أحوال عربية

عندما تكون إدارة موارد المياه عملية انتحار مؤكد لمصر وغيرها فتش عن اسرائيل خلف سد النهضة الاثيوبي

 

 

 

مدخل:

1

مصر‪، “هبة النيل”، تدخل الآن مرحلة “الفقر المائي”، فنصيب الفرد من المياه فيها لا يتجاوز نصف النصيب الأدنى الذي حددته منظمة الأمم المتحدة للمياه والذي يتراوح بين 1700 إلى 1000 متر مكعب للفرد سنوياً حيث انخفضت حصة الفرد من المياه النقية في ٢١٠٤ بنسبة ١٣‪.٥ بالمئة مقارنة بعام ٢٠١٣. وبذلك تواجه عاصفة من المتغيرات التي تهدد صميم وجودها. ليس فقط على مستوى مواجهة تحديات “حياة أو موت” ولكن تزعزع مكانتها كقوة اقليمية ذات نفوذ ومنذ حضارة الفراعنة. فأمن مصر القومي يرتكز على منابع نهر النيل في وسط القارة الافريقية. لذلك تتمحور هذه المقالة في مكانة المياه ومنابعها وكميات وجودها وتحويلها (او انحراف مسارها) وتحولها الى سلعة اهم من النفط والغاز في المستطيل الافرو-عربي ما بين البحر المتوسط وجنوبه وبالتحديد القرن الافريقي (شرق القارة) وكيف ان سياسات (المياه) الخاطئة كالمتاجرة في المياه قد تتسبب في اشرس الحروب التي عرفتها هذه المنطقة.

توطئة:

وفي البداية نقول ان فائدة تبني المنهج العلمي متقاطع المواضيع تعود الى رؤية الخطوات الحاصلة بيننا وحولنا بشكل بانورامي يأخذ بعين الاعتبار اكبر عدد من العوامل التي تؤثر  علي مجريات الامور وتفاعلاتها على جميع الاصعدة. هنا نشير الى ان هناك 3 قنوات (على الاقل) نستقي منها، نحن الجمهور مصادر المعلومات, حول ما لا يفعله الساسة  بالعلن : اولاً الاعلام؛ وهذا -غالبا- مسيطر عليه اقتصاديا او مراوغ به ولذلك فمضمونه عموما مخادع (اعلام سياسي). وثانياً القنوات الديبلوماسية في حال سربت معلومات عن قصد او بشكل غير رسمي لصحفيين او اكاديميين و…الخ. أو ثالثاً من ملفات الامن واغلب الظن الا نطلع عليها في العقود القادمة  – الا اذا تم تسريبها (سوية مع كوابل ديبلوماسية ) او كشفها بشكل مقرصن مثل ما حصل من قبل الإعلامي جوليان اسانج  (ويكيليكس) والمحاصر في سفارة الاكوادور في لندن او ادوارد سنودن الذي لجىء الى موسكو. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، اعلنت الرياض في 4  يناير  2016 ان النظام السعودي قرر قطع علاقاته مع نظام طهران وبعدها بيوم اعلن نظام الخرطوم عن قطع علاقاته مع طهران (تلى ذلك قطع او تخفيض العلاقات ما بين دول مجلس التعاون الخليجي وطهران ما عدا سلطنة عمان) في خطوة تأييد للرياض. السودان كدولة، ليست عضواً في منظومة دول الخليج. فكيف يمكن تفسير ذلك؟

حق نيل المعلومة:

من المؤكد ان احدى الصعوبات لفهم ما يجري في العلاقات الدولية تعود الى ما يسمى بـ “سوسيوليجيا المهنة” وهي عبارة عن توافق داخلي في اطار كل مهنة (حتى بين المتخاصمين) عدم الكشف عن خبايا  المهنة واسرارها وماذا تعني كل خطوة وذلك مستعملين، عبر اطلاق التصريحات الاعلامية،  “شاشات الدخان”  او  “سحاب دخان البنادق” (في اطار الاعلام السياسي). يتم ذلك بواسطه موظفو او مستشارو اعلام احيانا مهنيين واحيانا هواة، للترويج (غالبا) لموقف “نبيل”وكآن الخطوة تنبع من باب  “النخوة والشرف” وذلك لتشكيل رأي عام مؤيد لهم ومطيع لسياساتهم وذلك بشكل مخادع بينما الحقيقة تكمن في مكان آخر بعيد عن التصريحات فيه ما فية من الصفقات التجارية.

2

ارث مخابراتي:

في صيف 1885 وفي توافق مع استيلاء المهدي على عموم السودان بسقوط الخرطوم في 26 يناير (كانون الثاني) من ذلك العام، استطاع سوري يدعى حبيب سلموني ( ١٨٦٠-١٩٠٤) ان يخترق الحلقة التي نظمها الناشط جمال الدين الافغاني ( ١٨٣٨-١٨٩٧) في باريس. ومن هنالك أرسل الى المخابرات البريطانية تقريراً ذكر فيه ان انخفاض منسوب نهر النيل الى ادنى مستوياته شجع انصار المهدي في شمال السودان للتخطيط ليسدوا مجرى النهر بالصخور فيدمروا المحاصيل المصرية ويسببوا المجاعة على نطاق واسع. فأستشعرت السلطات البريطانية الخطر حيث كانت تهيمن على مصر وقتها. وبدأت الاستعدادات للمرة الأولى للتعامل مع واقع جديد في جنوب الوادي يشكل كابوس مزعج وكارثة لمستقبل مصر. زاد من لهيبها زحف الجنرال عبدالرحمن النجومي في مايو (آيار) 1889 بأكثر من 6 آلاف مقاتل لغزو مصر بتوجيهات صارمة من الجنرال عبدالله التعايشي الذي كان يقبض على مقاليد الحكم في السودان ويحمل عداء طاغي نحو القاهرة. ومن هنا برزت وللمرة العاشرة على ان الاوضاع في منبع النهر هي التي تحدد مصير من يقع على مصب النهر. وليس ابلغ من ما قاله القائد السياسي البريطاني الداهية ونستون تشرشل الذي شارك في الحرب ( ١٨٨١-١٨٩٩) وقتها وسجلها في كتابه “حرب النهر”  (  The River War) الصادر في ١٨٩٩. حيث قال “اذا نظر الى خارطة النيل يلاحظ على الفور الشبه الكبير بين النيل وشجرة النخيل… ما هي فائدة الجذور والتربة الغنية إذ ما قطعت الساق وهي مصيرية”. الغارق في حب اللغة قد يصف ذلك بالمفارقة لكن في العلوم السياسية لكل تحرك تفسير في صراع القوة وهذا ما يفسر حقا ان تواجه مصر بصورة أو أخرى التحدي نفسه وبعد أكثر من قرن من الزمان. ولكن في شكل أكثر حدة وخطورة ليس على مستقبلها ولكن على حاضرها في الآن نفسه.

