ثقافة رأي

مدينة بيرجنسكي غير الفاضلة

زبيغنيو بريجنسكي مستشار الامن القومي الامريكي السابق

نصر الشمالي
ــــــــــــ
في أواخر الستينات الماضية انهمك قادة الولايات المتحدة من الحزبين في معالجة بدايات معضلة تحوّل دولتهم من مصدّرة إلى مستوردة، ومن دائنة إلى مدينة، فلم يجدوا أمامهم لمواجهة ذلك التطور التاريخي الخطير سوى ابتكار أساليب غير معتادة، وغير شرعية طبعاً، لصياغة علاقات دولية تمكّنهم من ممارسة المزيد من القسر والإكراه وفرض الإتاوات.

وهكذا انطلق مفكروهم في هذا الاتجاه، فكان من أبرزهم زبيغينو بريجنسكي، الذي أعدّ كتاباً عنوانه “بين عصرين” ترجمه إلى العربية الأستاذ محجوب عمر وأصدرته دار الطليعة في بيروت عام 1980.

لقد تضمن كتاب بريجنسكي الفكرة التي أصبحت شائعة فيما بعد، وهي أنّ الكرة الأرضية صارت “أو سرعان ما سوف تصير” مدينة عالمية واحدة. فلا قوميات ولا وطنيات، ولا حدود ولا إيديولوجيات، بل عالم/مدينة تتحول فيه الدول إلى ما يشبه حارات وأحياء، وتقف فيه النخب الأرستقراطية “الاقتصادية والسياسية والثقافية” في مواجهة الدول/الحارات، المغلقة، المتمردة، أو المارقة، أو الضعيفة المغلوبة على أمرها، والتي تعجّ بالعصابات، أي بالشعوب/العصابات!

في ذلك الكتاب تحدث بريجنسكي عن مدينة عالمية واحدة قال سلفاً إنها لن تكون فاضلة! بل هو لم يشر أبداً إلى إمكانية التفكير بإصلاحها، بل أصرّ على بقائها غير فاضلة، لأنّ المصلحة العامة تقتضي ذلك! إنّ على الشعوب/العصابات أن تبقى كذلك، وإنّ على الدول/الحارات أن تبقى كذلك أيضاً، أما الإدارة الأمريكية فينبغي عليها أن تحسن إدارة هذه المدينة العالمية غير الفاضلة كما هي، فتعمل، مثلاً، على مأسسة الجريمة “يقصد بالجريمة: النضال من أجل الحرية والتحرّر” كي يسهل تنظيم العلاقات معها. أما العصابات “يقصد بالعصابات: المناضلين والمقاومين” غير الممأسسة، التي يستحيل تحويلها بالتراضي إلى مؤسسات وإن غير شرعية، فيجري التعامل معها بشنّ الغارات المسلحة ضدّها من وقت لآخر، للتخفيف من غلوائها وليس لاجتثاثها تماماً!

لقد وضع بريجنسكي صورة لعالم يتشكّل من مدينة واحدة، مثل شيكاغو أو نيويورك في النصف الأول من القرن العشرين، حيث الغارات ضدّ العصابات تشنّ لحفظ التوازن، وليس للقضاء عليها نهائياً!

إن وجود العصابات الممأسسة مكوّن أساسي من مكوّنات البنية الأمريكية والدولة الأمريكية، كما هو معروف، وهو سيصبح مكوّناً أساسياً من مكونات المدينة العالمية التي يعمل الأمريكيون على تشييدها!

يقول بريجنسكي في كتابه: إنّ السلطات في كل مدينة تفضل التعامل مع الجريمة المنظمة لا مع الجريمة الفوضوية. إنّ السياسة في المراكز السكانية الأمريكية هي خريطة نموذجية في هذا المجال، حيث نجد المصالح الخاصة، ومجموعات الضغط، والتجمعات الإثنية، والمنظمات السياسية، والمؤسسات الدينية، والقوى الصناعية والمالية الكبرى.. حتى عالم الإجرام السفلي. ونجد كل ذلك يتفاعل في نمط واحد، يشمل حرباً محدودة مستمرة، وتكيّفاً في الوقت نفسه!

