المغرب الكبير

تونس أزمة الحوض المنجمي … الفسفاط الغنيمة

سالم المرزوقي
ــــــــــ
أزمة قطاع الفسفاط وسكان الحوض المنجمي لن تجد طريقها للحل ما دامت تعالج بشكل خاطئ من جميع الأطراف،سلطة ومحتجين ونقابات وأحزاب حاكمه ومعارضه ولأني من عمال هذا القطاع ومطلع على الكثير من تفاصيله سأحاول أن أدلي بآرائي المتواضعه لعلي أصيب في تصويب طريقة تحليل المعضله وتعقيداتها.
إن معالجة الأزمه دون العودة لتاريخ شركة فسفاط قفصه والمجمع الكيميائي ومجتمع الحوض المنجمي،لن يفضي إلا لمزيد التجاذبات وتعقيد العقد فمن حق سكان الحوض المنجمي الحياة الكريمه والشغل والتنميه ومن حق الدولة استخراج الفسفاط وتصنيعه واستثماره مركزيا لأنه ثروه وطنيه لجميع التونسيين،وإذا ظلت كل أطراف الصراع تتعامل مع الفسفاط كغنيمه ستتفاقم الأزمه وربما تدخل مرحلة خارجه عن السيطره وخطيره على أمن البلاد والعباد وهو ما تدفع نحوه عصابات سياسيه ومافيات ماليه واحتكارات أجنبيه كلها تعمل على مزيد التعكير لتضع يدها على هذه الثروة الهائله.

تاريخ الفسفاط والحوض المنجمي:

من اليوم الأول الذي دخل فيه المستعمر الفرنسي لتونس كانت عينه على المناجم الهائله الكامنه تحت جبال وهضاب مقفره وخاليه من السكان الحضريين ولا تقطنها غير تجمعات صغيره من البدو المشتغلين بالرعي والفلاحة البدائيه البسيطه،وكان لا بد من تأسيس حضري ما لتوفير اليد العامله لشركة الفسفاط الناشئه والتي ستصبح عملاقا اقتصاديا في بلاد فلاحيه متخلفه،فباشرت الشركه ببناء السكن وتوفير متطلبات العيش وشق الطرق والسكك الحديديه نحو البحر للتصدير وأطلقت حملة لجلب اليد العامله من تونس وحتى من خارجها من الجزائر وليبيا والمغرب ومالطا وغيرها ووفرت متطلبات التوطين وهكذا ولدت مدن الحوض المنجمي متاخمة للدواميس المتمدده تحت الأرض بحثا هذا التراب البني الثمين،ومع كل منجم جديد يتطور الانتاج وتتراكم الأرباح ويزداد عدد الوافدين الجدد وظلت سياسة شركة فسفاط قفصه تتحمل أعباء المجتمع الذي صنعته حتى بعد خروج المستعمر الفرنسي سنة 1956 على الأقل في حدوده الدنيا من ماء وكهرباء وصحه وتعليم ونقل وتعاضديات توفر المواد الاستهلاكيه المدعمه وقد بلغ عدد العمال قرابة 17 ألف عامل وإطار تصرف أجورهم في المدن المنجميه لكن وكنتيجه لهذه الأعباء الاجتماعيه التي توسعت وتضخمت نتيجة تضاعف عدد السكان وتوسع المدن والتي لا يمكنها الصمود إقتصاديا إلا بالتأسيس لتنميه موازيه واستثمارات جديده للتخفيف من اسنزاف شركة الفسفاط ومواردها وإصلاح هيكلي لمؤسساتها للحد من الفساد واللصوصيه وإنقاذها من الافلاس ،لكن ما حصل بعد 7 نوفمبر من حلول لانقاذ قطاع الفسفاط كان كارثيا على سكان ومدن الحوض المنجمي وجنة للفساد واللصوصيه والصمصره بثروة البلاد وهو ما لم يدركه غالبية المثقفين التقدميين والنقابيين ومناضلي المجتمع المدني إلا بعد عقدين أي سنة 2008 عندما برز البؤس والفقر والبطاله والتي توجت بانتفاضة الحوض المنجمي.

