أحوال عربية رأي

متى يصبح اسقاط النظام مطلوبا ؟

صلاح المختار
ـــــــــــــ
من بين اهم الاسئلة التي تطرح كثيرا وتثير نقاشا ما يلي : متى يصبح شعار اسقاط النظام مشروعا ومطلوبا ؟ للجواب من الضروري مناقشة الوضع العام الذي يطرح هذا الشعار او ذاك في بيئته لانها تحدد صوابه او خطأه .

1-يلاحظ ان اسرائيل الشرقية تقوم باعتماد الطائفية كوسيلة اساسية لاختراق الدولة العربية ولتفتيتها ،بامتلاكها كتل طائفية داخل قطر ما تحصل على ادوات تدمير القطر من داخله او اقلاقه وفتح ثغرات فيه تستخدمها لتحقيق المزيد من التأثير فيه ، وتغليب الهوية الطائفية على الهوية الوطنية يفضي الى نتيجتين خطيرتين : الاولى هي تقسيم العرب الى سنةل وشيعة ومسيحيين وصابئة ويزيدية وغيرها فيفقد العرب القوة الشعبية الموحدة الضرورية لمواجهة واحباط هجمات الاعداء ،ويصبح ممكنا العثور على من يتعاون مع الاعداء ضد وطنه وامته وهنا تتعرض معايير الديمقراطية للتجميد لان الارتباط بقوة اجنبية معادية يحول الحالة الى تجسس او خيانة او تهديد بهما . اما النتيجة الثانية فهي ان تغليب الهوية الطائفية على الهوية الوطنية يؤدي الى نقل الولاء من الوطن الى مرجعية طائفية خارجه مثل طهران ! اين اصبحت الوحدة الوطنية ؟ بل اين اصبحت الوطنية ذاتها ؟ وهو ما نلاحظه مثلا في العراق وسوريا واليمن ولبنان حيث حولت كتل عربية ولاءها من وطنها الى اسرائيل الشرقية وصارت تعمل ضد وطنها .

2-ما ان يتحقق هذا التشرذم الطائفي حتى يصبح ممكنا تغيير طبيعة الصراع في القطر فبدلا من الاستمرار في النضال في حالات عدم وجود تهديد خارجي من اجل الديمقراطية والحرية وانهاء الفساد والاستبداد والتبعية لقوى معادية يصبح الهدف هو دحر الطرف الطائفي الاخر بأي ثمن وطريقة ،وفي هذه الحالة نرى ان شعار اسقاط النظام في البحرين مثلا لم يتم تبنيه من قبل اتباع اسرائيل الشرقية فيها بهدف الاصلاح كما تروج الدعاية الايرانية واتباعها بل هدفه تجريد الحكومة من القدرة على مواصلة حفظ الامن والاستقرار فتنتشر الفوضى الهلاكة ،وهو شعار لا ينهي الطائفية بل يعززها لانه ينقل الصراع من العمل لازالة ثغرات في مسار الديمقراطية وحقوق الانسان ،وهي ثغرات يمكن اصلاحها ضمن القطر الواحد وفي اطار هويته الوطنية ،الى صراع هوية وهو ما يخرج المطاليب عن اطارها الديمقراطي والسلمي الى حروب اهليه بين هويتين متناقضتين .

وللتذكير فقط مادمنا نستخدم مثال البحرين فان المعارضة البحرينية كانت حتى عام 2010 تتبنى اساليب عمل ديمقراطية للاصلاح وترفض العنف كوسيلة لتحقيقه ولهذا اشتركت في انتخابات عام 2010 وحصلت على نسبة 40% من المقاعد في البرلمان وكانت راضية بهذه النتيجة واعتبرتها مكسبا كبيرا على طريق الاصلاح ولكن ما ان بدء ما يسمى ب(الربيع العربي) في عام 2011 حتى تغيرت المعارضة جذريا واصبحت تعمل لاسقاط النظام علنا وتمارس العنف ضد الشرطة والمؤسسات الحكومية وكانت النتيجة هي اشعال حرب عصابات .

