رفضوا تعرضوا للقمع، بل الإغتيال مثل كريم بلقاسم.
عاني الرئيس بومدين من ممارسات الفساد من بعض المحيطين به، وقد أشار بلعيد عبدالسلام في حواراته المعنونة ب”التاريخ والصدفة” إلى الضغوط الممارسة من أجل أخذ المشاريع والمناقصات، بل كان نظام بومدين الإشتراكي، يضم شخصيات مؤثرة جدا، وتنحدر من عائلات كانت غنية منذ العهد الإستعماري كقايد أحمد وأحمد مدغري وأحمد بن شريف مثلا، والذين كانوا أعضاء مؤثرين في مجلس الثورة، وهو ما جعل البعض يقول كيف سيبني بومدين الإشتراكية بطاقم رأسمالي وملاك كبار؟، فقد أشار بومدين إلى هذه الظواهر في خطابيه في كل من تلمسان وتيزي وزو في 1974، عندما طلب من بعض معارضيه من داخل السلطة بالإختيار بين “الثروة أو الثورة”، ويقصد بها الثورة الإشتراكية، ولهذا لا يمكن لنا أن ننفي أنه في عهده بدأت تتشكل طبقة برجوازية بيروقراطية تتشكل من ذوي النفوذ السياسي والإداري، بل يمكن رد جذور ذلك إلى عهد الرئيس بن بلة الذي عين إداريين بموجب قرارات مارس1963 الشهيرة لتسيير مزارع الكولون التي أستولى عليها الفلاحون، أو الأصح أستردوها، لأنها أصلا آراض سلبها الإستعمار من أجدادنا منذ القرن19م، لكن خشي بن بلة من إستقلالية هؤلاء الفلاحين في تسيير هذه المزارع الجماعية، فيتحولون إلى قوة إجتماعية ضاغطة، ففرض عليهم مسيرين بدأوا يغتنون، وتظهر عليهم مظاهر الغنى على حساب الفلاحين البسطاء الذين كانوا على فطرتهم، وذلك بتلاعبهم بإنتاج هؤلاء الفلاحين، ويعد ذلك أحد أسباب إنهيار الزراعة في الجزائر فيما بعد، لتتحول الجزائر إلى مستوردة للقمح منذ 1967 بعد ما كانت مصدرة له من قبل، كما تغول في عهد بومدين مدراء المؤسسات الإقتصادية الكبرى، فكانوا بمثابة جنرالات الصناعة في عهد وزير الصناعة والطاقة بلعيد عبدالسلام، بل حتى بلعيد عبدالسلام أصبح قوة مؤثرة جدا، مما دفع الرئيس بومدين إلى إضعافه بالقص من أجنحته بنزع بعض الصلاحيات والقطاعات منه في1977، لكن رغم ظهور بوادر فساد، يلاحظ الحرص الشعبي آنذاك على الحد منه، وكانت منتشرة بقوة عند عامة الشعب فكرة تطبيق مبدأ “من أين لك هذا؟”، والتي ترددت بقوة اثناء مناقشات الميثاق الوطني في 1976، لكن لم تأخذ السلطة بهذا المطلب الشعبي بعين الإعتبار، وهو مايطرح عدة تساؤلات.
لكن بدأ يعم الفساد بقوة منذ الثمانينيات، وما وصفته من قبل ب”إنتقال الفساد من المركزية إلى اللامركزية”، ليعم الإدارات المحلية، بما فيها البلديات، ولعل البعض يفسر ذلك بضعف الرئيس الشاذلي بن جديد، لكن في الحقيقة يعود ذلك إلى الأخذ بتوصيات نادي روما، وهز نادي يضم خبراء وأكاديميين، ويهتم بالمجال الديمغرافي والتنمية في العالم الثالث، وكان من نصائحه في 1980 هو الأخذ بتوصيتين مهمتين، أولهما تستهدف الحد من النمو الديمغرافي بفتح باب الشغل للنساء بقوة على حساب الرجال كأسلوب لتنظيم الأسرة، لأن عمل المرأة – حسب خبراء هذا النادي- سيدفعها إلى الحد من الولادات، كما يرون أن النساء أقل مطلبية نقابية مقارنة بالرجال.
