رأي

شيفرة كرسي الحكم

عبير علي الحسن |
ـــــــــــــــــ
ياله من كرسيٍّ! تُصارِع الحكامُ شعوبَها، وتغزوا الدول بعضها بعضاً طمعاً به، فالكرسيُّ لمن ظفر به يعني وجودا وسيطرةً واستحواذاً من اللاشيء على كل شيء، لكنه صعب المنال، وبناؤه يستغرق وقتا طويلا، بين معرفة المواد اللازمة له وتأمينها ثم البدء بصقلها وقولبته. لكنَّ نوعاً من الخشب أو الحجارة أو المعادن ليست بالتأكيد مواده الخام، فالعبرة بمعناه لا بظاهر لفظه، فهو كرسيٌّ محسوس غير ملموس، يعرف بالتصور والإدراك، بطانته مساحات واسعة من الأراضي والسهول والأقاليم، ومسند ظهره السلاح والقوة أياً كانت، وأذرعه على تمايز بين يمنى ذهبية مجازا على أنها نخب أول، ويسرى نحاسية لا ترقى إلى مستوى نظيرتها، أما المقدسة بينهما التي تحظى بالتلميع الدائم فهي اليمنى؛ حاشية الحاكم وأتباعه المخلصين، خاصة الأثرياء منهم، وأما اليسرى ففئة العوام، والموظفين عبيد لقمتهم، والأغبياء المُفادين بائعي معيشتهم، وكانت قد جُعِلَت نحاسية كيلا تغتَرَ بنفسها فتتأصل، وليسهلَ بترها دون دموعٍ وأسى، وتستبدلَ بين الحين والآخر بأخرى لاهثة تُقدِّم الوفاء، فَتُمنَح الغداء، فينعقد الولاء، أما قوائم الكرسي( أرجله)، فمجموعة نفيسة من الحيوانات البشرية، يصعب إيجاد من هو أنذل منها .. تتمثل بالثعبان والزرافة، كأرجل أمامية توضع في واجهة كل شيء وتحشر نفسها به، ثعابين تدور في المجالس والأسواق تستطلع الأخبار، وتلتقط الكلمات وتتلقفها من هنا وهناك وتنقلها وشايةً بقائليها ..

وزرافةٌ تُضاحك الناس وتتودد إليهم وتبدي حُسنها في النهار، وتمد رقبتها الطويلة ليلا لتطلع على ما في البيوت دون أن يشك بطيبها أحد. وبالنسبة إلى قوائمه الخلفية، عقاربٌ مهمتها لسع الأفواه الناطقة، وقتل الحياة فيها وحشوِها بالتراب في خفاءٍ عن الناس.. وغربانٌ منافقة بلسانٍ فصيح، تردد ما يقول أسيادها، لكنها تنعق بما لا تفقه، وأولئك هم أخطر الناس على الناس، نقلا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: “أخوف ما أخاف على أمتي رجل منافق، عليم اللسان، غير حكيم القلب، يعيرهم بفصاحته وبيانه، ويضلهم بجهله”.

من كرسيّ الرئاسة إلى كرسيّ الخلافة، الحرب نفسها وإن زينها كل فريق بما يشتهي من زخرف القول وزور الكلام، بيدَ أنّ كرسي الخلافة ذاك، يفترض به أن يثلج صدور قوم مسلمين، ويسعر أفئدة قوم آخرين، وأن يكون للأمة فجرا تلا ظلمات طويلات وعزا بعد خيبات شنيعات .

