رأي

الكذب الذي هو رذيلة اخلاقية يصبح فضيلة سياسية ــــــــ سعيد الوجاني

إذا كانت الحرب هي السياسة بوسائل أخرى ، فإن السياسة بدورها هي الحرب بوسائل أخرى .
ان من شأن هذه المعادلة بين الحرب والسياسة ، أن تنزع عن السياسة اقنعتها واوهامها ومساحيقها المختلفة . انها فن ادارة الصراع بأساليب وأدوات تمتد من العنف الفيزيائي الى العنف الرمزي . ان الصراع السياسي هو في الحقيقة صراع حول المصالح العاجلة والآجلة للأفراد والفئات : مصالح احتياز السلطة ، واحتياز الجاه والقوة ، واحتياز المال ، واحتياز الحظوة .
كل سلطة تعرف ان لها حظوة وحظ ، تحكم في مسار المجتمع كله ، وحظوة وحظ تحكم في ثروته المادية والرمزية . إنها موضع تطلع الجميع . ورغم انه يفترض انها تمثل المجتمع ، والمصلحة العامة ، فإن لها حساً اولياً في التمييز بين مصلحتها ( مصلحة السلطة ) ومصلحة الدولة ، مما يدفعها الى المزاوجة الرفيعة بين مصلحتها في البقاء والاستمرار ومصالح الدولة .
إذا ما استلهمنا كتابات ماكيافيلي الذي كان اول من استوعب المفهوم الحديث للسياسة وممارسة السلطة ، نستطيع ان نميز بين ثلاث استراتيجيات كبرى للسلطة .
ان هدف هذه الاستراتيجيات الأقصى هو ان تحافظ على ذاتها وتحقق لنفسها الإستمرار ، انطلاقا من تصور ليبرالي للسياسة ، قوامه انها صراع مصالح حول الخيرات والسلطات والرموز ، او بكلمة واحدة صراع مصالح .
ان هذه الاستراتيجيات الكبرى هي : استراتيجية الشراسة ، واستراتيجية الكذب ، واستراتيجية الوهم والالهاء .
استراتيجية الشراسة ، هي استراتيجية القوة السافرة ، والصرامة المطلقة ، وهي على النقيض من خُطط الضعف ، لأنها تقوم على انّ أي تهاون ، او تنازل ، او تسامح ، معناه انفتاح ثغرة ضعف في كيان السلطة .
ان مشاعر العطف والحشمة والحنو لا مجال لها في عالم السياسة ، لأنها مؤشر ضعف وحاجة . فكل شُبهة تردّد او حبّة تساهل ، ستقرأ على انها مؤشر ضعف يمكن ان يسيل لعاب الطامحين والطامعين ، وكل تنازل سيجر وراءه سلسلة من التنازلات ، وهو ما سيفتح باب التداعي والانهيار .
الاستراتيجية الثانية ، هي استراتيجية الكذب والخداع . تعلم السلطة كامل العلم ، أن الكذب ، الذي هو رذيلة أخلاقية ، هو هنا فضيلة سياسية من الدرجة الأولى ، وذلك لأنه كذب وظيفي هدفه تسيير اشتغال وأدائية نظام السلطة ، وتمكينه من الاستمرار .
ان الكذب هنا يعني إخفاء كل او بعض الحقائق ، وإخفاء بعض الاسرار و حقيقة بعض الاشخاص ، كما يعني اظهار بعض الأشياء على غير حقيقتها . وبما ان حبل الكذب قصير ، فإن ذاكرة الشعب بدورها قصيرة . ففي هذا المجال يستحسن تجنب الكذابات الكبرى ، وتقسيط الكذب الى وحدات صغرى ، أي كُذيْباتْ ، وبالفرنسية تسمى ( مُونْسونج ) .
ان الكذب السياسي في مظهريه السلبي ( الإنكار والاخفاء ) والايجابي ( الادعاء والاظهار ) ، من حيث هو رواية غير مطابقة للواقع ، يستهدف تجميل وجه السلطة القبيح الشرس ، وتحسين صورتها ، بإخفاء ما هو شاد وقبيح او غير مقبول .
ان هذه الأكاذيب اعتبرت دوما أدوات ضرورية ومشروعة ، ليس فقط بالنسبة لوظيفة رجل السلطة او الديماغوجية ، بل هي ضرورية بالأساس لرجل الدولة . فالسياسة والسلطة ليستا مملكة الحقيقة ، وربما لم تكن كذلك في يوم من الأيام .