كانت الجزائر تعاني آنذاك من إختلال ديمغرافي كبير بسبب نسبة الولادات، وكانت نسبة السكان الغير قادرة على العمل بحكم السن مرتفعة جدا مقارنة بنسبة القادرين على العمل، وهو الأمر الذي تم تنبيه بومدين إليه في السبعينيات، كما يقول أحمد طالب الإبراهيمي، إلا أنه رفض مواجهته بجدية خوفا من إثارة “رجال الدين” الذين كانوا يرون أن تنظيم النسل حرام، قبل أن تصدر فتوى دينية في بداية الثمانينيات بالإستناد على حديث العزل الذي نسب إلى سيدنا محمد) ص(، وفسر بجواز تنظيم الأسرة، لكن جاء ذلك بعد ما بدأت الباخرة تغرق في الثمانينيات ووقوع إختلال رهيب بين النمو الإقتصادي والنمو الديمغرافي، فأصبح ما يستهلك أكثر مما ينتج بكثير.
أما التوصية الثانية لنادي روما، فكانت السماح بالثراء لكل من استطاع دون أي مساءلة عن مصادر ثروتهم، وأستند الخبراء على فكرة ان كبار المستثمرين المنتجين في البلاد الرأسمالية، قد تحصلوا على الأموال بطرق مشبوهة، فبحكم هذه السياسة غيب ذهنيا ودينيا وإعلاميا المبدأ الإسلامي “من أين لك هذا؟”، الذي عادة ما كان يردده الحزائريون بقوة من قبل، واستمر تغييب هذا المبدأ إلى حد الساعة رغم البروز القوي لتيارات سياسية دينية منذ الثمانينيات، ويبدو أن الجميع متفق على تغييبه، لأن الكثيرين يرون أنفسهم بأنهم عرضة للمساءلة لو وضعت آليات عملية لتطبيق هذا المبدأ، وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى فكرة بومدين”من الطاهر الذي سيطهر من؟”.
وقد أستهدفت توصية روما بهذا الشأن تكوين برجوازية، ستتولى تحريك الإقتصاد الوطني بإستثمار تلك الأموال التي جاءت بها بأساليب ملتوية في إقتصاد منتج، خاصة الصناعة، أي سيتكفلون بالنشاط الإقتصادي بدل تكفل الدولة بذلك، لكن فشل المشروع لأن الناهب يستحيل عليه أن يكون مستثمرا منتجا، ولعل أتجه القليل جدا فقط من هؤلاء إلى الإستثمار المنتج، أما الأغلبية تحولوا إلى كمبرادور يقومون بعمليات الإستيراد فقط وخدمة الإقتصاديات الغربية ومصانعها، وهنا يكمن بعض مظاهر صراعات اليوم بين مايمكن تسميتهم ب”المستثمر المنتج” و”المستورد فقط” الذي يعيد تسويق منتجات مصانع الرأسمالية العالمية، ومن الطبيعي أن يعرقل هؤلاء المستوردون قيام أي صناعة وطنية، وأصبحت مصالحهم مرتبطة بالرأسمالية العالمية على حساب الإقتصاد الوطني، لكن أختلط اليوم هذا الصراع الإقتصادي بين المستثمرين المنتجين وهؤلاء المستوردين بصراع سياسي حاد له علاقة بما نسميه ب”عملية الإنتقال الديمقراطي الشكلي”.
