رأي

نظرية المؤامرة والذكاء الامريكي

 

 

 

 التركيز على نظرية المؤامرة هو خط الدفاع الأخير للضعيف الذي تقبل عجزه وأقر بعدم قدرته على تغيير وضعه الراهن. الإيمان بنظرية المؤامرة اعتراف ذاتي بالهزيمة المعنوية وهذا أخطر نوع الهزائم لأن الإنسان إذا قبل بالانهزام المعنوي فلا سبيل له بعد ذلك إلى أن يفكر بطريقة سليمة فضلا عن أن يخطط أو يفعل أي شيء إيجابي تجاه تحسين واقعه.” هذا رأي الكثير ممن يسخر من نظرية المؤامرة.

بالتأكيد العنصر المتآمر عليه او ضده هو الاضعف وهو المتضرر. فلم لا نقول ان فضح المتآمرين هو وسيلة لتنبيه الشعب وقياداته الوطنية، أو هو القاء الضوء على جذور العلة والمتسبب بها لمعالجتها؟

فنجد الساخرين من نظرية المؤامرة هم الاكثر عجزا..ففي العراق مثلا من يسخر منك اذا تطرقت الى الخطط الامريكية وما حصل للبلاد في عهد صدام وما يحصل الان هو نتيجة لتلك الخطط . التي كانت الغاية منها السيطرة على الخليج بشكل مباشر بعد ان كانت تسيطر بطريقة غير مباشرة.

نجدهم وقد شطبوا على البلد جملة وتفصيلا ويرددون ما يزعق به الاعلام العربي المتباكي على صدام “العراق راح، العراق انتهى..لا داعي لتتعبوا انفسكم.. شنو عدنا نروح للعراق، لقد انتهى”.

بينما انت الذي تؤمن بنظرية المؤامرة، التي ليس لها علاقة بالأطباق الطائرة ولا بأقوام القطب الجنوبي الذين يعيشون تحت الارض .. بل لها علاقة بما يجري في البلدان المغلوبة على امرها ومنها العراق منذ اغتيال الزعيم على يد البعث (الرجل الاول لأمريكا) والحروب التي قادها ذلك العبث . وتسطر لهم قائمة الاحداث التي دمرت البلد وخدمت امريكا. ترد عليهم ولو بينك وبين نفسك :

“راحت روحكم انشاء الله” العراق لم ولن ينته مادام هناك من يحبه ويدافع عنه. والتطرق لنظرية المؤامرة لا تعني العجز واليأس كما يدعي بعض الفطاحل بل هو محاولة لوضع اليد على السبب للتوصل لمعرفة الحل ولو بعد حين.

فمن اليائس الضعيف والمهزوم هنا؟ الساخر منك لأنك تؤمن بنظرية المؤامرة بنفس الوقت الذي يضع امامك كل وسائل الاحباط والقتل وهو يعلن بكل برودة وصلافة موت بلدك؟.

أم انت الذي تؤمن بنظرية المؤامرة التي تصر امريكا وإعلامها الذكي على السخرية منها.. وأنت تعمل ما بوسعك لزرع بذور الامل في نفوس محبي البلد وأنت واحد منهم؟

تشعر بذهول من مواقف البعض الذين سرعان ما ينفشون ريشهم (الثقافي) ليوجهوا لك رصاصة التهمة بانك يؤمن بنظرية المؤامرة. وحين تجيبهم ساخرا (بلى اؤمن بنظرية المؤامرة) ينبطحون ارضا فرحا وابتهاجا لأنهم اكتشفوا الطشت (اناء نحاسي لغسل الملابس سابقا). اها اذن نحن على حق.

ومنهم من يقول (لماذا تتآمر علينا امريكا اقتصاديا وهي البلد الاول بإنتاج النفط). كما لو ان الاخ هبط بصحن طائر من اختراع هوليوود. ليلغي حتى اعترافهم بأن مصالحهم هي من يحركهم ولا يسمحون للدول المنتجة للنفط ان تتصرف بمالها لوحدها. كما لو هو وغيره الكثير لم يشاهدوا ما حل بالبشرية من حروب من اجل البترول. او ان ينفحك باكتشاف اخر اجمل من الطشت فيحاججك (لماذا اذن الدول المتآمرة وصلت القمر بينما الدول المتآمر عليها ترفل بالجهل والتخلف) هنا عليك ان تقول له: ها انت اجبت على سؤالك بنفسك.