4-في ضوء هذا المثال يمكننا معرفة ما هو ضار وما هو نافع للوطن ، فحينما تصل الاوضاع الى حمل السلاح والاشتباك مع الدولة تنفتح ابواب جهنم ويتحول الوطن الذي كان امنا ومستقرا وبغض النظر عن الاخطاء او الانحرافات الى مسرح للموت والعنف والارهاب الدموي وهو ما يشجع قوى دولية واقليمية على التدخل كطرف مباشر في الصراع ولهذا رأينا امريكا تدخل مباشرة داعمة الموقف الايراني صراحة تحت غطاء تحقيق مطاليب المعارض ! وكان الموقف الامريكي يصب المزيد من الوقود في نار الفتنة الطائفية ويدفع دولا اخرى مثل دول مجلس التعاون الخليجي للتدخل المباشر لمنع انهيار البحرين امنيا .

5- وعندما يصل الصراع في قطر ما مثل البحرين الى حد تهديد الهوية الوطنية بالذات وليس النظام السياسي فيه كما رأينا فان التطور هذا يفرض قواعد عمل اخرى اهم من الديمقراطية وهي قواعد حماية الهويتين الوطنية البحرينية والقومية العربية ومنع زوالهما بضم البحرين الى دولة اجنبية نتيجة وجود ذوي الاصول الايرانية بكميات ضخمة وبقي ولاءهم لوطنهم الاصلي وليس لوطنهم الجديد ،كما يوجد عرب تحول ولاءهم من الولاء للوطن الى الولاء للطائفة وهو يترجم حرفيا بالولاء لاسرائيل الشرقية . ولكي نزيل اي غموض يجب ان نذكّر بحق سيادي ومطلق وهو ان دول العالم المتقدمة والتي تطبق ديمقراطية اصيلة مثل بريطانيا وفرنسا وامريكا اخذت تسحب الجنسية من الذين اكتسبوها سابقا لممارستهم الارهاب ، وهذه الحجة مقبولة عموما لان اصل المواطنة وجوهرها هو جعل الولاء للوطن وليس للاصول العرقية او القومية السابقة ولا للطائفة .وهذا بالضبط هو نفس ما فعلته البحرين بصواب كامل عندما سحبت الجنسية من مواطنين بقي ولاءهم لاسرائيل الشرقية وطنهم الاصلي .

6- ما يجب لفت النظر اليه بقوة هو ان اسرائيل الشرقية وبواسطة اتباعها في البحرين وغيرها ولاجل اسقاط الانظمة يتبعون تكتيكا معروفا فيركزون دعايتهم على العمل على ادانة السعودية وبقية دول الخليج العربي ويحملون هذه الاقطار نتائج كوارثنا كلها في العراق وسوريا واليمن وغيرها ويستشهدون بدعم دول خليجية لامريكا ضد العراق وبنفس الوقت يلاحظ ان هذا النقد يستبعد اسرائيل الشرقية بل يمجدها بادعاء انها تقاوم امريكا واسرائيل الغربية رغم انها المسبب الاكبر لكوارثنا الان والشريك الاهم لامريكا ،في مسعى واضح لتضليل الشعب العربي وكسب دعمه. وعندما تنتشر هذه الدعاية الايرانية الصرفة تواجه دول الخليج وليس حكامها فقط احتمال انهيار الدولة القطرية عبر نشر الفوضى الهلاكة فيها !

هنا نصل الى جوهر الاهداف الايرانية واخطرها وهو تحشيد الرأي العام العربي او جزء منه ضد الانظمة الخليجية والسعي لاسقاطها ليس لتحقيق السلم والديمقراطية ،لان فاقد الشيء لا يعطيه فاسرائيل الشرقية خاضعة بصرامة لنظام ولاية الفقية وهو النظام الاكثر استبدادية في عصرنا ، بل هدفه تفريس البحرين اولا كمقدمة لضمها الى اسرائيل الشرقية التي تعد البحرين محافظة ايرانية لها مقعد في البرلمان الايراني !

