في الواجهة

فوز بوتين في الانتخابات الرئاسية وتحديات المرحلة المقبلة

د. فالح الحمراني
ـــــــــــــــــ
حقق فلاديمير بوتين فوزاً ساحقاً في الانتخابات الرئاسية التي جرت في روسيا الأحد الموافق 19 مارس/ آذار 2018، وحصل بعد إحصاء 99.84 من إجمالي الأصوات على 76.66%. ومن المقرر أن تظهر النتائج النهائية للانتخابات بعد عشرة أيام. وصوّت لصالح بوتين 56 مليون ناخب. وصوّت لصالحه جميع العسكريين الروس المرابطين في سوريا.
ووفقاً لمعطيات اللجنة المركزية، فقد أدلى بصوته 67.98% من الناخبين الذين يحقّ لهم الاقتراع، وظهرت أنها نسبة عالية جداً، وأعلى مما كانت المشاركة في عام 2012 (65.34%). ويمكن أن ترتفع نسبة الاقبال على الاقتراع نظراً لاستمرار ورود بروتوكولات الناخبين الروس المقيمين في الدول الاجنبية.
ويفسر ارتفاع نسبة الإقبال على الانتخابات ومنح بوتين هذه النسبة العالية من الأصوات، بالعامل الخارجي، حيث أن مواطني روسيا أرادوا أن يردّوا بهذه الطريقة على الحملة الغربية المتصاعدة ضد روسيا، من خلال العقوبات والتهديدات العسكرية والضخ الإعلامي الرامي لتشويه سمعة روسيا. إن سكان روسيا أكدوا دعمهم للرئيس بوتين وسياسته في المواجهة مع الغرب.
وشغل المرتبة الثانية مرشح الحزب الشيوعي الروسي مدير تعاونية ” لينين” الزراعية بافل غرودينين (11.9%) والثالث زعيم الحزب الديمقراطي الليبرالي فلاديمير جيرنوفسكي (5.66%) وشغلت المرتبة الرابعة مقدمة البرامج التلفزيونية والمعارضة لنظام الرئيس بوتين ذات التوجه الديمقراطي الغربي كسينا سوبتشاك (1.67%) والمرتبة الخامسة، زعيم حزب ” يابلوكا” ذو التوجه الديمقراطي / الاجتماعي جريجوري يافلينسكي (1.04%).
وحصل المرشحون الباقون على أقل من 1% : بوريس تيتوف (حزب الإنماء) ـ 07.76% مكسيم سورياكين (حزب شيوعيو روسيا)ـ 0.68% وسيرغي بابورين (حزب الاتحاد العام للشعب) ـ 0.65%.
وعلى الرغم من أن المعطيات الرسمية ذكرت عدم وجود انتهاكات يمكن أن تؤثر في النتائج النهائية للانتخابات، إلا أن رئيسة لجنة الانتخابات المركزية “أيللا بانفيلوفا” قالت بإنه سيتم إلغاء نتائج الانتخابات في 5 اقسام انتخابية في ثلاث مناطق، من بينها مدينة “لوبيرتس” الواقعة في ضواحي موسكو. كما انتقد مرشح الحزب الشيوعي جرودينين وزعيم الحزب الديمقراطي الليبرالي جيرنوفسكي سير الحملة الانتخابية، التي برأيهم، لم يحصل خلالها المرشحون للرئاسة على الفرصة المتكافئة. ولكنهم كما يبدو لن يتقدموا بشكاوى على اعتبار نتائجها غير مشروعة.
ووعد الرئيس بوتين خلال كلمة له في مقر حملته الانتخابية بعد إعلان النتائج، بأنه سيلتقي شخصياً مع كل مرشح ويبحث معه القضايا الملحّة. وفي ردّه على سؤال من قبل أحد الصحافيين “هل سيتغير بوتين في الفترة الرئاسية الجديدة”، رد ” إن كل شيء يجري، وكل شيء يتبدل… جميعنا نتغيّر”.
