أمن وإستراتيجية تحقيقات

إرهاب الذئاب المنفردة؛ خطرٌ داهمٌ أم مبالغات دولية؟

سعود الشرفات
ــــــــــــــــ
تعتبر ظاهرة الذئاب المنفردة ظاهرة متخطية للإيديولوجيات والأديان ومرتبطة وعلى علاقة مباشرة وقوية كما هي ظاهرة الإرهاب نفسها بسيرورة العولمة وآلياتها التكنولوجية والثقافية.

غير أن ظاهرة إرهاب الذئاب المنفردة أعقد وأكثر إشكالية؛ وتحولت لتصبح ظاهرة قارة وخطيرة جداً، خاصة بعد ظهور تنظيم القاعدة، ثم داعش.

ولقد انتشرت الظاهرة في حقبة العولمة المعاصرة، لأنه بات من المعروف والمؤكد أن تنظيم القاعدة ومنذ عام 2011م؛ ثم داعش مستخدما سيرورة العولمة وآلياتها التكنولوجية قد حفّزَّ ودعا إلى حرب مفتوحة (للذئاب المنفردة، حتى ولو لم يسمها كذلك) على كافة الأعداء دون انتظار التوجيه أو الأوامر من القيادة.

رغم أن بعضاً من الباحثين حاول كما هي عادة بعض الباحثين بتتبع جينولوجي الظواهر القول بأن الظاهرة ليست حديثة، وأنه لطالما ارتكب أفراد منفردين أعمال إرهابية أو شجّعوا عليها([1]).

ولعل فورة حركة البحث والنشر المعاصرة وخاصة في أمريكا والدول الأوروبية في الظاهرة تأكيد على ذلك، خاصة وأن جل هذه الحركة كُرِسَّ لإرهاب الذئاب المنفردة في تنظيمات القاعدة وداعش.

و هذا ما يفسر الشكوى العامة من قبل الباحثين من قلة، ونقص أدبيات وأبحاث هذه الظاهرة في أدبيات الإرهاب العالمي قبل ظهور تنظيم القاعدة وتنظيم داعش([2]) وتحديداً في عالمنا العربي والإسلامي، والتركيز على الجانب السلوكي من الظاهرة، كما في عدد من الدراسات (شرماك، فريلش، وسيمون 2010، كابلان 1997، رامون سباج 2010، ويتس وشورز1999، مايكل 2001، وليم 2011([3]).

قد يبدو السبب في قلة الاهتمام بدراسة ظاهرة الذئاب المنفردة الى مقاربة الباحثين لظاهرة الإرهاب نفسها على أنها ” عمل جماعي، ومنظم، وضمن تراتبية”([4]) كما في الجماعات والمنظمات، ولم يلتفتوا إلى إمكانية الأفراد في تنفيذ أعمال متوحشة.

ولعل أسوأ ما في الدراسات الغربية -خاصة الأمريكية – هو انها تقارب المسألة من قاعدة النظريات ” الوضعّية ” وبما يتناسب مع “المدرسة الواقعية “في السياسة والعلاقات الدولية، وذلك حينما تنظر إلى الظاهرة كمرضٍ خطيرٍ ومعدٍ؛ ولذلك من الضروري البحث له عن علاج مسكن على الأكثر، دون البحث في العمق عن الأسباب، لأنها تنظر اليه كنوع من “تقيم المخاطر” بالمعنى الاقتصادي الضيق وبما يفيد في آليات مكافحة الإرهاب وبرتوكولاته الجامدة التي عادة ما تتجلى في الخيار الأسهل والأعنف بنفس الوقت؛ واقصد إعلان شن الحرب بالمعنى العسكري. ومثالها الواضح “الحرب على الإرهاب ” أو التحالف الدولي ضد إرهاب داعش”.


الخطر الداهم

على عكس التبسيط والتسطيح والاستخفاف بالذئاب المنفردة والادعاء بأنهم بلا إرادة وجهلّة ومرضى نفسيين وعاطلين عن العمل وغيرة من رطانات الشيطنّة لهم؛ فإن الدّراسات الكمّية الرصينة تثبت العكس، والأهم أن عمليات الذئاب المنفردة لم تكن أبداً متهورة أو مفاجئة.