يتابع بريجنسكي: إنّ السياسات العالمية تكتسب الآن بعض السمات المشابهة لذلك، فالأمم من مختلف الأحجام، وفي مختلف المراحل التاريخية للتطور، تتفاعل فتخلق الاحتكاك والأنماط المتنوعة من التكيّف والتحالفات المتغيّرة. وبينما تحافظ القواعد الرسمية للعبة في زمن الحرب على وهم أنها لعبة يلعبها أولئك المسمّون دولاً فقط، فإن اللعبة تتم في غير زمن الحرب على أساس غير رسمي أوسع بكثير. إنّ بعض الدول “الثرية” تملك سلطة مسيطرة، وبعضها الآخر “الفقيرة” تعيش في كنف شركات دولية كبرى، أو في كنف البنوك الكبرى، ولذلك تصبح عملية مواكبة النزاعات الدولية مشابهة لعملية مواكبة التنافر في المدينة!

يواصل بريجنسكي: إنّ إحدى السمات المميزة للتجمعات البشرية الكثيفة هي تحويل النزاعات إلى أمر روتيني، وبذلك يصبح العنف المباشر أكثر تنظيماً ومحدودية، حتى يصل في النهاية إلى درجة يمكن اعتباره معها مجرّد انحراف عما هو نموذجي. وبناء على ذلك تتم إقامة قواعد عمل منظمة لإخضاع العنف، ولحصره في حدود مقبولة اجتماعياً، ويسمح بدرجة معينة من الجريمة على أساس أنه لا يمكن تجنب الجريمة نهائياً، ففي سبيل النظام، تفضّل الجريمة المنظمة على العنف الفوضوي، وتصبح الجريمة المنظمة بشكل غير رسمي وغير مباشر امتداداً للنظام!

إنّ بريجنسكي، بحديثه عن الجريمة يقصد، كما أشرنا، كلّ سعي من أجل الحرية والتحرّر، وهو في حديثه عن المجرمين يقصد جميع الشعوب المناضلة من أجل استرداد حقوقها وتحقيق ذاتها! وبالفعل، هاهو يقول بصراحة تامة إنّ الأسلحة ذات القدرة التدميرية الشاملة صار ممكناً استخدامها ضدّ أية نقطة على الكرة الأرضية خلال بضع دقائق، مشيراً إلى أنه زمن يقلّ عن الزمن الذي تحتاج إليه الشرطة في مدينة كبيرة كي تلبي نداء طارئاً يبلّغ عن وقوع جريمة!

لقد أصبحت الكرة الأرضية كلها في متناول اليد، وإنّ أهمية الروابط عبر الأمم آخذة في الازدياد، بينما دعاوى القومية تتناقص شيئاً فشيئاً، وهذا التغيّر قطع شوطاً بعيداً في البلاد الأكثر تقدماً، وإنّ النتيجة المترتبة هي مرحلة جديدة قادمة هي: مرحلة العملية السياسية العالمية!

وهكذا فإنّ نضال الشعوب، من وجهة نظرهم، يوازي حروب العصابات في العالم السفلي لمدينة كبرى. وبريجنسكي يرى أنّ حروب العصابات في العالم السفلي لا تؤدي إلى استياء كبير إلا حين ينفجر العنف ضدّ السلم الاجتماعي العام، الذي تمثله المصالح الكبيرة المكتسبة كالمصارف والمتاجر والملكية الخاصة، وهكذا الحال في حروب العالم الثالث، فهي عادية طالما بالإمكان الإحاطة بمداها الدولي عند مستوى لا يهدّد المصالح الكبرى، وهي سوف تصبح عادية وضرورية بعد انصهار العالم الثالث في المدينة العالمية الواحدة، لكنّ هذه المدينة المنشودة ما زالت- حسب بريجنسكي- تفتقر إلى الشعور بالانتماء، وإنّ كثيراً من المحاولات الحالية هي محاولات لخلق هذا الشعور، أو للعثور على معادل قريب منه.. الخ!.