لكنَّ طريق الوصول إليه ظلَّ يقارب طريق الوصول إلى الرئاسة ويحاذيها الخُطا حتى انطبق عليه تماما، وأصبح الجلوس عليهما يكلف القيمة الدموية نفسها، الفارق الوحيد بينهما طريقة الاجتذاب، فكرسيّ الرئاسة عقليّ منطقيّ، يُغري العقول ويشبع تطلعاتها، أما كرسيّ الخلافة عاطفيٌّ ومشاعريّ، يعزف على وتر الدين فتستقي منه القلوب ريّاً، ولو أنها كانت كما في عهد العمَرين لما أنكر أحدٌ عليها قولا، لكنها اليوم أضحت متخبطة، وأصابها هوَسُ التكفير، وادِّعاء الصواب لنفسها دون أحد من عباد الله. كان جرم ضحاياها أنْ خالفوها رأياً وقالوا بغير قولها، فكان السيف أسبقَ كل سابق إلى رقابهم المحرمة، مع أن الخلافة تقتضي الحفاظ على أرواح المسلمين، وكان رسول الله قد علَّم صحابته أصول الاجتهاد وترك لهم الأبواب على إطلاقها، مادام بينهم كتاب الله وسنة نبيه يعملون بها، ولم يتعارض الخلفاء الراشدون مع أحد من الناس حتى أنَّ علياً وعثمان تركوا لهم حرية الرأي، ما كان الرأي في المعاملات الدنيوية لا في العقائدية، وعمر نجم الإسلام الساطع يُقاطَعُ في خطبته من امرأة! ليقولَ بعدها: أخطأ عمر وأصابت امرأة! ويذكر أنَّ ﺍﻟﺨليفة عمر بن ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ دخل ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻈﻠﻤﺎ ﻭﻓﻴﻪ ﺭﺟﻞ ﻧﺎﺋﻢ ﻓﻠﻤﺴﻪ ﻋﻤﺮ ﺑﺮﺟﻠﻪ ﻷﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺮﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﻼﻡ فقال ﺍﻟﺮﺟﻞ: ﻣﺎﻫﺬﺍ ﺃﺃﻧﺖ ﺣﻤﺎﺭ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﻻ ﺑﻞ ﺃﻧﺎ ﻋﻤﺮ، ﻓﻘﺎﻝ ﻣﺮﺍﻓﻖ ﻋﻤﺮ: ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻗﺎﻝ ﻟﻚ ﻳﺎﺣﻤﺎﺭ ﻓﻘﺎﻝ ﻋﻤﺮ: ﻟﻢ ﻳﻘﻞ ﻳﺎﺣﻤﺎﺭ ﺑﻞ ﺳﺄﻟﻨﻲ ﻓﺄﺟﺒﺘﻪ.

دعونا لا نتخيل أنَّ هذا قد حصل اليوم مع صغار قومٍ مسلحين لا مع قاداتهم الأفاضل، معاذَ الله فأيُّ جرأةٍ تلك!! المواقف الدامية علمتنا الارتجاف قهرا من وقع أحذيتهم. ما أعلمه أن الخلافة المنشودة ليست كهذه، بل عليها أن تكون واضحة لا أن تكون ظلامية مستترة وتزج بالحمقى في مهالكها..

الخلافة ليست عمياء تأخذ بظواهر النصوص، فتقيم حدود الله فيما أمر وفيما لم يأمر، وتنسى الاستتابةَ وأنَّ الله غفور رحيم.. عليها ألا تتخلى عن حكم العقل، وأن تنظر في المصالح المعتبرة والمرسلة، فإنَّ النصوص الواردة في سياسة الحكم محدودة قليلة والثابت منها غير مفصل، فلا بد من حكم العقل. عمِّروا ما شئتم من الكراسي ولكن!! .. تخيَّروا موادكم الخام وانهجوا النهج المحمديّ وإلا فلا يصدحنَّ أحدٌ بخلافةٍ أبدا. كانت هذه شيفرة كرسييّ الرئاسة والخلافة دون الحديث عن كرسيّ المملكة وجلالة الملوك فلا كلمات تصف إجرام أولئك وسياساتهم الوحشية. أما نحن فلسانُ حالنا يقول: من كرسيّ الرئيس إلى كرسيّ الخليفة؛ أضعنا الحلم وقتلنا الثورة العفيفة!