الصحافة الجديدة رأي

عن جمهورية الرأي على مواقع التواصل الإجتماعي

عبد الرحمن جاسم
ــــــــــــــ
فجأة، يحدثُ أمرٌ ما في الكوكب الأزرق هذا. يتذكّر أحدٌ ما، في هذه البلاد العربية أنه لم يدلِ بتصريح له حول ذلك الحدث، يدخل إلى الفيسبوك/التويتر/الانستغرام (أي مواقع تواصل اجتماعي) ويقرر أن يشارك. ما المشكلة؟ أليس للجميع الحق في أن يقولوا آرائهم؟ الأهم أليس من المنطقي أن يكون للمرء رأي؟ وأن يحترم؟ وأن يشاركه مع الآخرين؟ هذا هو المنطق بالعموم، لكن مع هذا لابد من قليلٍ من أمور للنقاش حول موضوع الرأي وعدمه.

يحدث أن يعطي الأخ المذكور رأيه في رحيل ستيفن هاوكنغ مثلاً. لن يتضايق عالم الفيزياء المقعد من تعليقاتٍ لن يعرف عنها شيئا، لأنه رحل عن هذا العالم، بل حتى خلال حياته لم يمكن ليسمع بها. يحدث الرأي؛ الأخ عينه –وهو نوعية وكمية وليس فردا واحدا فحسب- لا يعرف من هو هاوكنغ، ولا ماذا فعل خلال حياته، ولا القضايا التي ناضل بها. يعطي الأخ رأيه، يتعاقب مجموعةٌ من المعلّقين من ذات الطينة على الرأي، بعضهم يضع اللايك، الآخر المشاركة، الآخر تعليقاً. يدخل أخٌ آخر، يقرر محاربة الأخ الأوّل والتعليق بنوعٍ من العدائية وعدم الاقتناع على رأي الأخ الأوّل. يرد الأوّل بعنف شديد، بقلة تهذيب، بكثيرٍ من انفعال (يمكن اختيار واحدة فحسب أيضاً).

هنا يصبح “البوست” مسرحاً لصراع، طرف يأخذه الأوّل ومؤيدوه وطرفٌ يأخذه الثاني ومشجعوه. بعد يومٍ أو اثنين يخرج النقاش من رحيل هاوكنغ أو غيره، يصبح طائفياً، مناطقياً، شعبوياً. يصبح الأوّل عدواً “افتراضياً”(digital) للثاني، ويجلس كل بانتظار ماذا سيقول خصمه كي يرد عليه. اللافت في الأمر، أنهما الاثنين لم يقرأ شيئاً لهاوكنغ، لا يهم: المهم أن ندلي برأينا، المهم أن يعرف الكوكب أنه لدينا رأي.

بعد مدّة، وكثرة ردودٍ وأخذٍ ورد، ومئات اللايكات والتعليقات والمشاركات؛ طبعاً البعض لا يعلّق بل يكتفِ بوضع اسم شخص للإشارة له بأن “يشاهد” المباراة التي تحدث. هذا كله يحدث إذا ما كان النقاش “عصبياً” “عنيفاً” “لا أخلاقياً”. إنه من الضرورة أن يكون النقاش هكذا كي يأخذ موقعه عند جمهور المشاهدين عبر مواقع التواصل الإجتماعي. فماذا يفيد مثلاً نقاش “فلاسفة” (حقيقيين) أو “علماء فيزياء”(حقيقين أيضاً) حول أفكار هاوكينغ أو أهميته لجمهورٍ مثل جمهور مواقع التواصل الاجتماعي؟ بكل صدق، بماذا يفيدون؟ (يمكن على سبيل المثال مراقبة أي “بوست” علمي حقيقي وانتشاره مقارنة مع انتشار “بوست” تافه أو لا أخلاقي أو “عنيف”). إذاً يصبح “الشتام” أكثر، و”اللاأخلاقي أكثر” هو “نجم الساحات” بلا منازع. إنه يصبح في لحظةٍ ما “نجماً يشار له بالبنان”، حتى إن البعض يسارعون بإضافته لمتابعة “مسلسله” اليومي، أو يدخلون إلى الصفحة وتبدأ “حفلة” اللايكات (بالتعليق واللايك على كل بوست منذ بدايات التاريخ لهذا الشخص). كلما زادت الشتيمة والألفاظ البذيئة والاعتراض والسخرية من أحد حتى ولو كانت تلك السخرية غير لائقة أو سواها. باختصار يحتاج مجتمعٌ كهذا لأصحاب رأي كهؤلاء. (هنا لا نتحدّث عن المجتمع العربي عموماً، بل نتحدّث عن مجتمع مواقع التواصل الاجتماعي وإن شذ البعض).

ولأننا نتحدّث عن الرأي، نقف عند أمرٍ ما، هل لأصحاب الرأي هؤلاء رأيٌ فعلي في شأنٍ حقيقي ما؟ يعني مثلاً قبل مدةٍ من الزمن أكلت النفايات لبنان، هل أثّر هؤلاء على شيءٍ ما؟ لم يحدث. هل استطاعوا تحقيق أي تغيير حقيقي في أسعار المحروقات، المواد الغذائية، الضرائب، الأمن الاقتصادي والغذائي؟ هل استطاعوا كأي شخصيات “مؤثرة” تقديم بديل ثقافي من أي نوع؟ طبعاً قد يحدثنا أحدهم بأنه من غير المطلوب منهم أن يقدّموا أي شيء، فقط نوعٌ من “التسلوية”. التسلية أمرٌ جيد، هذا لا بأس فيه، لكن لماذا يصرُ هؤلاء الأشخاص إدعاء أنهم ليسوا بممثلين وليسوا بكوميديانات. يصر هؤلاء على أنّهم أصحاب رأي، وأصحاب رأي حقيقيٍ ومهم. هل هم لايعرفون بأن بعضهم لم يقرأ كتاباً مثلاً؟ أنه لا يفهم في كثيرٍ من الأمور التي يناقش بها؟ نعم يعرفون، لكن الضجيج/الشهرة يجعلهم بكل بساطة غير قادرين على التوقف عما يفعلونه.

هناك جمهوريةٌ للرأي على مواقع التواصل، جمهوريةٌ يقول فيها أشخاصٌ لا رأي لهم في أي قضيةٍ مهمة آرائهم في قضايا لا تعني أحدا نهائيا. يقولون آرائهم لإحداث “ضجةٍ” لا أكثر. هم أنفسهم: ضجةٌ فقط لا أكثر ولا أقل.