المغرب الكبير

الباجي قائد السبسي الرئيس الذي يكرر نفسه .

Beji Caid Essebsi, Tunisian leader of the main anti-Islamist party Nidaa Tounes and presidential candidate, gives a speech during a campaign meeting on November 15, 2014 in the capital Tunis. A total of 27 candidates are set to compete for the role of president, with former prime minister Beji Caid Essebsi, 87, widely tipped as one of the frontrunners. AFP PHOTO / FETHI BELAIDFETHI BELAID/AFP/Getty Images

فريد العليبي
ـــــــــــــــــــ

الأزمة العامة.
الأزمة في تونس متعددة الأبعاد فلم تعد اقتصادية فقط بل إنها تشمل الآن السياسة ‏والأخلاق والثقافة أيضا ‏، إنها أزمة عامة ومن ملامحها اهدار الثروة الوطنية ‏وارتفاع الأسعار وتدنى قيمة الدينار ونضوب ‏الخزينة من العملة الصعبة وتفاقم ‏المديونية والبطالة والانتفاض الاجتماعي والانتحار واستهلاك ‏المخدرات وتفشي ‏الجريمة والارهاب وانهيار الصحة والتعليم الخ.. والانقلابات السياسية داخل ‏الأحزاب ‏والبرلمان والحكومة وتدخل القوى الدولية والاقليمية وتلاشي السيادة ‏الوطنية وسيطرة الخرافة والشعوذة ‏والفردانية والاتكالية واللامبالاة .‏

رئيس يكرر نفسه .‏

‏وفي مواجهة هذا الوضع أضحى رئيس الجمهورية يكرر نفسه في كل مناسبة ‏يطل فيها على الشعب مثلما ‏حصل اليوم أثناء احتفالية 20 مارس في قصر قرطاج ‏دون تقديم أية حلول فعلية مما يعنى استفحال ‏الأزمة التى أصبحت أقوى من الحكام ‏ومن هنا تفشي انعدام الثقة بينهم وبين المحكومين .‏

تقدير مبطن لحكم بن على .‏

ولم يفعل السبسي اليوم غير توصيف هذه الحالة العامة فالوضع صعب وصعب ‏جدا كما قال والاحباط في ‏أوجه بين التونسيات والتونسيين فنسب النمو والتشغيل ‏والانتاج الخ …كانت قبل رحيل بن على أفضل مما ‏أصبحت عليه بعده وهو ما يعد ‏اعترافا صريحا بالفشل من ناحية وتقديرا مبطنا لـ “منجزات ” حكم بن ‏على من ‏ناحية ثانية. ‏

الخارج والداخل ‏

‏ ولم يجد السبسي من عزاء الا في ما قالته برقيات رؤساء أمريكا وفرنسا ‏وألمانيا حيث كلمات ديبلوماسية ‏تتغنى بديمقراطية تونس الناشئة والتحديث العميق ‏وهو الرجل الذي ينتمى الى مدرسة سياسية وضع ‏أسسها بورقيبة كثيرا ما تستمد ‏رضاها عن النفس لا من الداخل وإنما من الخارج وخاصة من أوربا ‏وأمريكا . ‏

نجاحات الرئيس .‏

من بين النجاحات التى إفتخر بها السبسي إرجاع تماثيل بورقيبة الى الساحات ‏العامة والحفاظ على ‏الديمقراطية التى قال إنها تعني لديه الانتخابات ويبدو أنه لا ‏يدرك معنى الديمقراطية في أبعادها السياسية ‏والاقتصادية والاجتماعية لذلك ‏يختزلها في الصندوق الانتخابي وما يوضع فيه من أوراق وهو ما جعله ‏مرة ‏أخرى يذكر بتفويض الشعب له ولحزبه والمتحالفين معه لممارسة السيادة بإسمه ‏متغافلا عن ما حف ‏بالانتخابات من مشكلات من بينها زيف التزكيات وتحكم ‏المال السيالسي والاعلام الفاسد والتمويل ‏الخارجي ومقاطعة طيف واسع من ‏التونسيين والتونسيات لها تسجيلا واقتراعا .‏