وفي ردّه على سؤال بصدد آفاق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي على خلفية قضية تسميم عميل المخابرات البريطانية عقيد المخابرات العسكرية الروسية سابقاً سيرغي سكريبال في مدينة سالزبوري البريطانية، قال بوتين: إن روسيا مستعدة للتغلب على جميع الصعوبات في العلاقات مع الشركاء الأجانب. ونفى أيضاً تورط روسيا في عملية التسميم.
وقال إنه سيفكر في طبيعة التغيرات التي سوف يجريها على التشكيلة الحكومية وسيعلن عنها بعد أن تتم مراسيم تنصيبه رسمياً. ومن المقرر ووفقاً لأحكام القانون الروسي، أن تعلن الحكومة الروسية استقالتها، ويقوم الرئيس المنتخب بتعيين رئيس وزراء ويكلّفه بتشكيل الحكومة.
والسؤال المهم يكمن في هل سيكلف بوتين مرة أخرى رئيس الوزراء الحالي دمتري ميدفيديف بتشكيل الوزراء، أم سيطلب ذلك من أحد حلفائه الآخرين، وهل سيبقى وزير الخارجية سيرغي لافروف في منصبه أم سيتم اختيار وزير آخر للخارجية. وتجدر الإشارة الى أن لافروف يحظى باحترام الرئيس بوتين وفريقه ويتمتع بشعبية واسعة وسط الدوائر البرلمانية والسياسية والرأي العام عموماً.
تحديات المرحلة المقبلة ويجابه فلاديمير بوتين في فترة رئاسته الجديدة عدّة تحديات، في مقدمتها الوضع الاقتصادي الهش في البلاد وايجاد الطرق الصحيحة لتفعيله وتحويله الى اقتصاد منتج وليس قائماً على موارد المواد الخام بخاصة النفط والغاز كما هو الوضع الآن، ويقتضي هذا منه إضفاء المزيد من الليبرالية على الأنشطة الاقتصادية وتحجيم البيروقراطية وتسهيل عمل القطاع العام ورفع القيود التي تخنق مبادراته. والجانب الآخر تطوير القدرات التكنولوجية لروسيا التي تشعر بتخلفها الواسع عن الغرب في المجالات كافة، ما عدا التكنولوجيات المستخدمة بإنتاج الأسلحة.
إن التحدى الجاد الذي يواجه بوتين في المرحلة المقبلة يكمن في تحقيق تطلعات الملايين التي منحته ثقتها وصوّتت له على أمل أن يقوم بتحسين الأحوال المعيشية المتدهورة ويجتث الفقر المستشري ويحسن الخدمات العامة ويوفر الضمانات الاجتماعية للشرائح الأكثر فقراً والأضعف وبخاصة المتقاعدين الذين يتسلّمون أجوراً بخسة.
والتحدي الآخر هو القضية الأمنية الوطنية، وتعبئة القدرات العسكرية والسياسية وتحقيق وحدة المجتمع لمواجهة تهديدات الغرب الجديّة، الذي أحاط روسيا بقواعد عسكرية ونشر الأسلحة في الدول المتخامة لها بما في ذلك دول البلطيق وبولندا ورومانيا، ويمهدّ لضم أوكرانيا وجورجيا للناتو.
الى جانب ذلك إن التورط الروسي في سوريا وكيفية التخلص منه بطريقة لا تلحق الضرر بمصالحها ولا بسمعتها هو أحد التحديات التي تواجه روسيا أيضاً. وتعمل روسيا بشتى الوسائل على إنجاح التسوية السياسية بين الفرقاء السوريين، وضمان عدم وصول نظام موالٍ للغرب ومعادٍ لها، والحيلولة دون تنفيذ أميركا خططها الرامية لتقسيم سوريا بما يخدم مصالحها. إن روسيا تراهن على التسوية السلمية التي يشارك فيها الرئيس بشار الأسد مرحلياً، ومن ثم وصول قوى عقلانية ووطنية تميّز بين مصالح القوى الأجنبية، لاتفرط بمصالح روسيا.