أحوال عربية

قراءةٌ في الخارطة الجيوسياسية لسورية 2018

• د. محمد عادل شوك: 21/ 3/ 2018م.
ــــــــــــــــــــــــــــ
في ظلّ الأحداث و المناخات الضاغطة، و المرشحة للتصاعد و التفاقم في المشهد السوري، يمكنُنا القول: إنّ مساري جنيف وأستانا الداعيين للتهدئة في طريقهما للانهيار، فمناطق خفض التصعيد، تشكو من انهيار واضح، سواء في إدلب، أو الغوطة الشرقية، وبدرجة أقلّ في الجنوب؛ نظرًا لحساسية المنطقة لإسرائيل، و هو ما حذر الوسيط الأممي ديمستورا يوم الاثنين: 19/ 3، بأنّ سورية تتجه إلى تقسيم كارثي، و قد تشهد عودة داعش إذا لم يتم التوصل إلى تسوية سلمية لا تقصي أحدًا.
أما عن مسار سوتشي، فمن المرجح أن يسقط بدوره في مستنقع التجاذب الدولي ( الأمريكي – الروسي )، الذي أخذت نُذر التصعيد في غير خافية، و لاسيما بعد أن رأى الطرفان النزول إلى الميدان، و تنحية وكلائهما جانبًا، و تحديدًا بعد إعلان فوز بوتين لولاية رابعة، و إقدام ترامب على ترميم إدارته و إبعاد العناصر التي لا تتفق مع رؤيته في إدارة الملفات الخارجية، و خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط.
و من غير الواضح متى سيضع هذا الصراع أوزاره، و كيف يمكن احتواء تداعياته الإقليمية، ولاسيما في الملف السوري.
و حتى الثلاثيُّ الضامنُ مسارَ أستانا و مناطق خفض التصعيد، هو مرشّح أيضًا لأن تهتز عناصر الثقة فيما بينه، فقد تبيّن في أكثر من محطة أن أضلاعه غير متماسكة، و هو ما ظهرت بعض أماراته من خلال استهداف منطقتي خفض التصعيد في العيس و عندان من الميليشيات الموالية لإيران مؤخرًا، و الإعلان عن اكتشاف كميات كبيرة من الأسلحة الإيرانية المرسلة لوحدات الحماية في عفرين.
ناهيك عن أن تركيا التي أتقنت فنون الرقص على الحبلين الأمريكي و الروسي، أخذت تبسط نفوذها بشكل مباشر في شمال غرب سورية، بشكل يبعث على القلق لدى النظام و إيران، ومن غير المستبعد في قابل الأيام، أن ينتهي شهر العسل بين طهران و أنقرة إلى نوع من المواجهة، بسبب التباين في الرؤى حول تفسير مناطق النفوذ، إذ تحرص طهران على أن تتمّ المقايضة بين الغوطة و عفرين في أسرع وقت و بالشكل المفرط الذي بدت فيه، و هو ما يسبب حرجًا لأنقرة أمام الحواضن المتعاطفة معها من السوريين.
في مثل هذه الظروف و التعقيدات و التداخلات، ليس متوقعاً أن يقدم أيُّ فريق على الخيار العسكري مع الأفرقاء الآخرين بشكل مباشر، أو حتى من خلال المحاور المتحالفة مع أيّ منها.
و ليس مرجحًا أن تنجح المساعي في اجتراح حلول وتسويات، تستجيب لمصالح الأطراف و تطلعاتهم و حساباتهم المتناقضة؛ الأمرُ الذي يُبقي سورية أمام سيناريو يرجِّحه أكثرُ المراقبين، يتمثَّل في احتفاظ كل محور أو فريق، بمنطقة نفوذه في سورية: أرضًا، و شعبًا، و قوى حاضنة.
فواشنطن ستحتفظ بـ 30% من سورية في شرقيها وشمالها الشرقي، حيث ثروات المنطقة المائية و الزراعية و المعدنية و منابع النفط الوفيرة في محيط دير الزور، جاعلةً من الفرات حاجزًا بينها و بين القوى الأخرى، و بحضانة كردية، و هذا ما يفسر سعيها في الانتشار العسكري المُستدام في هذه المنطقة، الذي تهدف منه أكثر من غاية، و منها قطع الطريق البري الإيراني الممتد من قزوين إلى شرق المتوسط.
