في الواجهة

أردوغان والحلف الخفي مع البغدادي

 

 

لا يبدو  أن  بقاء دولة  البغدادي   وتمددها في السنوات الأخيرة   جاء  من فرغ أو من صدفة بحتة إنه مشروع كبير  إقليمي ودولي ساهمت  تركيا بالقسط الكبير فيه.

قالت صحيفة “ديلي بيست ” الأمريكية إن عملاء تنظيم “داعش” الإرهابي قاموا بنقل الأنانيب ونترات الأمونيوم وباقي مواد تصنيع القنابل عبر الحدود التركية إلى سوريا فيما يتعمد حرس الحدود التركي غض النظر عن ذلك، مضيفة أن أنقرة خلقت وحش داعش وتعجز حاليا عن مواجهته، ولا يبدو أنها على استعداد لفعل أي شيء لوقف تلك المهزلة، موضحة أن سياسات الحدود المتهاونة التي تبنتها تركيا خلال الأعوام من 2011 وحتى 2014 مكنت المتطرفين الراغبين في السفر إلى سوريا والانضمام لصفوف المسلحين لقتال الجيش السوري.

وتشير الصحيفة الأمريكية إلى أن تركيا أنهت سياسة الحدود المفتوحة العام الماضي، ولكن ليس قبل أن تصبح حدودها الجنوبية نقطة عبور للنفط الرخيص والأسلحة والمقاتلين الأجانب والآثار المنهوبة، ما ساعد على ظهور شبكات المهربين على طول حدود 565 ميلا مع سوريا.

 

  کانت تركيا في السنوات القليلة الماضية أهم عامل في بقاء تنظيم داعش الإرهابي على قيد الحياة، وتسببت في قوة هذا التنظيم بطرق عديدة. وعلى هذا الأساس، وعلى الرغم من تحوّل داعش إلی تهديد إقليمي وعالمي، وممارسة الضغوط على تركيا بسبب نهجها تجاه هذا التنظيم الإرهابي، رفضت أنقرة تغيير نهجها بشکل جاد. مع ذلك، وبعد مضيّ نحو أربع سنوات علی الأزمة في سوريا، وبروز متغيرات جديدة على السياسة الإقليمية، وخاصةً تدهور الوضع الأمني في تركيا، اضطر قادة هذا البلد إلى إجراء تغييرات في سياستهم تجاه داعش.

 

لقد تجنّب المسؤولون الأتراك في مواقفهم وصف تنظيم داعش بالإرهابي، وعارضت أنقرة أکثر من مرة العمل العسكري ضد هذا التنظيم، وأظهرت قدراً كبيراً من المرونة تجاه إجراءات داعش. وکانت تركيا تعلن أن سبب هذه الإجراءات هو الرهائن الأتراك المحتجزون لدی داعش، وکانت تحاول الابتعاد عن المواجهة مع داعش حتى في وسائل الإعلام.

 

الأسباب التي تؤکد مساعدة تركيا لتنظيم داعش الإرهابي

 

هناك العديد من الأسباب التي تبيّن أن تركيا قد لعبت دوراً هاماً في مساعدة داعش:

 

الأول، هو أن تركيا تشترك في حدود بطول ١٢٠٠ كلم مع سوريا والعراق. وهذا البلد يرسل المقاتلين الأجانب من أراضيه إلى هذين البلدين للانضمام إلى داعش. کما ترسل تركيا شحنات من الأسلحة إلی داعش في سوريا، وتعالج جرحى هذا التنظيم الإرهابي في مستشفياتها، وفنادقها في المدن الحدودية تستضيف الإرهابيين.

 

الثاني، هو تجاهل السلطات التركية لنموّ التجارة غير المشروعة علی حدودها، والتي تصبّ في مصلحة داعش. وهو الأمر الذي أكدته هيئة الأركان العامة التركية أيضاً، وطالب نواب البرلمان التركي الحكومة بتقديم إيضاحات حول ذلك. فاستناداً إلى تقارير وسائل الإعلام التركية فإن الوقود المهرب من داعش، يتم شراؤه بسعر منخفض، ويباع في الداخل الترکي بسعر مرتفع.

 

ثالثاً، غياب اتخاذ إجراءات من قبل تركيا لمنع دخول الإرهابيين والوقود، الأمر الذي يشير إلی تورط أنقرة في ذلك. فقد نفت الحكومة التركية تقرير صحيفة نيويورك تايمز عن شراء النفط من داعش، في حين أنه وفقاً لتقرير هذه الصحيفة الأمريكية، أكدت أجهزة الاستخبارات الغربية دخول شحنات النفط غير القانونية إلى تركيا، من المناطق التي يحتلّها تنظيم داعش الإرهابي في شمال العراق.

 

رابعاً، تجاهل الشرطة في تركيا أنشطة داعش وتحركاته الملموسة والمتنامية، سواء في إعلان الانتماء إلی داعش وتعليق علمه من نوافذ المنازل والسيارات في بعض المناطق، أو في استقطاب الشباب التركي.

 

دورانٌ في السياسات الترکية

 

تدريجياً حدثت في ٢٠١٥ تطورات في سوريا وتركيا، خلقت للأخيرة تحديات خطيرة، واضطرتها إلى إجراء تعديلات في سياساتها السابقة تجاه داعش. وکان من بين هذه التطورات، تزايد قوة الأكراد في شمال سوريا وسيطرتهم على أجزاء كبيرة من الحدود السورية التركية، وبالتالي شعور تركيا بالخطر جراء إمکانية تحوّل داعش إلی تهديد إقليمي ودولي، وزيادة الضغوط على أنقرة للتخلي عن دعم داعش وإضعاف الموقع السياسي لحزب العدالة والتنمية في الداخل الترکي والانتخابات البرلمانية بالتالي. بالإضافة إلى ذلك، فإن التقدّم البري للأكراد كان يعتبر تهديداً خطيراً لمدينة الرقة، التي يعتبرها داعش مقرّه الرئيسي وبدأ منها توسّعه في سوريا والعراق.

 

في مثل هذه الظروف، اضطرّ اردوغان لتبني قرارات جديدة. وأهم هذه القرارات کان السماح باستخدام قواعدها من قبل أمريكا ضد تنظيم داعش وخاصةً قاعدة انجرليك، وإعلان مشاركتها في الحرب ضد داعش. وکان هذا القرار يعتبر بمثابة تراجع تركيا عن سياساتها السابقة تجاه داعش. ومع ذلك، يری الكثير من المراقبين أن التحرکات العسكرية الجديدة لتركيا تستهدف الأكراد وحزب العمال الكردستاني، أكثر من استهدافها لداعش. وهكذا في المجموع، على الرغم من أن العلاقة بين داعش وتركيا قد تضاءلت بالقياس إلی  الماضي، ولكن ليست هناك مؤشرات علی حدوث اشتباكات حقيقية بين الجانبين، وإرادة تركية جادة لمكافحة هذا التنظيم الإرهابي.