ثقافة رأي

بمناسبة عيد المعلم العربي ـــــــــ نادية خلوف

أكتب للتّاريخ، وحسب اسم المناسبة فهي يوم للمعلم العربي حصراً.

كلما دخل بيتنا مستبد انخفض مستوانا التعليمي والعلمي، ولولا أن معلماتي في المرحلة الابتدائية قد أعطوني مبادئ النحو لما كنت أعرف المنصوب من المفعول، حيث كانت معلمتنا في الإعدادية هي المديرة في نفس الوقت، ولم تمرّ حتى مروراً على قواعد اللغة. كانت مشغولة بالنّاصرية.
انتسبت إلى دار المعلمات وكنت في الرابعة عشر من عمري. كان ذلك منتصف الستينيات، وجميع من قبل في الدار لم يكن بالمحسوبية يومها. بل أخذوا حينها حسب تدرج العلامات في الإعدادية، وربما كان هناك محسوبية لكنّها قليلة إلى درجة أنها لم تظهر، لكن كان هناك شرط أساسي غير اللغة هو اللفظ السليم عند المتقدم، وكانت خريجات الدّار مؤهلات للتعليم الابتدائي من حيث المبدأ. كما كان يوجد شعب رياضية وموسيقية، وحتى نحن الذين اخترنا الشعب العامة كان مطلوب منا أن نجيد قراءة النوتة وعزف بعض الأناشيد، وممارسة التمارين الرياضية، وكنت من المميزات في الرياضة على الحصان الخشبي.
وماذا بعد؟
أتت الحركة التّصحيحية، وصحّحت المسار، وبالتدريج فقدت اللغة العربية قواعدها وحروفها، وفي تلك المرحلة كنت أعلّم في عامودة والقامشلي، تغيرت سحنة المعلم فأصبح المدير يعين من قبل الأمن وكذلك نائبه، وحتى الآذن، وليس هنا المصيبة بل فيما يعلّمه المعلم، فالمناهج حتى الرياضيات موضوعة على مقاس الحركة التصحيحية، وهناك حصص لطلائع البعث، وهذا ليس مشكلة فلا زال الكثير من المعلمين الكلاسيكيين يشدّد على اللغة العربية، والرياضيات، ولم يكن يوجد لغات أخرى يومها.
لم يستمر ذلك طويلاً، فأتى الغزو السّاحلي من المعلمين، والغزو المحلي من المنتفعين، وفي تلك الفترة كل الذين قبلوا في في الصف الخاص من ذوي المحسوبيات، وربما لا يفقه أكثرهم حتّى بالجمع والطرح.
كان هناك فرق بين من يأتون من السّاحل، فبعضهم يستلم إدارة، وبعضهم يعيّن في القرى، ويقدم لهم أهل القرية الطعام والشراب والسّكن ويسافرون بمزاجهم عندما يشتاقون لأهلهم، وكان المتنفذين من أهل القرى -العربية والكردية- يقدمون الخدمات طوعاً، وأحياناً يحظون بعلاقة ما.
تنبّه الجيل السابق إلى أنّ المدرسة لا تعطي العلم، لذا قاموا بإرسال أبنائهم شكلياً إلى المدرسة، و عوّضوا ذلك بتدريسهم في المنزل، وكان ابني في المرحلة الابتدائية عندما أتى مرة بمسألة حساب، وعندما انتهينا من حلّها. قال لي: تبدو صحيحة كما شرحتِ لي، لكن إن أتتني في الامتحان هل أحلّ كما علّمتني أنت وأخسر العلامة، أم كما علّمتني المعلمة؟ كنت أعرف أن حل المعلمة خطأ ، أردت أن أتأكد منك.
أتحدّث عن المرحلة الابتدائية التي هي أساسية، ففي تلك المرحلة تعلم التلميذ فن الرشوة، وتم تقديم الهدايا من الذهب لمسؤولي الطلائع، وحتى في عيد المعلم كانت الرشوة مقبولة.
تركت التعليم في الثمانينيات وانتسبت إلى نقابة المحامين، وتمنيت لو أنني لم أترك التعليم فرغم كل ما قلت عنه تجاوز الفساد في المنظومة القضائية والقانونية الحد، وكان من أفسدها نقابة المحامين منذ أن انتسبت لها إلى أن أجبرت على ترقين قيدي منها.