ان كارثة عطش مصر لا يمكن تقدير مخاطرها إلا اذا ذكرنا ان كل دراسات الأمم المتحدة تدل على ان الزيادة السكانية في مصر تفوق الزيادة السكانية في كل من تركيا وإيران. وتصبح المسألة عبارة عن تراجيديا مخيفة في ملاحظة ان خصوبة المرأة المصرية عالية، اذا لفتنا النظر إلى ان في 1950 كان عدد المواليد في مصر يساوي عدد المواليد في ايطاليا، وبحلول 1980 تجاوز عدد المواليد في مصر عددهم في ايطاليا وفرنسا مجتمعة، وبحلول 2000 أصبح عدد المواليد في مصر يتجاوز عدد المواليد في ايطاليا وفرنسا واسبانيا مجتمعة، وبحلول 2012 أصبح عدد مواليد مصر أكثر منهم في ايطاليا وفرنسا واسبانيا والمملكة المتحدة مجتمعة. ومن الملاحظ ان معدلات الانجاب في مصر تفوق مثيلتها في تركيا والمغرب واندونيسيا والمكسيك وتونس والجزائر والبرازيل وفيتنام بل في كل من بنجلاديش والهند والصين !!. وبذلك وفي الاتجاه المعاكس مع ثبات وتناقص تدريجي لحصة مصر من مياه النيل استمر انخفاض نصيب الفرد من المياه ليصل الى اقل من 60 في المئة من الكمية التي يحتاجها الفرد وبالتالي من الأرض ليعيش حياة صحية سليمة. يحدث هذا ومصر تعيش رهينة لعدد من الدول التي تمثل أخطر بؤر الصراعات والتوترات وعدم الاستقرار في العالم. بل تشهد متغيرات عميقة وحراك سكاني بسبب الحروب والمجاعات والفقر وتدهور الانتاج الزراعي والحيواني.

3

المعلومة وخيوط الاكتشاف:

في عصر التقدم التكنولوجي او ما يسمى بثورة المعلومات وذلك بسبب التطور تكنولوجيا الاتصالات، فمن الممكن القول ان المعلومات المجردة موجودة وبغزارة الا انه من الصعب فهمها او تفسيرها كلها وذلك احيانا لقلة توزيعها و \ او نشرها كمتفرقات على مراحل زمنية متقاطعة الا اذا تذكرنا كل شيء وحاولنا الربط بينها مُُدخلين في لحم المعلومات الذي يكسو هيكلها العظمي عامودا فقريا من المنطق تترتب سلسلته وفقا لترادف مكسو بسياق متكامل. وفي أكتوبر (تشرين اول) 2012 اخترق سلاح الجو الاسرائيلي  الاجواء السودانية حيث ضرب مناطق (شملت مصنع اليرموك) في السودان. قيل انها مواقع تقوم فيها شركات في السودان بتفكيك اسلحة تصدرها طهران الى الخرطوم لكي يتم تحويلها الى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة جنوب فلسطين. وتشير معلومات من مصادر مختلفة ان محمود المبحوح القيادي في ‘حماس′ كان قد اغتيل في الامارات العربية المتحدة وذلك لدوره التنسيقي في هذه العمليات. الا ان الاتفاق الايراني السوداني حول المقاومة الفلسطينية في هذا الاطار كان محصورا وليس له ابعاد استراتيجية ما بين البلدين الامر الذي يتعلق في مسائل اهم واعمق.  ففي مطلع شهر حزيران 2014 اطلق مدير سلطة المياه في الخرطوم جودت علأ عثمان  بالون اختبار عندما كشف عن مخطط لتصدير المياه من السودان الى دول الخليج العربي وفقاً لمنسوب\كمية المياه في نهر النيل الامر الذي سيعود بالفائدة (لم يتم القول على من). جاء ذلك بعد 6 شهور من دراسة تم تقديمها لصالح الرياض (صدرت في ديسمبر /كانون الأول 2013) اقترحت استيراد المياه من السودان (كمحاولة تجريبية بداية) لاستنفاد احتياط المياه في منطقة نجران، وذلك وفقا لوزارات الزراعة والري والكهرباء في الرياض. وللحصول على شرعنة دينية في هذا الموضوع، كان الإمام السوداني عبد الجليل الكاروري (وهو قيادي في الحركة الاسلامية وخطيب مسجد الشهيد ) والذي ذاع سيطه بانه يوظف الدين لخدمة السياسة وبالعكس، قد قال ان المشير عمر البشير “وليُ من اولياء الله الصالحين وصاحب كرامات”، بعدها اقترح تصدير المياه من السودان الى السعودية عبر انبوب وذلك مقابل استيراد النفط الى السودان.