المسؤولية ‏

لمح السبسي الى تعففه في البداية عن تحمل المسؤولية الحكومية عندما دعاه فؤاد ‏المبزع لرئاسة الحكومة غداة ‏هروب بن على ولكنه سرعان ما أدرك أن ‏الضرورة تقتضي ذلك فلبى نداء الواجب كأنما في مطالبة ‏للتونسيين والتونسيات ‏بشكره على ما قام به عوض الشتائم التى واجتهه ومن بينها اتهامه بأنه ” زعيم ‏مافيا ‏لا رئيس دولة ” !!‏
غير أن الرجل يناقض نفسه فهو يقول في نفس الوقت أن المسؤول عن الأوضاع ‏الحالية التى اعترف بأنها ‏‏” محبطة ” هو ” الجميع ” و” الكل ” مما يعنى أنه لا ‏يعترف بمسؤوليته الرئيسية عن الأزمة التى تعصف ‏بالبلاد باعتباره ” رئيس دولة ” . ‏

كعب أخيل. ‏

قال السبسي إنه وجد منذ البداية الحل للأزمة في ” التجميع ” والتأليف بين القلوب ‏فكانت حكومة الوحدة ‏الوطنية المستنسخة عن حكومة الوحدة القومية البورقيبية ‏خلال الخمسينات من القرن الماضي ، محيلا ‏بذلك الى سياسة ” التوافق ” بين اليمينين ‏الليبرالي والديني والتضحية بحلفاء الأمس من اليساريين الليبراليين ‏الذين شكل ‏معهم تحالفا لم يدم طويلا تحت اسم جبهة الانقاذ غيرأن ذلك التجميع ربما كان ‏كعب أخيل ‏حكمه فقد ظلت سلطة التوافق عاجزة مترددة تتبادل الترضيات ‏والمنافع بينما تفاقمت الأزمة. ‏

مخاتلات الرئيس ‏

الباجي يخاتل ولكنه يفعل ذلك وهو في العراء ، إنه لا يريد ولكن المختصين ‏يريدون، ناصحين بتحوير ‏الدستور وتعديل النظام الانتخابي وهو لا يصوغ الاتفاقيات ‏ولكن الأحزاب والمنظمات هى من صاغ ‏اتفاقية قرطاج ، هو يحترم الدستور ‏ولن يغيره ولكن مصالح الشعب التونسي تفرض ذلك التغيير ، هو لا ‏يريد حسم ‏ملف المحكمة الدستورية المعلق منذ مدة ولكن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي وهو ‏غير راض ‏عن بعض الهيئات الدستورية فقد تذمر يوما من قوة ” العزري ” أو ” ‏القبضاي ” التى تفوق قوة سيده . ‏ولا شك أن التونسيين يتذكرون مخاتلات بورقيبة ‏وبن على المندرجة ضمن المجال ذاته قبل أن تصبح ‏سلطتهما مؤبدة ‏.‏

العصا الغليظة ‏.‏

قال السبسي أنه منذ 14 جانفي 2011 تاريخ هروب بن على لم تطلق رصاصة ‏واحدة ضد الاحتجاجات ‏الشعبية ولكن ذاكرة التونسيين تحتفظ بأسماء شبان ‏كثيرين استشهدوا أو جرحوا في جهات مختلفة وتم ‏أحيانا لوم الرصاص المرتد ‏وأحيانا أخرى تحميل المسؤولية لأمنيين تصرفوا بمفردهم مثلما هو الحال ‏خلال ‏انتفاضة سليانة التى قمعت باستعمال ” الرش ” أو لسيارات منفلتة دهست محتجا ‏هنا وآخر هناك ‏وأغلق الملف ‏.

الحاضر الغائب ‏

الحاضر الغائب أو المغيب خلال الحفل كان رئيس الحكومة وهو من ابتسم مرة واحدة عندما لمح الرئيس ‏في خطابه من بعيد وبعيد جدا الى حكومته ، كان واضحا أن الشاهد قد أضحى من الماضي ، وهو الذى لا ‏تلتقي سفنه مع رياح ابن الرئيس الذى جلس الى جانب شيخ الاسلام السياسي راشد الغنوشي . ‏

المعركة القادمة

من المرجح أن تكون تلك المعركة بين اتحاد الشغل والإسلام السياسي وسينخرط فيها ما بينهما وربما انشطرت فيها ‏مؤسسات وانقسمت على نفسها ، وما اعتقد السبسي أنه نجح فيه سيتكشف باعتباره معضلة . كان لافتا ذلك ‏الحضور ” المتجهم ” للغنوشي والطبوبي أثناء متابعة خطاب بدا كما لو أنه من زمن انتهى دون أن ينتبه ‏الى ذلك المعنيون بالمستقبل . ‏