فالتآمر هنا له عدة اطراف اولها: امريكا او غيرها من الدول القوية التي من مصلحتها السيطرة على البلدان المتخلفة او التي يقودها متخلفون.. من ثم قيادات غبية تجهل السياسية ولا علاقة لها بالوطنية تآمرت ضمنا او جهلا مع امريكا فشدت بلداننا بأغلال الجهل والحروب الطائفية والصراعات القومية فأعادت بلداننا لعصور متخلفة، للوراء، لتكون امريكا هي المستفيد الوحيد من كل تلك الصراعات.

في سوريا بالأمس القريب كانوا يدينون العراقيين لأن معارضتهم المدعومة امريكيا استدعوا امريكا لتخلصهم من صدام، فارسلوا ارهابيين عرب وعراقيين من فلول البعث المنهزمة ليقتلوا الابرياء من الشعب العراقي تحت (منخل) المقاومة والجهاد ضد امريكا!

اليوم يتوسلون بأمريكا لتخلصهم من روسيا التي ضربت داعش وقياداتها بشكل فعلي وليس وهمي كما تفعل امريكا وحلفاءها منذ سنوات!

حين تقول ان داعش صنيعة امريكا..بحسبة رياضية بسيطة لا تحتاج لذكاء ستعرف ان القاعدة باعترافهم هم اختلقت من قبل امريكا و(CIA) المنظمة القائمة على التآمر والخطط ضد كل من لا يتماشى مع مصالح بلدهم واصحاب رؤوس الاموال المتحكم الفعلي بالبلد. او من تجد في ضربه مصلحة مستقبلية لها. وبما ان القاعدة استفرغت تماما وفضحت نواياها من خلال افعالها لا ضد امريكا بل ضد الاسلام والمسلمين.. اتخذوا من لقطاءهم مع بعض الموتورين من البعث الصدامي فشكلوا ما يسمى بداعش. وتشير الى القصف الامريكي المتواصل لمدن سورية وعراقية بحجة ضرب داعش بينما الاخيرة تحتل مدنا كبرى وتدمر اخرى. وحين شنت روسيا غاراتها ضد معاقل داعش هبت عواصف امريكا الاعلامية لتدين روسيا التي ضربت المدنيين. وفطاحل السياسة والثقافة صدقوهم ليبتلعوا الطعم كما ابتلعه الكثير من قبلهم.

لاشك ان امريكا تجند كل ذكاءها الفني والإعلامي والسياسي للسخرية من نظرية المؤامرة ببساطة لأنها هي المتهمة الاولى بقيادة تلك المؤامرة.

بالأمس جعلتْ من الشيوعية رمزا للإلحاد والكفر وصدقها الملايين من انصاف المثقفين وأنصاف السياسيين وطبعا المتدينيين بل حتى انصاف الشيوعيين انفسهم. ممن راحوا يشتمون الدين علنا وسرا حتى فقدوا ثقة الناس البسطاء بهم. وهذا اول ما تبتغيه امريكا لإفشال الشيوعية والانتصار عليها فهي للان تشكل لهم العدو الاول. بينما الشيوعية والاشتراكية نظم اقتصادية واجتماعية لتحقيق عدالة للشعوب والتخفيف من حالة الفقر والجوع، علاقتها بالدين مبنية على حرية الفرد وصلته بالخالق.

وعلى العكس مما يعتقد البعض “ان امريكا تعادي الاسلام”. بل امريكا استخدمت الاسلام والمسلمين ضد شعوبهم وضد الدين ايضا.

وموضوع التآمر موجود بيننا في الكثير من مواقف الحياة وعلى مستوى فردي. فكيف نلغي وجوده على مستوى دولي .. نعم هناك عناصر عديدة لإنجاح اي مؤامرة، اولها خبث وذكاء المتآمر، وغباء او سذاجة المتآمر عليه وأيضا جحافل الجهلاء او زمرة المطبلين.

فعبيد الاعلام الامريكي يرددون مثل الببغاوات ما تمليه عليهم الفضائيات الفاضية والجرائد التي تخضع للرقابة الامريكية. وهؤلاء لا يقلون ضررا عن القيادات التي تشن الحروب الفاشلة والتي تطيح باقتصاد البلد لتستفيد امريكا من خلال بيعها الاسلحة او السيطرة على مشاريع البلد. لأنهم يخدمون تلك المخططات بلا متاعب ولا خسائر.

امريكا هنا اشبهها بالخياط الذكي الذي نهب اموال الملك وأوهمه بأنه صنع للملك ملابس لا يراها سوى الاذكياء. فالمتثاقفين اغلبهم مثل ذاك الملك المسكين غير قادرين على رؤية الحقيقة والإعلان عنها خوف اتهامهم بالغباء!

 

ابتسام يوسف الطاهر