الواقع الابرز هنا هو انه عندما يرفع شعار اسقاط النظام لن تكون نتيجته البديل الديمقراطي كما يقول انصار اسقاط النظم بل انتشار الفوضى الهلاكة وتوسع الصراعات الاقليمية وتعمقها وهو هدف امريكي غربي صهيوني ايراني مشترك وواضح جدا لانها تفضي حتما لتفتيت القطر وتمهد لتقسيمه او انهاء هويته الوطنية والقومية كما نراه الان في العراق وسوريا واليمن وليبيا وكما يعد الان لمصر وغيرها . ان شعار اسقاط النظام غير ممكن الا بترويج دعايات بعض اسسها صحيحة وهكذا تشيطن دول الخليج العربي بينما تجمل صورة اسرائيل الشرقية ونغولها العرب وبدلا من الاصلاح السلمي الذي يحافظ على الهوية الوطنية لدول الخليج العربي يصبح البديل الايراني هو المطروح للتطبيق .

وفي اللحظة التي يصبح فيها شعار اسقاط النظام في قطر عربي مقدمة تؤدي الى نشر الفوضى الهلاكة او تقسيم القطر يتحول من مطلب شعبي مشروع الى هدف استعماري تتبناه قوى معادية للامة العربية وللقطر ذاته ، فالمحافظة على الهوية القومية يعد الواجب الاول والاهم والذي يسبق اي واجب او ضرورة اخرى بما في ذلك الديمقراطية وحقوق الانسان مادام الوطن يتعرض لمخاطر التفتيت والغزو الخارجي وهو ما نراه واضحا وبلا غموض في العراق وسوريا واليمن وليبيا ،وهي امثلة تجعل وبلا تردد اي دعوة لاسقاط نظام عربي تحت غطاء الديمقراطية وحقوق الانسان هدفا يخدم مباشرة المخطط الامبريالي والصهيوني والايراني معا . وفي هذه الحالة فان دعم القطر العربي ضد محاولات التقسيم ونشر الفوضى فيه واجب قومي عربي مهما كانت طبيعة النظام السياسي فيه ،لان المطلوب ليس دعم النظام بل حماية الهوية القومية العربية لاي قطر عربي .

ويترتب على هذه الحالة الخاصة والمحددة واجب التنسيق مع النظام نفسه من قبل القوى الوطنية والتقدمية لمنع اسقاطه ليس لادامة سلبياته بل لحماية هوية القطر القومية العربية ومنع نشر الفوضى فيه ،وكما اشرنا مرارا فان تجارب العراق وسوريا واليمن وليبيا تكفي لحسم هذا الامر وتأكيد ان المحافظة على الهوية الوطنية والقومية اهم بمراحل من الديمقراطية وحقوق الانسان فاذا ضاع الوطن بتقسيمه او ضمه لدولة غير عربية لن تبقى هناك ديمقراطية ولا حقوق انسان بل سنواجه كما في الاحواز عملية تفريس منظمة مقرونة باشد انواع الاضطهاد العنصري وتجريد السكان من هويتهم القومية بالقوة .

نعم شعار اسقاط اي نظام يصبح ضروريا وواجبا عندما تفشل كافة اساليب النضال الاخرى السلمية وبشرط ان لايكون هناك تهديد خارجي مثل التهديد الايراني في حالة البحرين وان لا يؤدي ذلك الى فتح الابواب لدخول بديل اخر هو نشر الفوضى الهلاكة وتحويل القطر الى ساحة للتشرذم المستمر حتى ايصال القطر الى التمزق الكامل واغراء قوى خارجية للتدخل والاحتلال .

فوجود تهديد خارجي وارتباط من يريد التغيير واسقاط النظام بجهة معادية لها مطامع باقطار عربية مثل اسرائيل الشرقية يجعل شعار اسقاط النظام عملا يخدم العدو ويلحق ضررا فادحا بالامة كلها ولا يحقق الاصلاح ولا ينهي الفساد والاستبداد .هذا هو موقفنا الواضح والثابت منذ بدأت مشكلة البحرين في زمن الشاه وحتى الان ولم نتغير ابدا ولن نتغير وسيبقى موقفنا هو دعم عروبة البحرين والنضال ضد كل ما يهددها ويفتح الثغرات للتدخل الايراني ولضم البحرين لاسرائيل الشرقية . وما يبقى هو النضال من اجل الديمقراطية بوسائل سلمية والابتعاد الكلي عن التأثيرات والمصالح الايرانية وابقاء هدف حماية هوية البحرين العربية سائدا وطاغيا على اي هدف اخر في ذلك القطر العربي مادام التهديد الايراني قائما .