أحوال عربية

انتخابات مصر … مكاسب الرئيس السيسي وخسائره!

محمد عصمت
ــــــــــ
الانطباع السائد لدى أى مراقب للشأن السياسى فى مصر، هو أن المدة الثانية للرئيس عبد الفتاح السيسى سوف تشهد المزيد من التقهقر فى ملفات الحريات العامة وحقوق الإنسان المنصوص عليها فى الدستور، فكل المؤشرات التى صاحبت بدء انتخابات الرئاسة الشهر الماضى وحتى الآن تكاد تؤكد استمرار السلطة فى تأميم السياسة وغلق المجال العام، وإلا لما كانت قد أدارت هذه الانتخابات بعقلية أمنية خشنة أبعدت المرشحين الكبار عن مضمارها، لتختار سياسيا مغمورا بلا أى وزن جماهيرى أو ثقل فكرى ليمثل دور منافس السيسي، رغم أنه كان من كبار مؤيديه، ومنظما لإحدى حملاته الانتخابية، والذى يتفاخر بأن زوجته ستعطى صوتها لمنافسه!.

لم يعد السؤال العبثى حول أسباب تحول رئيس حزب الغد من مؤيد متحمس لترشيح السيسى إلى منافس من المفترض أن يسعى لأن يحل محله فى القصر الجمهورى أى محل من الإعراب، بعد أن تم تفريغ هذه الانتخابات من أى محتوى تعددى تنافسى حقيقي، دون أى اعتبار للرأى العام ولا حتى لصورة السلطة نفسها لدى شعبها الذى لا يبدى أى اهتمام يذكر بهذه الانتخابات، أو لصورتها لدى الرأى العام العربى والدولى التى باتت قطاعات واسعة منه توجه انتقادات لاذعة لتوجهات هذه السلطة.

هذه الانتخابات بالشكل الذى يتم إجراؤها به هى محصلة اجراءات وقرارات بدأت خطوة وراء خطوة مع استلام الرئيس السيسى السلطة، كانت بدايتها مع تشكيل البرلمان بأصابع مخابراتية لعبت فيها الأجهزة السيادية دورا مهما فى اختيار أعضائه، وتشكيل الكتلة الرئيسة فيه لتكون “حزب الأغلبية”، لتضمن السلطة التنفيذية تمرير ما شاء لها من قوانين بسهولة ويسر، منها ما سلب حقوق المواطنين الدستورية فى التظاهر والإضراب، ومنها ما أعطى للسلطة شيكا على بياض لتسليم جزيرتين قطع القضاء الإدارى بمصريتهما لدولة أخرى، وعقد اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية مع دول أجنبية يقول البعض انها تتضمن تنازلا عن حقوقنا فى المياه الاقتصادية ، ومنها ما عطل نصوصا دستورية تتعلق بالميزانية والحد الأدنى والأقصى للأجور وتحميل المواطنين بأعباء اقتصادية أطاحت بأكثر من ربعهم تحت خط الفقر .

كما توالت إجراءات السلطة لتفرض هيمنتها على أجهزة الإعلام، والتضييق على حرية الرأى والتعبير، وإغلاق المواقع الإلكترونية، إلى أن انتهى الأمر بتخوين كل من يمارس حقوقه الدستورية فى معارضة الحكم ويسعى لتبادل السلطة، لإشاعة مناخ من الخوف يحول دون مشاركة الملايين فى الشأن العام!.

لم يعد أحد يهتم بالسؤال عن برنامج الرئيس السيسى ولا برنامج منافسه فى الانتخابات المقبلة، فالجميع يدرك جيدا أن النتيجة محسومة سلفا، وأن سنوات صعبة فى انتظارنا كما قال الرئيس بنفسه، كل ما فى الأمر أن هناك مخاوف تجتاح أروقة السلطة من مقاطعة المصريين صناديق الانتخابات، مع مخاوف من نوع آخر لدى الكثيرين بأنه سيتم إجراء تعديلات على الدستور قد تتضمن فيما تتضمن تعديل مدد الرئاسة وفتراتها، لتتيح للسيسى الترشح لعدة مرات وليس مرتين فقط، كل مرة 6 سنوات وليس 4 فقط.

قد يكسب الرئيس السيسى منصبه لولاية ثانية بسهولة شديدة، لكنه بالتأكيد سيخسر تأييد المزيد من القوى السياسية والجماهيرية التى وقفت معه فى أحداث 30 يونيو خوفا على ضياع مكتسبات ثورة يناير الديمقراطية تحت حكم الإخوان، ثم اكتشفت أن الهامش الديمقراطى الذى كان متاحا لها حتى أيام مبارك لم يعد يتوافر لها ربعه الآن!

فى مثل هذه الأوضاع السياسية سوف يخسر النظام بالتأكيد من نفوذه فى فضائه العربي، كما سيخسر قطاعات واسعة من الرأى العام والميديا الغربية، وسيفقد العديد من الفرص الاستثمارية والسياحية الواعدة، وقبل كل ذلك سيخسر الاستقرار الحقيقى الذى يسعى إليه، لأن إغلاق أبواب التغيير السياسى السلمى سوف يفتح بالتأكيد كل السراديب نحو العنف الاجتماعى والجنائى والإرهاب الديني، وهذا هو درس التاريخ الذى تتجاهله السلطة والتى لا يبدو أنها تعي خطورته أو فواتيره الباهظة!