أحوال عربية

سعودية محمد بن سلمان

سليم سوزة
ـــــــــــــ

بات واضحاً أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان صار يشعر بالحرج الشديد من الوهابية، وهو الذي يجول دول الغرب اليوم يتنصل من وهابيته ويقول إن “دعم الدولة السعودية لها جاء بطلب من الغرب لمواجهة السوفيت وقتها”، حسب خبر قناة الجزيرة الآن لحظة كتابة هذه المقالة.
بدا بن سلمان، منذ اللحظة الأولى التي عُيّن فيها ولياً للعهد، وكأنه يؤسس لعقد جديد مع المؤسسة الدينية، يحاول فيه إعادة صياغة العلاقة بينها وبين المؤسسة السياسية بما يسمح لشيء من التحول نحو التحديث الخجول. يرى الكثير من المراقبين، ومنهم كتّاب غربيون، أن لحظة القطيعة مع الوهابية باتت وشيكة وأن بن سلمان ينقلب على ميثاق آل سعود التأريخي لمحمد بن عبد الوهاب تدريجياً، محاولةً منه لصناعة سعودية سياسية بعيدة عن سلطة المؤسسة الدينية أو تدخلاتها في سياسة الدولة العامة، الخارجية منها على وجه الخصوص.
رغم أن المؤسسة الوهابية في السعودية هي جزء من شرعية السلطة السياسية وليس لها استقلالية عن القرار السياسي السعودي، إلّا أنها كانت تمتلك قدراً من الإزعاج للسلطة السياسية. فهي أشبه بالوصي على الدولة حين يتعلق الأمر بالإصلاحات كحرية المرأة وتحديث الخطاب الديني والموقف من التاريخ والانفتاح على فنون الغناء والموسيقى وغيرها. كما أن بعض شخصياتها الدينية تمردت أحياناً على الشرعية السياسية لآل سعود، أسامة بن لادن أنموذجاً.
اليوم، حتى هذا الإزعاج غير موجود تجاه ما يقوم به بن سلمان من تسفيه للوهابية أمام العالم. فهل نجح بن سلمان في تحييد هذه المؤسسة تماماً وإنهاء معادلة الدين- السياسة الحاكمة على القرار السعودي؟ ما هي اتجاهات السعودية الجديدة في ظل مشروع “التحديث” الذي يعمل عليه ولي العهد الشاب هذا؟
باعتقادي، من المبكر القول إن السعودية اليوم تخلصت من أعباء المؤسسة الدينية أو استطاعت تحييدها بالكامل لصالح المؤسسة السياسية. الأمر أن محمد بن سلمان يحاول فك الارتباط بالمؤسسة الدينية ليخلق اتجاهات جديدة للدولة تمكّن السعوديين من لعب أدوار سياسية (غير دينية) أكبر في المنطقة. بمحاولته الجريئة هذه، يحاول تدجين تلك المؤسسة بالكامل وإعادة توظيفها لصالح السياسة السعودية الجديدة في كامل منطقة الشرق الأوسط الملتهبة.
المشكلة أن الاتجاهات السعودية الجديدة هذه لا يحددها بن سلمان وحده ولا الداخل السعودي بشكل عام، وأنما ثمّة عوامل خارجية لها دور كبير في صناعة السعودية كدولة لها سياسة معينة. المشروع الإيراني، القضية السورية، الملف العراقي، أزمة قطر، المشكلة اليمنية، كلها لديها دور كبير في عدم السماح لإبن سلمان التنصل من المؤسسة الدينية بالكامل، فهو يعرف أنه بحاجة لها في تعبئة الشباب السعودي دينياً حين تفشل سياسته السعودية “الملكية الخالصة” في مثل هكذا تعبئة. ففي الكثير من الأحايين عندما جرى الحديث عن النزاعات الحادة في المنطقة، استخدم محمد بن سلمان ذات الخطاب السعودي الديني القديم الذي يحاول هو الخلاص منه بأيّ شكل من الأشكال. تحدث لمجموعة رجال دين سعوديين قبل أشهر كيف أن السعودية مازالت تمثل صمام أمان “الدين الصحيح” في مواجهة المشاريع الدينية الأخرى [تقرأ إيران الشيعية]، في حين ينتقد هو نفسه هذا “الدين الصحيح” حين يلتقي بمسؤولين غربيين. لذا أقول من الصعب على بن سلمان الانقلاب على المؤسسة الوهابية الدينية ويصنع قطيعة تامة معها إلّا بحدود ما يسمح به الصراع مع إيران في المنطقة.
ربما يحاول ولي العهد تقليم أظفار رجال الدين المتشددين في المملكة، لكنه بالنهاية غير قادر على التخلص من معادلة الدين في القرار السياسي السعودي إلّا بحدود معينة كي يضمن توازناً هشّاً بين الدين والسياسة. الأمر كله يعتمد على مدى نجاح مشروع بن سلمان مع الأميركان وإلّا ستكون له عودة للدين وحاضنته الوهابية حين يدرك لا شيء قد تحقق من تلك المليارات السعودية المهدورة على ترامب وإدارته.