وستحتفظ تركيا وفقًا للتفاهمات مع الروس، و حتى الأمريكان، بحزام أمني ممتد من أطراف المتوسط إلى شرق الفرات، و بترتيبات خاصة في منبج مع الأمريكان، بعد أن شارفت غضن الزيتون على نهاياتها في عفرين.
و أما مناطق المثلث ( السوري ـ الأردني ـ الإسرائيلي ) في الجنوب الغربي، فسيظل منطقة شدّ و جذب، حيث ستستعى إسرائيل للاحتفاظ بشريط أمني بعمق (20 ـ 40 كم )، و لن تتوانى الأردن لإبعاد عموم الميليشيات الآيديولوجية، المنتمية للقاعدة أو إيران، عن حدودها الشمالية.
و فيما يخص منطقة الساحل، فستكون ساحة نفوذ مستدام للقاعدتين العسكريتين الروسيتين، وصولاً إلى دمشق، حيث ستتشاطر موسكو و طهران النفوذ و المصالح في هذه المنطقة.
صحيحٌ أنّ هذه الأطراف لم تستقرّ بعد في مناطق نفوذها، و لم ترتسم الحدود النهائية لمناطق تقاسم النفوذ المشار إليها؛ الأمرُ الذي سيفتح الباب أمام المزيد من المواجهات، قبل أن تُقِرَّ الأطراف ( واقعيًا، و ليس رسميًا ) بخرائط التقاسم و حدودها.
حيث سيعمد النظام و حلفاؤه إلى بسط سيطرته على مناطق محيط دمشق و غوطتها الشرقية من الفصائل، التي أنهكتها صراعاتها البينية؛ فبدا ( جيش الإسلام ) مهيأً لخيار الاستسلام و البقاء منزوع الإرادة في منطقة دوما، و ( فيلق الرحمن ) للتهجير إلى مناطق حوران، و ( أحرار الشام ) إلى قلعة المضيق في ريف حماة، و عناصر هيئة تحرير الشام إلى إدلب.
و يبدو أنّ ثمة إقرارًا دوليًا بذلك، على الرغم من الضجيج الإعلامي و الدعائي الذي يصاحب عمليات الجيش السوري فيها.
و ستعزز تركيا قبضتها بعد أن تربط مناطق سيطرتها في درع الفرات و غضن الزيتون بمحيط منبج، فيما ستمضي أمريكا في تعزيز قواعدها في شرق سورية و جنوبها و شمالها وعلى مقربة منها.
و فيما يتعلق بالوجود الإسرائيلي ـ الإيراني في درعا و جوارها، فنحن بانتظار جولة جديدة من المواجهات بينهما، التي سترسم بنهايتها حدود التقاسم بينهما.
إزاء ذلك ستنتفي الحاجة لمؤتمرات السلام و مسارات أستانا و جنيف، وستُستبدل بقنوات الاتصال الأمنية و العسكرية؛ لتفادي الأخطاء الكارثية، وتجنب الانزلاق لمواجهات مباشرة، كما يحدث الآن تمامًا بين عدد من تلك الأطراف الدولية و الإقليمية، و حتى مع النظام في دمشق.
وسيحل منطق ( الأمر الواقع: De Facto ) محل ( الحلول التفاوضية: negotiation) للأزمة، و قد يستمر ذلك لسنوات عديدة، لن تقلّ عن سنة 2021، ولاسيَّما بعد أن تقلّصت سلال ديمستورا الأربع إلى سلتي: الانتخابات، و الإصلاحات الدستورية.
و بانتظار هبوب ريح جديدة في العلاقات الإقليمية، تساعد النظام العالمي الجديد على الاستقرار في شكله و قواعده الجديدة، و على عودة القطبية الثنائية التي تسعى إليها روسيا، و دول أخرى كالصين.