4

عنكبوتية النيل:

 مكانة الخرطوم المميزة تنبع مما تنبع من قوة الالتقاء الطبيعية ما بين النيليين: النيل الازرق والذي يأتي من اثيوبيا ويشكل 84 بالمئة من نهر النيل ومنابع النيل الابيض من اوغندا والذي يشكل 16 بالمئة من النيل.

ولذلك فإن السودان هي احد الدول الثلاث التي تشارك في  المفاوصات حول الخلافات بين الدول الثلاث المعنية بالاساس من مشروع بناء السد وهي مصر  والسودان واثيوبيا ولا يبدو انه تم التوصل الى  اية نتائج حتى الان اذ تعارض جمهورية مصر العربية اقامة سد النهضة المبادر له اثيوبيا مدعية انه بعد اكتمال هذا السد سيتم تقليص حصة المياه التي اعتادت مصر الحصول عليها مطلع القرن العشرين حيث تم الاتفاق ما بين بريطانيا واثيوبيا وبعدها بريطانيا وفرنسا (الدولتين العظميين انذاك)ما بين 1902-1929حيث تضمنت الاتفاقيات إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه‏ النيل وإن لمصر الحق في الاعتراض في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده .ووفقا لهذه الاتفاقيات فان حصة مصر هي55.5 مليار متر مكعب سنويا وحصة السودان 18.5مليار متر مكعب سنويا من اصل 84 مليار متر مكعب. وعلى الرغم من معارضة القاهرة الشديدة لاقامة السد فقد قام رئيس وزراء اثيوبيا في مطلع نيسان 2011 في وضع حجر اساس سد النهضة والذي يقع على النيل الازرق على مقربة من الحدود الاثيوبيا السودانية والذي هو قيد البناء والذي من المقرر ان ينتهي تشييده في ربيع 2017 وذلك بعد حوالي عام من انهاء التصميم حيث تم التعاقد مع الشركة الايطالية “ساليني ايمبريغيلو”.

فبعد سنوات من أزمة في العلاقات بين مصر بقيادة مبارك ومحمد مرسي مع الدول الأفريقية، وذلك بعد الاستفادة من مياه نهر النيل في أراضيهم، الأزمة إلى ادت الى ان تهدد مصر بالتدخل العسكري في السودان، فهم الرئيس المصري انه من الضروري عقد اجتماعات عاجلة مع قيادات الدول الأفريقية. فقد ادى بناء سد النهضة على النيل الازرق في أفريقيا، الى منع تدفق مياه النهر من اثيوبيا عبر السودان الى النيل في مصر. فان امكانية تجفيف النيل المصري يشكل خطرا مميتا لملايين المصريين العطاشى.

وعلى الرغم من الاهتمام الديبلوماسي الذي ابداه الرئيس المصري الجديد ( منذ حزيران  ٢٠١٤) عبد الفتاح السيسي وذلك بعد استشارة وزارة الدفاع المصرية وجهاز المخابرات ووزارة الري حيث قام بزيارة رسمية في مارس (اذار) 2015 لاديس ابابا الاولى منذ 30 عاما حيث التقى رئيس الوزراء الاثيوبي هيلا مريام ديسالين وكوكبة من رجال الاعمال، وكذلك زيارة  اخرى للخرطوم فان المفاوضات ما بين اللجان الفنية   لزيادة فتحات تصريف المياه خلف سد النهضة وفقا للمقترح المصري ( من 2-4 بوابات) استمرت في مطلع يناير (كانون الثاني) 2016 لم تتوصل الى حل حيث تجري المفاوضات بعد ان كشفت مصادر مصرية مستعملة الاقمار الصناعية على اديس ابابا قامت بتحويل مياه النيل ليلة 24 يناير (كانون الاول) 2015 وليس 36 يوما قبل ذلك عكس ما جاء في تصريح لوزير خارجية السودان ابراهيم غندور.

وتشير المصادر الاسرائيلية الى ان لاثيوبيا واسرائيل كانت علاقات في حقبة الامبراطور هيلا سيلاسي وذلك منذ 1952 اي 4 سنوات بعد نكبة فلسطين وسيطرة الادارة الصهيونية عليها. وان اسرائيل اقامت ‘علاقات تجارية مهمة لها حيث استوردت اسرائيل من اثيوبيا الابقار بواسطة شركة كانت قد عملت ايضاً كمركز مخابراتي اسرائيلي وفقا لمواد نشرها الاسرائيلي بيشكو. ومع لجوء من تم تعريفهم باليهود الاثيوبيين فان العلاقات ما بين اثيوبيا واسرائيل تشعبت حيث ارتفعت وتيرة العلاقات التجارية  ما بين البلدين حيث وصلت عام 2013 الى 80 مليون دولار كما سعت السفارة الاثيوبيا الى اقامة جمعية صداقة وتجارة بين البلدين بما في ذلك تسهيلات ضرائيبية حيث تجاوز عدد الشركات ورجال الاعمال الاسرائيليين الذين يعملون في اثيوبيا المئة.