اما الاستراتيجية الثالثة ، فهي استراتيجية الوهم والايهام والالهاء . ان المعطى الأساسي في عصرنا هذا هو الطفح الديمغرافي الهائل ، وهو علة عدم التوازن بين الخيرات والبشر . فالتفاوت بين الناس في الأنظمة الليبرالية المعاصرة ، ليس فقط حتمية طبيعية او اقتصادية ، بل ربما كان ضرورة وحاجة أيضا .
وبما انه من المستحيل في ظل هذا النظام إرضاء الجميع ، وعلى الأخص الطبقات الدنيا الفقيرة ، وتحقيق الاشباع للجميع ، وتوفير السكن والاستشفاء والتعليم والشغل والصحة … لخ لكل الناس ، فإن دغدغة الاحلام ، والوعد بالجنة الأرضية ، يفرض نفسه كإحدى الآليات الأساسية لشد الناس الى النظام السياسي ، باعتبار انه سيحقق يوما هذا الامل .
ان النظام السياسي الناجح هو الذي لا يكتفي بتقديم الوعود الكاذبة بتنفيذ كل المطالب النقابية والاجتماعية والسياسية المطروحة ، بل يعد بتحقيق الآمال والاحلام الكبرى في التقدم والعدالة والحرية وغيرها ، أي بيع الوهم والايهام للإلهاء فقط ، لان النظام يعلم ان اليأس هو الموقد للثورة ، وان الامل هو الترياق الذي يمكن من استمرار الحياة حتى ولو كانت قاسية .
ان الأداة الأساسية في هذا الباب هي الخطابات والبلاغات واللغة المعسولة عموما. ودور وسائل الاعلام الحديثة هو تبليغ هذه الوعود واشاعتها على نطاق واسع ، وحفز الآمال وقمع اليأس القاتل .
ومن بين اشهر تقنيات الوهم والايهام والإلهاء ، الالتفاف على المشاكل عن طريق تشكيل لجان ومجلس عليا او جهوية ، دائمة او مؤقتة ، ترصد لها ميزانيات وبنايات ، واجور ، وموظفون رمزيون حتى تكون السلطة قد تملصت من كل مسؤولية في عدم الإنجاز .
ان الشراسة والكذب والايهام للإلهاء وانتظار گودو الذي لن يأتي ابدا ، ذاك هو الثالوث الاستراتيجي في عمل اية سلطة تريد لنفسها الاستمرار . وبما ان كل سلطة هي بطبعها وطبيعتها ميالة الى الخلود والاستمرار ، فان تلك هي في منظور ماكيافيلي اقنيها الثلاثة .
لقد مر على استقلال ايكس ليبان اثنتا وستون سنة ، ولا جديد ، نفس النظم ونفس القيم البالية ، ولا نقول اننا ننزلق من سيء الى اسوأ ، بل نقول اننا على الهاوية واقفين .
ان العنوان الأساسي هو عنوان الفشل، فمن السكتة القلبية بالأمس، الى السكتة الدماغية اليوم. كل شيء فشل. فشل نموذج (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) التي خبا حسُّها ولم نعد نسمع عنها شيء ، وفشل ( نموذج التنمية – رغم انه لم يكن هناك نموذج يستحق تسميته باسم النموذج ) باعتراف الملك ، وفشلت مختلف تجارب ( الديمقراطية ) ، وبقيت نفس الدساتير المنسوخة منذ الستينات والى 2011 ، وضاعت آمال الجماهير الشعبية بالمساوات والعدالة والعيش الكريم .
لقد أضاع النظام المغرب وليس فقط الصحراء . وفي غضون ثلاث سنوات او اقل ، سيعرف المغرب الصدمة الكبرى التي سيكون دويُّها اكبر من دوي الرعد ، وبرقها سيحرق مساحات شاسعة ، فكل شيء آيل للتلاشي ، وكل شيء آيل للسقوط ، ولم يعد هناك مجال للتدارك ، لانه ضاعت فرصة التدارك ، وما يحضر اقوى مما يتصوره المرأ . ولا مناص من تكرار مماليك الطوائف . التاريخ يعيد نفسه في المرحلة الأولى في شكل مأساة ونحن نعيشها اليوم ، ويعيد نفسه في المرحلة الثانية في شكل تراجيديا ، وهي التي نحن مقبلون عليها في غضون الثلاث سنوات او اقل .
ان السبب في كل هذا ، استمرار سياسة الكذب ، الخداع ، الوهم ، الإيهام للإلهاء .

الجزائرية للأخبار

أضف تعليقك

اضغط هنا لإضافة تعليق