أحوال عربية

آل سعود مظلومون دائما

 

 توصف  مملكة آل سعود  بأنها دولةٌ عاقلة وصابرة على الاستفزازات الإيرانية منذ ثلاثين عامًا، وهي دولة حاميةٌ للإسلام حارسة للعقيدة، ودولة الدفاع عن العروبة وعربها، حصن السنة الحصين وقلعتها الشاهقة، دولة قررت وضع حدٍ للتجاوزات والاعتداءات الإيرانية دفاعًا عن ثرى العرب وحضارتهم، وأن عجز موازنتها ناتج عن عطاءاتها وتضحياتها بلا حدود في معركة البقاء للإسلام والعروبة، هذه بعض الخرافات التي يمتصها العقل الإسفنجة، ولكن الخرافة الأشد بشاعة هي أنّ السعودية دولة أصلًا، أو أنّ تلك العائلة تملك رؤيةً أو قرارًا. يقول فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير “في نهاية التاريخ ليس ثمة منافسون أيدلوجيون للديمقراطية الليبرالية”، وبغض النظر عن تعارض هذا الاستنتاج مع التطور البشري وصيرورة التاريخ، فإنّ الحقيقة أننا لن نجد في بداية التاريخ أو نهايته منافسًا للعائلة السعودية إلا في المسلسلات البدوية، طبعًا مع الاحترام الشديد لتلك الدراما على هذا التشبيه الجائر.

 

حتى خرافة بحجم أنّ عملية حزب الله في مزارع شبعا ضد العدو الصهيوني هي في إطار تخفيف الضغط عن إيران، وبالمناسبة هي ليست ردًا على اغتيال الشهيد سمير القنطار، حيث أن بيان الحزب لم يقطع بذلك، كما أن التكتم “الإسرائيلي” على خسائره في العملية يطلق يد الحزب لعملياتٍ تالية، فكما قال السيد نصرالله بعد الصفقة الأخيرة للتبادل قبل صفقة إطلاق سراح سمير القنطار، سيعرف الصهاينة “أنهم حمقى لأنهم رفضوا إطلاق سراح سمير القنطار”، وهذا ما سيعرفونه أيضًا لأنهم لم يعترفوا بخسائرهم أو لم يضخموها ولو كذبًا، حتى تكون ردًا لائقًا بالشهيد أولًا وبهيبة الحزب وقدرته ثانيًا. وتظن “إسرائيل” كعادتها بأنّ تخفيض حجم الخسائر والتقليل من قيمتها يصب في خانة الحرب النفسية لصالحها، ولكن مع عدوٍ كحزب الله ستظل هذه السياسة دليلًا قاطعًا على حماقتها. والمهم هنا أنّ الحزب لو نجح في قتل نتنياهو شخصيًا، فلن تقوم “إسرائيل” بأي ردٍ يؤدي إلى حربٍ ثالثة، حيث أنها لن ترغب في قطع الطريق على السعودية وهي تعلن الحرب على إيران في سياقٍ مذهبي، إلا إذا امتلكت كلا الدولتين ما يكفي من وقاحة إعلان التحالف وحماقة إعلان الحرب.

 

إنّ مهاجمة سفارة من قبل جماهير غاضبة لا يؤدي بأي حالٍ من الأحوال إلى كل هذا النفير الذي تمارسه السعودية حد دق طبول الحرب، خصوصًا إذا أبدى الطرف المعني أسفًا وقدم اعتذارًا مشفوعًا بمحاسبة الفاعلين، وهذا ما فعلته إيران، ولكن ما يحدث بالفعل، هو أن الولايات المتحدة لا تريد حربًا عالمية لإزاحة الرئيس الأسد، وفي ذات الوقت لا تحتمل بقاءه مع تواجد روسي فاعل في المنطقة ونفوذ إيراني يزداد قوة، وهذا يعني أنّ مصالح الولايات المتحدة ستمر حتمًا من تحت أعين هذا التحالف، وسيمنح ما يشاء ويمنع ما يشاء. إذًا فالحل الأمثل هو توريط إيران كدولة شيعية في حربٍ مع دولٍ “سنية”، وما تفعله السعودية يصب في هذا الخيار، فإن تراجعت إيران تحت ضغط هاجسها الأزلي وخشيتها من مذهبة الصراع، سيتم ترجمة هذا التراجع على هيئة تنازلات في سوريا والعراق واليمن وحتى في فلسطين، وإن أصرت على مواقفها والبقاء في محورها، ستتورط في حربٍ لا تخشاها بل تخشى طبيعتها المذهبية، لما لها من آثار مدمرة على المنطقة وشعوبها. وفي هذا السياق، تأتي الدعوات الأمريكية والتركية للحلول الدبلوماسية، والتي تعني تقديم إيران لتنازلات في الملفات العالقة، وهذه أضغاثٌ تبيعها أمريكا للأحفاد الطامعين في وراثة العرش السعودي، كما تداعب بها مطبات جنون العظمة في عقل أردوغان.