ورغم أن إرهاب الذئاب المنفردة لا يزال يشكل نسبة قليلة من عدد العمليات الإرهابية، حيث كان يشكل ما نسبته (1,28%) عام 2011م في أوروبا وأستراليا([5]) إلا أنه بات اليوم يشكل ظاهرة مرشحة للتوسع، ويتفرع عنها عديد الاتجاهات الفرعية والعظمى.

و هناك اتفاق بين باحثي الظاهرة بأنها باتت تشكل خطراً داهماً، ووشيكاً، ومرشحة للزيادة في الغرب، وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وذلك نظراً لصعوبة التنبؤ بهجماتهم ومكافحته بفعالية، وهو أمر تتفق عليه كافة الأجهزة الأمنية والاستخبارية في العالم مهما كانت هذه الأجهزة فعّالة وقوية.

وتركز الأجهزة الأمنية والاستخبارية، والدراسات والأبحاث في مراكز الدراسات والأبحاث العالمية وفي الكثير من الجامعات في الغرب حالياً على دراسة ظاهرة إرهاب الذئاب المنفردة الإسلاموية (القاعدة، داعش) بحكم سيطرتها على المشهد العالمي حالياً، لكن مع مقارنته مع إرهاب اليمين المتطرف في أمريكا وأوروبا الغربية.

في دراسة تحليلية لظاهرة الذئاب المنفردة الإسلاموية في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية لـ(سارة تيش) – الباحثة في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب خلال الفترة من 1990-2013م وجدت أن هناك (5) اتجاهات مهمه، وهي([6]):

1- زيادة عدد الدول التي تعرضت للإرهاب خلال الفترة من 1990-2000.

2- زيادة عدد الأشخاص الذين قتلوا وجرحوا في هذه العمليات.

3- زيادة فعالية الأجهزة الأمنية الأمريكية في مكافحة إرهاب الذئاب المنفردة.

4- كثافة واتساق في توزيع الهجمات.

5- زيادة في عدد الهجمات التي استهدفت القطاعات العسكرية.

وفي دراسة أخرى أعدها (جيل. بي، هوريجن. جي، وديكارت. بي، 2014)([7]) تناولت حالة 119 عملية في أمريكا وأوروبا الغربية، بمقاربة تناولت الخصائص الاجتماعية -الديمغرافية (العمر نسبة 70% أعمارهم ما بين 21-30سنه)، الجنس معظمهم ذكور (96.6%)، العمل 40% منهم كانوا عاطلين عن العمل، ، التعليم 8% يحملون درجة الدكتوراه، و6% يحملون الماجستير، و22% منهم يحملون درجات جامعية أو كليات عليا، الوضع العائلي (50% منهم عزاب، و24.5% متزوجون)، الروابط الأسرية 27.7% لديهم أطفال)، والسلوكيات التي سبقت تنفيذ عملياتهم الإرهابية، حيث تبين أن ما نسبته 20% تحولوا إلى الدين قبل تنفيذه أعمالهم الإرهابية، وما نسبته 37.3% منهم لتنظيم القاعدة (سلوكه اليومي الروتيني، مع الآخرين قبل تنفيذ العملية، سلوك خاص بأسلوب التنفيذ، ومن هم الذين استهدفهم، أحداث سبقت التنفيذ، خبرات عسكرية سابقة 26% منهم لديهم خبرات عسكرية، و23% من هؤلاء لديهم خبرات عسكرية حربية فعلية، ملفات جرمية وجنائية سابقة في الاعتقال والتوقيف أو الإدانة، تبين أن النسبة كانت 41.2%، الصحة النفسية، تبين أن ما نسبته 31.9% كان لديهم مرض نفسي واضطراب في الشخصية)، وليس العوامل السلوكية فقط التي تم تناولها في عدد من الدراسات([8])، وهل يختلف هؤلاء بناء على مبرراتهم الإيديولوجية (حيث تبين أن 43% منهم كانوا متأثرين بتنظيم القاعدة، و34% باليمين القومي المتطرف).

وتوصلت الدراسة الى (7) نتائج هي:

1- ليس هناك ملف رسمي محدد.

2- يسبق العمليات خبرات عملية، ونشاط واسع للذئاب.

3- عدد كبير منهم (لكن ليس كلهم) معزولين اجتماعيين.

4- عادة ما يرتبطون بنشاطات يمكن اكتشافها وملاحظتها مع جماعات ضغط أوسع كالجماعات الإرهابية أو الحركات الاجتماعية.