كما لايمكن لنا أن نتجاهل أيضا مرحلة الإرهاب في التسعينيات التي سادها فساد كبير بإستغلال الفوضى وإنشغال الدولة بمحاربة الإرهاب، وعادة في كل حرب أو فوضى يوجد من يستغلها لتكوين ثروات بطرق ملتوية ومشبوهة، لكن تزايد الفساد أكثر بعد ذلك، خاصة بتوفر أموال كبيرة نتيجة لإرتفاع أسعار النفط، لكن يبدو أن هناك سكوت أو صعوبة محاربة ذلك الفساد، فإن كانت الثمانينيات سكت عنه نسبيا بتوصية من نادي روما بهدف تشكيل برجوازية ستقوم ببناء الإقتصاد الوطني، كما سبق أن فسرنا ذلك آنفا، إلا أن ما وقع منذ بداية الألفية الثالثة من فساد كبير فهو مرتبط بالنفوذ السياسي والإستيلاء التام على الدولة.
فقد أدرك البعض أن حركة التاريخ ستتجه حتما إلى نظام لبيرالي بشقية السياسي والإقتصادي كما تحدث عن ذلك فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ”، وكذلك صموييل هننتغتون في ما أسماه ب “موجة الديمقراطية”، لكنها ستكون ديمقراطية برجوازية، وسيكون فيها لأصحاب الثروة والمال اليد الطولي فيها، فبدأ توزيع الريوع والإستيلاء عليها على أسس موالاتية لمجموعات دون أخرى، بل أرتبط ذلك بالقبيلة والولاء، وذلك بهدف ضمان السيطرة لمدة طويلة على دواليب الدولة، لكن بطرق شرعية شكلية، كما تقتضيها مطالب الغرب بإدخال دولا في ما تعتبرها “إصلاحات ديمقراطية”، ولا يمكن ضمان ذلك إلا بسيطرة مالية، فظهرت نتيجة لذلك أوليغارشية مالية قوية ومهيمنة، وطبعا تحتاج هذه الأوليغارشية المالية إلى إعلام وأحزاب وغيرها من الأذرع التي تخدمها، بل وضعت مخططا بتوزيع ألدوار فيما بينهم للسيطرة على كل الأحزاب سواء كانت يمينية أو يسارية، بل تتحكم حتى في قوائم المترشحين للإنتخابات.
لكن هذه الظاهرة قد عرفتها عدة دول في أمريكا اللاتينية في الماضي ، وكذلك دول في منطقتنا مثل مصر التي عرفت نوع من ديمقراطية نيابية في عهد الملك فاروق، لكن بسيطرة لملاك الآراضي الكبار عليها، وهو ما أدى إلى تزايد التفاوت الطبقي، فنتج عن ذلك إنقلابات عسكرية تحت غطاء خدمة الطبقات الكادحة كإنقلاب عبدالناصر في 1952، لكن في الحقيقة لم يقم الإنقلابيين إلا بنقل النفوذ الإقتصادي والمالي إلى آخرين مرفوقة بخدمة مرحلية للمستضعفين كتغطية على ممارساتهم، لتبقى تدور في نفس الحلقة وفي دائرة مغلقة، ولايمكن حل هذه المشكلة إلا بالتزاوج الفعلي بين الديمقراطية والعدالة الإجتماعية، وهو ما نصت عليه مباديء الثورة الجزائرية، فكل ديمقراطية غير مرتبطة بالعدالة الإجتماعية ما هو إلا فتح الطريق لمغامرات لايحمد عقباها، وقد أشرنا إلى هذه المسألة في مقالات سابقة، ووضعنا نموذجا سياسيا عمليا لهذا الإرتباط الضروري بين المبدأين أو ما نسميه ب”الدولة الديمقراطية والإجتماعية” في كتابينا “ربيع جزائري لمواجهة دمار عربي” و”النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-“، بل حاولنا في هذا الكتاب الأخير وضع آليات وميكانيزمات وإستراتيجية لفك الإرتباط بالرأسمالية العالمية، فقد كان إجابة وحلا لما حذرنا منه في كتابنا “البديل الحضاري” الذي أشرنا إليه من قبل، وذلك بعد ما وقع ما حذرنا منه منذ أكثر من 20 سنة.