5

المصادر الاسرائيلية:

تشير مصادر اسرائيلية رسمية واكاديمية ان اجهزة الامن الاسرائيلي كانت شريكة غير مباشرة في الحرب الاهلية ما بين شمال وجنوب السودان حيث مدت بعض الجهات بالجنوب ومنذ مطلع السبعينيات بالاسلحة والاستشارة العسكرية. وكانت تل-ابيب اول الحكومات التي اعترفت  بجنوب السودان كدولة مستقلة بعد الانفصال في 2011 حيث انتدبت سفيرا عام 2012

ومن جهة أخرى، تقول المنشورات الاكاديمية الاسرائيلية (انظر على سبيل المثال حاغاي ارليخ) انه ورغم ان الحبشة قامت بحماية المسلمين الاوائل  – وهنا يآتي الفصل ما بين الاسلام والسعودية – فان علاقات اثيوبيا والسعودية لم تتسم بالثقة الكاملة وذلك منذ ان شعر الامبراطور هيلاسيلاسي ( ١٨٩٢-١٩٧٥)  بالخدعة وذلك في اعقاب طلب الملك فيصل عام 1974 بقطع علاقات اثيوبيا مع اسرائيل لقاء وعد كبير من طرف السعودية لتعويض اثيوبيا حيث لم يتم الوفاء بالعهد. وظلت اثيوبيا على وعي انه اذا قامت بتسخير البعض من اموالها فبامكان السعودية ان تكون عنصرا يعيث  في الارض الاثيوبيا عدم الاستقرار وذلك عبر المجموعات الاسلامية الوهابية في اثيوبيا التي تعد بلدا مسيحيا عريقا (بوجود الكنيسة الارثوذكسية التي انفصلت عن الكنيسة الارثوذكسية القبطية المصرية منذ 1959) حيث يتجاوز عدد الافارقة المسيحيين فيها الـ 60 بالمئة.

 دبلوماسيا تعود العلاقات الاثيوبيا السعودية الى مطلع الخمسينيات من القرن العشرين حيث تحولت الى علاقة تقيلدية مبنية على علاقة استرتيجية على اسس المصالح المشتركة بين البلدين. بلغت نسبة المستثمرين السعوديين 65 بالمائة من اجمالي المستثمرين الأجانب وهذه نسبة تدل على إمكانية الاستثمار في ظل الصعوبات التي يعاني منها الاقتصاد الأثيوبي وكما بلغ حجم التبادل التجاري بين المملكة وأثيوبيا 100 مليون دولار سنويا. اما الاستثمارات الاثيوبيا داخل السعودية فهي لا تتعدى سوى شركة او شركتين في جنوب جدة تعمل في المجال الزراعي حيث تستورد السوق السعودية المنتجات الزراعية من حبوب القمح والبن والفواكه وغيرها.

في أكتوبر 2015 (تشرين الأول)، استقبل الملك سلمان بن عبد العزيز، في مكتبه بقصر اليمامة، رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام ديسالين، وتناول اللقاء الأوضاع في المنطقة. ورحب الملك سلمان في بداية الاستقبال برئيس الوزراء الإثيوبي في المملكة، فيما عبر ديسالين عن سعادته بزيارة المملكة ولقائه الملك السعودي، عقب ذلك جرى استعراض العلاقات الثنائية. ما حضره من الجانب الإثيوبي وزير الدفاع سراج فقيسا، ووزير المالية والتنمية الاقتصادية عبد العزيز محمد، ووزير الإعلام قيتاشو ريدا، والمستشار الاقتصادي الخاص لرئيس الوزراء سفيان أحمد، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة الجنرال سامورا  يونس، ومدير جهاز الأمن والاستخبارات الوطني جيتاشو أسفا. كما ان هناك زهاء 400 الف عامل اثيوبي في السعودية.

6

السعودية واسرائيل:

 ينطلق التفكير المؤسساتي الاسرائيلي الى ان  النزاعات حول المياه يعود إلى أيام التوراة. ومثلما كان الماضي هكذا هو الحاضر. كذلك اليوم  الحرب على موارد المياه المحدودة ادت الى نزاعات دموية، وحصدت العديد من الضحايا. دول مثل الأردن والمملكة العربية السعودية ومصر وسوريا والعراق، يعانون من نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، والوضع آخذ بالتدهور. وتقول تقارير اسرائيلية ان مكانة إسرائيل كقوة عظمى في مجال تحلية المياه والحاجة لهذا المورد في العالم العربي تتطابق، مما ادى الى نسج علاقات ما بين شركات إسرائيلية وبعض الدول العربية.  كما ان تقنيات جديدة في إنتاج النفط تهدد على الهيمنة (التقليدية) لدول الخليج، والتي تتابع التقارب ما بين الولايات المتحدة وإيران بقلق.

وفي الوقت نفسه مذكرون بحملة “إسرائيل تجف”، والحنفيات وأجهزة توفير المياه التي تم تثبيتها في المنازل الاسرائيلية والتقارير المتشائمة على منسوب المياه الذي وصل الى الخط الأحمر في بحيرة طبرية، وسياسات توفير المياه التي تم فرضها على المواطنين الإسرائيليين على شكل ضرائب عالية على كل من يجاوز الاستخدام. “اوقات المحن”، يعلق كاتب اسرائيلي، “جعل العقل اليهودي يبحث عن حلول”. فعلى مر السنين،  طورت إسرائيل تكنولوجيا تحلية المياه، وجعلت لنفسها اسما دوليا في هذا المجال. فعملية تحلية المياه التي تطورت في إسرائيل، تسبب في تغير ميزان القوة وتسبب في ان تكون إسرائيل دولة اقليمية عظمى مقارنة بالدول العربية التي تواجه الجفاف” يقول مصدر دبلوماسي اسرائيلي للصحافة العبرية. كما ويعرف وضع دولة إسرائيل بـ”الأمثل” في مجال الطاقة . ووفقا لهذا المصدر الديبلوماسي فان خلق قدرة تحلية المياه واحتياطيات الغاز الطبيعي في إسرائيل صهر واقعا لم تكن تعرفه اسرائيل من قبل، مما يحولها الى قوة اقليمية عظمي في مجال الموارد الطبيعية.