5- نادراً ما تكون عمليات الذئاب المنفردة متهورة أو مفاجئة.

وذلك يظهر من خلال المؤشرات الكمية التي توضح أن 29% من الذئاب المنفردة قاموا “بعمليات وهمّية” سابقة للتدرب على عملياتهم قبل تنفيذها، كما أن 21% تلقّوا تدريبا فعليا على استخدام الأسلحة، و46% تعلموا من خلال المصادر المفتوحة.

والخطير في الأمر أن 50% منهم وجد في منازلهم وممتلكاتهم الشخصية بالتفتيش من قبل الأجهزة الأمنية كتب ومنشورات وإرشادات عن كيفية صناعة المتفجرات.

6- هناك فروقات ملحوظة في إرهاب الذئاب المنفردة، وبين الجماعات الفرعية الإرهابية.

ويظهر ذلك من خلال تتبع إرهاب الذئاب حسب التقسيم الثلاثي للجماعات الإرهابية حسب الأيديولوجية المحركة، وهي: اليمين المتطرف، القاعدة وتوابعها، والقضايا المحددة (حقوق الحيوان، معارضة الإجهاض، والدفاع عن البيئة). وهذا يعني ضرورة التأكيد بأن إرهاب الذئاب المنفردة ليس واحداً ويحتاج مقاربات مختلفة خاصة في مسألة مكافحة الإرهاب.

على سبيل المثال، فإن ذئاب تنظيم القاعدة هم الأصغر سناً بمعدل 26 سنة بينما العمر هناك 36سنه، والأكثر تعليماً بنسبة 17.3% جامعيون، بينما تبلغ النسبة عند ذئاب اليمين المتطرف 5% فقط، والقضايا المحددة 4.8% فقط. ونسبة من يعانون من تاريخ في الأمراض النفسية هي الأقل بنسبة 25%، بينما تبلغ 52% عند جماعات القضايا المحددة، و30% عند ذئاب اليمين المتطرف.

كذلك هم الأقل بطالة عن العمل بنسبة 30.8% بينما تبلغ نسبة البطالة عند ذئاب اليمين المتطرف 50%، والقضايا المحددة 38%.

طبعاً هناك ضرورة للإشارة عند تناول هذه الأرقام والمؤشرات الأخذ بعين الاعتبار المؤشرات الكلية لمستويات العمل والشغل والبطالة والتعليم، حتى الصحة النفسية في البلد المعني؛ ذلك أنه من المؤسف عدم الإشارة إلى ذلك في كافة الدراسات التي أطلعنا عليها.

7- يعرف الجمهور عن معظم حوادث الذئاب المنفردة وعن شعورهم بالظلم، وأيديولوجيتهم المتطرفة، ووجهات نظرهم في الفترة الزمنية قبيل ارتكابهم لعملياتهم الإرهابية.

ولقد تبين أن هناك نسباً عالية جداً من معرفة أو إدراك لنوايا هؤلاء، سواء عبروا شخصيا عنها أو ظهرت عليهم؛ فمثلاً 58.8% منهم عبروا سواء من خلال التصريحات العامة في الصحف أو الشعارات عن أفكارهم، (ولكن ليس بالضرورة نية تنفيذ العمل الإرهابي)، قبل تنفيذ أعمالهم الإرهابية، و82.4% كان المحيطون بهم يعلمون ويعرفون أنهم يعانون من الظلم، و79% كانوا معروفين بالتزامهم بإيديولوجيا متطرفة، والأخطر أن 63.9% منهم كان لدى عائلته وأصدقائه علم بأنه سينفذ أعمال إرهابيه، لأنه شخصيا أخبرهم شفويا بذلك ؟، و24% منهم كان لهم عائلات وشركاء ملتزمون مع جماعات متطرفة ساعدت في إلهامهم لتنفيذ إعمالهم الإرهابية.

وأعتقد بأن هذه النقطة مهمة في قضية مكافحة التطرف والارهاب من حيث الدوار التي يمكن أن يلعبها الأصدقاء والعائلة في مكافحة الإرهاب.

إنّ المؤشرات أعلاه خطيرة جداّ جهة أنها تدق ناقوس الخطر القادم وتؤشر إلى أن الظاهرة في اتجاهها للزيادة والانتشار وليس هناك ما يدل على إمكانية الحد منها حالياً.