 ويشير المصدر إلى أن إسرائيل تستخدم تكنولوجيا تحلية المياه باعتبارها أداة لتحقيق مصالح سياسية. “إسرائيل تشارك  المملكة العربية السعودية في تكنولوجيا تحلية المياه، مما يوفر لها (للملكة العربية السعودية) الكثير من المال والموارد”، كما يقول. ويضيف: “المملكة العربية السعودية ودول الخليج تقوم بتحلية المياه منذ عدة سنوات، ولكن حتى الآن فأنهم استخدموا تكنولوجيا قديمة عفا عليها الزمن التي كلفت الكثير من المال. وتقدم إسرائيل هذه التقنية لتلك الدول، وفي المقابل تلقى تحسنا في العلاقات الدولية”.

 يقول المصدر، إن الواقع الجديد في مجال تحلية المياه تفكك بسهولة قضايا كانت في الماضي سببا في ازمات دبلوماسية وصلت الى تهديدات بعمليات عسكرية وفرض عقوبات دولية. “كان نقل المياه إلى الأردن في الماضي مشكلة كبيرة لإسرائيل”، كما يقول المصدر الديبلوماسي. ويضيف:”على مدى أكثر من عشرين عاما قمنا بنقل مياه الشرب الى الاردن من بحيرة طبرية. وعندما كانت تهطل كميات اقل من المطر كانت تواجه إسرائيل مشكلة. ومنذ انشاء  إسرائيل محطات لتحلية المياه، والتي توفر أكثر من نصف كمية مياه الشرب لدينا، فمن الممكن نقل مليون متر مكعب من المياه للأردنيين دون ان نشعر نحن  في إسرائيل بذلك. لا بل ابعد من ذلك، فهناك مصلحة كبيرة لدى الأردنيين، الذين يعانون من ازمة مياه خطيرة، الحفاظ على علاقات جيدة مع القدس، وذلك لكي يستمروا بضمان الشرب من بحيرة طبرية”.

  ففي وسائل الإعلام المصرية كتبت العديد من المقالات عن الشركات الإسرائيلية التي ساعدت اثيوبيا والسودان في بناء السدود بهدف إنتاج الطاقة والكهرباء، مما تسبب في بطىء في التدفق الحيوي للمياه الى مصر. وجرى صراع مماثل تشهده منطقة الشرق الأوسط، عندما تم اتهام تركيا في تجفيف سوريا والعراق. فقد تم بناء سدود ضخمة لتوليد الطاقة من قبل تركيا أدوا إلى خفض كبير في تدفق المياه في نهري الفرات ودجلة. فقد نشب نزاع ما بين سوريا والعراق من جهه  مع تركيا بشأن هذه المسألة.

“الدول العربية  في مأزق بسبب النقص في المياه، مما يجعل التكنولوجيا الاسرائيلية ان تكون جذابة للغاية”، يقول المصدر الدبلوماسي. ويضيف:”الشركات الإسرائيلية التي توفر محطات تحلية المياه، نسجوا علاقات تجارية مع بعض الدول، وهذه بالتأكيد بشرى سارة  للعلاقات الخارجية الاسرائيلية. وفي حين أنه من المستحيل القول  أني بامكان علاقات سلام  اقتصادي استنادا على حل لمشكلة المياه، الا ان العلاقات التي تم اقامتهايمكن بالتأكيد ان تكون أساسا أوليا لهذا الغرض”. والدكتور عميت مور، وهو خبير في اقتصاد الطاقة والبيئة، يستمد الامل من وضع دولة إسرائيل: “الجغرافيا السياسية للمياه مثيرة جدا للاهتمام”، كما يقول. “وفي كثير من البلدان الموارد المائية شحيحة، والحقيقة أن إسرائيل أصبحت قوة في مجال تحلية المياه مشجعة للمستقبل. فان تصدير التكنولوجيا إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج، إذا كان ذلك ممكنا، هو بالتأكيد خطوة ايجابية “.

مور، الرئيس التنفيذي لشركة “ايكو انرجي”، يقول انه علاوة على تحلية المياه فما يساعد اسرائيل باقامة علاقات مع الدول العربية هي ايضا حقول النفط والغاز، وخاصة مع مصر والأردن: ” ان تآثير الغاز الطبيعي الاسرائيلي على العلاقات الخارجية هي حقيقية”، كما يقول. “فيجب على إسرائيل تطوير حقلين اضافيين للغاز  في اسرع وقت (وهما ليفياتان وقريش)، لضمان إمدادات الطاقة للاقتصاد ومنع استمرار الوضع الحالي، حيث كل الغاز إلى اقتصاد يأتي من حقل “تامار”. فأي خلل فني أو هجوم استراتيجي سيؤدي إلى حالة من شلل في قطاع الكهرباء في إسرائيل، وهو ما يعني إصابة أمننا القومي “. آما ايلي افيدار، الرئيس السابق للبعثة الإسرائيلية في (الدوحة) قطر فيحاول التخفيف من التهويل قائلا بأن إسرائيل لا تستخدم بشكل صحيح استغلال مواردها الطبيعية لصالح مصالحها الدولية. “أما بالنسبة للمياه، فيدور الحديث عن شركات إسرائيلية من القطاع الخاص تدخل مناقصات مع شركات في بلدان أوروبية أخرى، حيث تقوم المنافسة على اساس المعرفة والتكلفة ” كما يقول.

وقبل توقيع الاتفاق ما بين ايران والدول الست في نهاية ٢٠١٥  النظر عن التهديد النووي فقد تمت الاشآرة الى ان المملكة العربية السعودية ودول الخليج تخشى تشكيل قوة الاقتصاد الإيراني الذي يتعافى باستمرار. “إنهم لا يرون بالفعل الدول الأوروبية تحت الطاولة تدير العلاقات مع إيران، ونعتقد أنه عندما يتم التوقيع على الاتفاق، والولايات المتحدة ودول أخرى سوف تسارع إلى إقامة علاقات مع الشركات الإيرانية”، ويضيف: “واحدة من الأسباب الرئيسية لانفصال بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية هي تكنولوجيات الصخر الزيتي، التي كانت الولايات المتحدة قادرة على تطويرها في عام 2014، وعدم تبعية الولايات المتحدة على الطاقة في الخليج”.

 معهد CFR حقق في العلاقة ما بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية حيث اشآر إلى أن هناك تراجعا تدريجيا في العلاقة مع السعودية  ودول الخليج المؤطرة في ‘اوبيك” (منظمة الدول المصدرة للنفط) عندما يتعلق الأمر بالنفط حيث قامت المملكة العربية السعودية ودول الخليج  بتنسيق ارتفاع أسعار برميل النفط بشكل احتكاري وبشكل مطلق.  وكانت إمكانية المملكة العربية السعودية لإغراق سوق النفط على الفور قد شكلت ضربة للاقتصاد الأمريكي في ثمانينات القرن العشرين، عندما لمدة ستة أشهر، انخفضت أسعار النفط بنسبة 60 في المئة. وجاءت نقطة التحول في عام 2014. حيث اكتشفت الولايات المتحدة تكنولوجيا الصخر الزيتي الامر الذي مكنها من خفض استهلاك النفط من الخليج بنسبة 50 في المئة أقل من عام.

 وقد ادى الانتاج الامريكي الى تخفيض الاسعار  في عام 2015، مما تسبب في خسائر كبيرة للمملكة العربية السعودية. واليوم، بإمكان واشنطن أن تنتج أكثر من 9 ملايين برميل يوميا، تقريبا نفس الكمية التي تنتجها المملكة العربية السعودية. ووفقا للتقديرات، ففي أقل من خمس سنوات ستنجح الولايات المتحدة في إنتاج 80 في المئة من استهلاك النفط في سوقها، وفي 2035 سوف تكون مستقلة تماما.

 ويقدر الخبير الاسرائيلي الدكتور عميت مور ان  الولايات المتحدة ستخفف في السنوات المقبلة مشاركته الفعلية في الشرق الأوسط. “قدرة إنتاج الولايات المتحدة باستخدام الصخر الزيتي غيرت قوانين اللعبة”، كما يوضح. حيث يمكن القول انه “لا عودة للايام التي كانت فيها اوبك تسيطر علي العالم. اعتماد الولايات المتحدة على عنصر دول الخليج لم يعد موجودا، وهذا هو ما يزعج السعوديين.

وقد استثمرت الولايات المتحدة حوالي تريليوني دولار في ضمان امدادات النفط  من الخليج، وأنه لا يزال لديها الآلاف من الجنود لتأمين مسار النفط. ومع ذلك، فان اهتمامها في الشرق الأوسط قد تراجع، لذلك سوف يؤدي ذلك الى تقليل حضورها. لكن من غير المرجح أن تتخلى تماما عن المشهد، وأنها بحاجة للتفكير على مصلحة حلفائها والاستقرار في المنطقة عموما، لانه أي ضرر سيصيبها سيؤدي الى ارتفاع في أسعار النفط “.  ولكن الحد من المصالح الأمريكية في المنطقة قد تؤثر أيضا  – سلبا – على إسرائيل.

 “تخفيض الاهتمام في سوق الطاقة في منطقة الشرق الأوسط قد يؤدي إلى الحد من تدخلها في الصراع مما سيؤثر على رغبتها في إيجاد حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني”، يقول الدكتور مور. ويشير إلى أن حقيقة أن النفط يأتي من الخليج إلى الصين وشرق آسيا سيتسبب  ببقاء المريكيين على أي حال.

ويضيف ” ظهر الولايات المتحدة الأمريكية مكشوف في الشرق الاوسط اضافة الى انه لديها مصالح سياسية واضحة تربطها في الشرق الاوسط بطريقة غير مباشرة. فلن تريد أن تتعزز العلاقات بين دول الخليج والصين، أو ان تعزز العلاقات ما بين دول الخليج وروسيا البوتينية ” (نسبة للرئيس بوتين). ووفقا للقنوات السرائيلية فان مصدرا سعوديا تحدث عن ان علاقة دول الخليج بالدول الأوروبية، من شأنها أن تبقي الولايات المتحدة في الشرق الاوسط معللا: “أوروبا لا تزال تشتري النفط من الخليج، وإذا كانت الولايات المتحدة تريد علاقات جيدة مع دول مثل إيطاليا وألمانيا وغيرها، فيجب عليها الحفاظ على العلاقات مع دول الخليج”.

7

محورية اوروبا:

ممثل الاتحاد الأوروبي السيدة فيديريكا موغيريني اعلنت عند وصولها الى الشرق الأوسط، والى فلسطين التاريخية بما في ذلك رام-الله وتل-ابيب  أن الوضع الراهن غير مقبول على الاتحاد الأوروبي وان “زيارتي الأولى لها أهمية سياسية وان الاتحاد الأوروبي على استعداد ويرغب في لعب دور كبير في إعادة إطلاق عملية السلام، وسوف يوفر الأساس لحل الدولتين”. وفي حين رفض الفلسطينيين إمكانية العودة إلى المفاوضات، مسلطين الضوء على حقيقة أن الوزير سيلفان شالوم، الذي عينته الحكومة الاسرائيلية  لادارة المفاوضات مع الفلسطينيين، لا يدعم حل الدولتين، فإن المجهود الأوروبي لن يتوقف.  ويشار الى ان واحدة من اسباب الغمز واللمز الأوروبية تجاه الفلسطينيين، جنبا إلى جنب مع الصمت الأمريكي هو خفض الاهتمام الأمريكي. يقول الدكتور مور. “بمجرد أن الولايات المتحدة ليس لها مصلحة في الطاقة من الخليج، فإنها ستفقد شهيتها في ازمة الشرق الاوسط. وهذا يمكن أن يؤثر على مصلحة حل الصراع في منطقتنا “.

من ناحية أخرى، يشير إلى أن مصدرا سعوديا قد افاد (في محادثات مع اسرائيليين كما يفهم) بان استقلال  إسرائيل الاقتصادي من خلال ودائع تحلية المياه ومصادر الغاز، هو الذي تسبب في تراجع الولايات المتحدة: “أميركا تنظر اولا لإسرائيل”، كما يقول. “وقالت إنها ترى ان التهديدات القديمة على إسرائيل تبخرت. اي انه ليست هناك الآن جيوش كبيرة يمكن أن تهددها حقا. الجيش المصري غرقان بحاله، وقد وذهب الجيش السوري والعراقي، وبالتالي فإن الوضع الإقليمي الجديد يسمح لإسرائيل لتغيير بعض سياساتها، وتبني سياسة للتعامل مع التغييرات الإقليمية كل يوم. إسرائيل لديها علاقات مع المملكة العربية السعودية وبلدان أخرى في المنطقة في اطار تكنولوجيا تحلية المياه، ومصير مشترك بالنسبة لإيران تتضع إسرائيل في وضع مريح اكثر “. ومع ذلك، فإن المصدر السعودي يشير إلى أن ما سيبقي الأمريكيين في الشرق الأوسط هو الاعتقاد بأن المنطقة معروفة بانها قابلة بالانفجار. “صحيح ان الوجود الأميركي يتقلص، ولكن عليك أن تفهم أن الولايات المتحدة سوف تبقى دائما هنا لأنهم يعرفون الوضع في القدس خطير وقد يؤدي الى دخول الأيديولوجيات الإسلامية ولذل فلن يسرع الأميركيين في الذهاب”.

8

الخبراء والدولة العميقة:

عند اكتمال إنشاء “سد النهضة” الأثيوبي في2017، سوف يصبح أكبر سد كهرومائي في القارة الأفريقية، والعاشر عالميا في قائمة أكبر السدود إنتاجا للكهرباء، وتتجاوز تكلفة الإنجاز 6 مليار دولار أمريكي. وهو واحد من 3 سدود تُشيد لغرض توليد الطاقة الكهرمائية في إثيوبيا. وبذلك تكتمل الخطة الاثيوبيا في التحكم التام في تدفقات المياه العابرة الى نهر النيل، حيث تساهم الأنهار الاثيوبيا بحوالي 85 في المئة من مياه النيل. ولكن السيطرة الاثيوبيا في الوقت نفسها ستكرس المخاوف المصرية بأن العجز الحقيقي في الموارد المائية يقارب 30 مليار متر مكعب سنويا هو كارثة قومية لمصر، وهو عجز هائل.  مستقبل أمن مصر مع اكتمال بناء “سد النهضة” يواجه تحدي شديد الخطورة وضمان مستقبل معيشة لاجيال البلاد القادمة في خطر حقيقي. بل وهو نذير بأن مصر خرجت من دائرة التأثير والمكانة والنفوذ الاقليمي لتصبح رهينة لقرارات وتوجيهات أديس أبابا (وعلاقاتها مع السودان والسعودية واسرائيل) والتي تتحكم في كل قطرة مياه على نهر النيل بإمتياز. وهو مشروع استطاعت أثيوبيا من خلال المناورات وشراء الوقت والتفاهم مع السودان لعزل مصر من خلال الخداع ولعب الادوار المزدوجة في وقت كانت تواجه فيه مصر عقب انتفاضة يناير (كانون الثاني) 2011 اوضاعا داخلية حرجة شغلتها عن متابعة الاوضاع في القرن الافريقي. وطفىت إلى السطح مرة أخرى الاسباب خلف عدم اتخاذ جهاز الدولة العميقة  (ومصر بالتحديد) لاي دولة بالحسبان ما يكتبه خبراء استراتيجيين الامر الذي يعود إما لعدم تقييمهم الملف المطروح بالشكل المطلوب، او جهلهم او تجاهلهم او تقاعسهم او تعاون بعضهم مع اجهزة دولة اخرى او حالة نفسية تتسم بالنكران. ففي عام  2000  نشرت دار كيمبريدج الاكاديمية للنشر  كتاب تحت عنوان ‘السودان: حروب الموارد والهوية’. ومؤلف الكتاب هو الباحث المعروف د. محمد سليمان محمد. وقد  قام بتحقيق الكتاب والمشاركة في إعداد باب شرق السودان، الدكتور صلاح آل بندر وهو  البحاثة والخبير في شئون التنمية والأمن القومي حيث جاء في ‘استهلال’ الكتاب الذي كتبها الدكتور البندر ما يلي: “ان التحديات السودانية على بعديها الداخلي والخارجي تتطلب على المديين المتوسط والطويل اصرارا دائما على تمتين امكانيات التنسيق والتعاون الثلاثي المباشر ما بين السودان ومصر واثيوبيا. ومع ان لكل من هذه الدول الثلاث تصوراتها واستراتيجياتها القومية الشاملة، الا ان تجذير اسس التنسيق والتعاون حول المنافع المشتركة وبناء جسور الثقة المتبادلة – بغض النظر عن نوعية الانظمة الحاكمة فيها – تجعل من الضروري التوصل الى قواسم مشتركة”. وفي استهلال الخبير الاستراتيجي الدكتور صلاح البندر كلاما ثاقبا بما يتعلق بالمياه حيث كتب : “ان اثيوبيا تسيطر على مفاتيح النيل فهي مصدر اكثر من 80 بالمئة من مياه وادي النيل حيث تنحدر منها 8 انهر؛ بينما مصر تتمتع بموارد بشرية عالية الانتاجية والتدريب. ولكن موارد السودان الطبيعية هي الاكثر وهو الاغنى بالنسبة للقطرين. فمصر تزرع حاليا قرابة 203 مليون هكتار سنويا لمقابلة تزايد سكان بمتواليه شبه فلكية. وفي الوقت الذي قاربت كثافتها السكانية 150 شخصا للكيلومتر المربع نجدها 120 شخصا في اثيوبيا بينما هي لا تتعدى 30 شخصا للكيلومتر المربع في السودان. والمساحات القابلة للاستصلاح، في مصر، من واقع المخطط الرئيسي لمشاريع العملاقة (كما تصفها اجهزة الاعلام) للموارد الارضية والمائية في توشكي وشرق العوينات وسيناء وجنوب الصعيد – في حدها الاقصى – لا تزيد عن مليار ونصف هكتار حتى العام 2017 ” وفي فقرة اضافية يحذر الدكتور البندر من اكبر ازمات جمهورية مصر الحديثة حيث يكتب: “كل ذلك مع الوضع في الاعتبار ان مصر قد دخلت مرحلة “الفقر المائي”، فنصيب الفرد يعادل نصف نصيبه قبل 20 عاما وسينخفض بهذا المعادل نفسه بعد 20 عاما اخرى”.

ويربط الدكتور البندر ما بين المياه والنفط واحتياط الدول الثلاث وامكانيات حصولها على ما ينقصها من موارد حيث يكتب :”ان احتياط النفط السوداني محدود ولن يدوم اكثر من 5 الى 10 سنوات على افضل حال يكون مصير الانابيب بعدها الصدأ. ويعتبره البعض بانه ال يتعدى مجرد عمل دعائي سياسي كمثيلاته الاخريات ويدل على سؤ تخطيط “.  والدكتور البندر قد كتب وكأنه يتنبأ ما ستقوم به حكومة السودان بعد عقود حيث كتب وكأنه عرف على مخططات النظام السوداني (الاسلاماوي الاول في العالم العربي) مع نظام آل سعود في الرياض :”الهدف الاقتصادي الاستراتيجي للحكومة السودانية هو خصخصة مياه النيل الزلال وبيعها لمن تشاء وبالطريقة التي تريد. خط انابيب النفط وتعديل بسيط بكلفة ابسط، يمكن ان ينقل مياه النيل المحملة بالطمي والخصوبة الفائقة من فم قناة جونقلي المعطلة عبر البحرالاحمر ليحول صحارى الجزيرة العربية الى جنة خضراء. وهو ارخص بكثير من مشروع انابيب المياه التركي لدول الخليج الذي يكلف 20 مليار دولار ويشترط مشاركة اسرائيلية. وينهي البندر بقوله:” ان مياه النيل مورد حياة المحروسة وتشكل محور امنها القومي، اصبحت في هذا الزمن اهم واغلى من النفط ! فدول الخليج تستورد الآن مياه معلبة وتعمل على تحلية مياه البحر بتكلفة يقارب سعر برميلها من المياه سعر برميل النفط. وكل التقديرات تشير الى ان سعر برميل المياه سيتجاوز سعر برميل النفط عند عام 2010″.

خاتمة:

ان انجاز “سد النهضة” سينتج عنه تحول استراتيجي في كامل الاقليم ستبرز فيه أثيوبيا كقوة اقليمية ضاربة برعاية امريكية ودعم اسرائيلي وسعودي (مباشر أو غير مباشر) وتصبح فيه أديس أبابا هي ضابط ايقاع الاحداث في حوض النيل. ولك ان تتأمل انه مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين لم يتجاوز سكان مصر 20 مليون نسمة، وبحلول 1980 أضافت مصر 20 مليونا، و20 مليوناً أخرى بحلول 1998، وفي 2012 أضافت مصر 20 مليوناً أخرى. وكل التوقعات تدل على ان سكان مصر سيتجاوزون 100 مليوناً بحلول 2020. لقد تضاعف سكان مصر 5 مرات خلال نصف قرن من الزمان. بينما تتناقص في “هبة النيل” وفي الوقت نفسه نصيب الفرد من المياة.  هنا يستشف من المعلومات وتقاطع تحليل السياق ان السعودية تتعاون مع السودان واثيوبيا واسرائيل  وان اسرائيل تتعاون مع اثيوبيا وان مصر تواجه بتحالف سعودي-اسرائيلي-اثيوبي يستغل ملف المياه لتركيع جمهورية مصر العربية. ليس أخطرها ما حدث في شهر مايو (ايار) 2015 عندما تم توقيع اتفاقية سرية جدا ما بين السودان والسعودية، وان ما يرد اعلاه من تصريحات لرئيس سلطة المياه في السودان مدعما من قبل الامام السوداني الكاروري تم تطبيقه، وذلك لتحويل بعض من مياه النيل في السودان الى السعودية. وبذلك فستكون كل من السعودية واسرائيل تدعمان التحالف السوداني الاثيوبي ضد مصر وان سد النهضة هو تجسيد لهذا المشروع. وعلى الرغم من ظاهر الدعم السعودي للرئيس السيسي الا ان الرياض تقوم في جهة أخرى بدور سلبي تجاه مصر. فماذا لو قامتا السودان واثيوبيا في شن حرب مدعومة ماليا من الرياض وعسكريا من تل-ابيب (بآجر سعودي) ضد مصر؟ هل يفكر وكيف يفكر جهاز الدولة العميقة في مصر  على تقويض هكذا سيناريو قبل ان يصيبها ‘ام الدنيا’ الخراب؟

كيمبريدج، انجلترا