إنقاذ قطاع الفسفاط على حساب المواطن:

بمجرد أن تمكن زين العابدين بن علي والمحيطين به من السلطه وإزاحة بورقيبه سنة 1987 باشر مباشرة بإعادة هيكلة شركة فسفاط قفصه ودمجها في قطب صناعي موحد مع شركات تحويل الفسفاط ليولد المجمع الكيمائي التونسي وذلك بهدف السيطره المركزيه عن مجمل قطاع الفسفاط وأغلق كل انتداب جديد وسرّح آلاف العمال والإطارات مستعملا الاغراء بفتاة التعويضات ورشوة النقابات والوجهاء المحليين بالمال والمناصب وحتى ننصف الحقيقه فإن قيادات كثيره من الاتحاد العام التونسي للشغل تورطت في تمرير مشروع بن علي التدميري لأهالي الحوض المنجمي مقابل منحهم امتيازات خاصه ،كذلك استعمل بن علي الضغط والقمع لكل نفس معارض ،بعد هذا الانقاذ المشوه بلغ تعداد عمال شركة فسفاط قفصه 5 آلاف بعد أن كان 17 ألف عامل وإطار وتزامنت هذه الخطوات مع حمله دعائيه مكثفه بالوعود المزيفه حول إنقاذ الاقتصاد والنمو والازدهار ونجح في تمرير مشروع إعادة الهيكله والتي هي في جوهرها تخلي الشركه نهائيا عن مسؤولياتها التنمويه والاجتماعيه الموروثة من زمن التأسيس وتوطين السكان ومرّر انسحاب الدوله وتخلصها من التزاماتها نحو مواطنيها وتركتهم لمصيرهم بخدعة إنقاذ قطاع الفسفاط من الافلاس ،لتنطلق ماكينة امتصاص الأرباح فأطلقت أيدي الشركات الخاصه عبر المناوله والصمصره والمناقصات واللصوصيه وتراكمت الأرباح بتطوير طرق الانتاج حيث وقع التخلي عن حفر المناجم في الأعماق (الداموس) و فتحت المناجم وأصبحت مقاطع خارجيه ليقفز الانتاج من 4 ملايين طن في السنه الى 8 ملايين طن سنة 2010 وبعثت شركات جديده للتحويل لمزيد اسنزاف هذه الثروة الهائله ،كل هذا مقابل إهمال كلي لسكان الحوض المنجمي الذين فقدوا سند الشركه مع انسحاب الدوله.

من المفارقات “الغريبه” في نضالات الحوض المنجمي حالة التشرذم والانفصام وربما التناقض بين الطبقه العامله الأصليه المستقره في شركة الفسفاط والمصانع وبين الفئات والشرائح المهمشه والفقيره،حيث أصبح غالبية العمال تنأى بنفسها عن النضال خشية فقدان مورد رزقها جراء نضالات البطالين والمهمشين المعطله للانتاج ما يهدد بإفلاس الشركات وغلقها ،وقد بدأ التململ يظهر على شرائح كثيره من الشعب التونسي جراء الفوضى والاضرابات العشوائيه لتبدأ بعض الأصوات منادية بعسكرة الحوض المنجمي وهي دعوة مبطنه للقمع في غياب تام لصوت القوى التقدميه (ربما بسبب نقص ثقافتها وشعبويتها السياسه) وهي التي بإمكانها وحدها عقلنة النضالات وتوحيدها،لأن تلك التحركات الشبابيه محقة ومشروعه من حيث الجوهر أي النضال ضد الفقر والبطاله والتهميش وانسحاب الدولة وتخليها عن مواطنيها،ولكنها خاطئه من حيث الشكل من قطع الطرقات وغلق المصانع والمناجم ما جعل هذه الاحتجاجات فريسة سهلة لتوجيهها نحو العنف والفوضى والتوظيف من طرف لوبيات الفساد والأحزاب الرجعيه والعميله التي تطمع في الاستيلاء على هذه الثروة الوطنيه وتحويلها من ملكيه عامه تحت تصرف الدوله الى القطاع الخاص.

طالما ظل قطاع الفسفاط غنيمة تتصارع حولها عدة أطراف منها الداخلي ومنها الخارجي وطالما كل هذه الأطراف تتخفى بالمصلحه الوطنيه وطالما غابت القوى التقدميه والنخب المثقفه وأهل الاختصاص عن موقع الصراع المعقد في الحوض المنجمي ستظل حيتان الفساد واللصوصيه تتبادل الأدوار داخل منظومة الحكم في الحكومه والبرلمان وعلى الأرض عبر التحريك والتبريد حتى تتمكن من الاستيلاء ثروة الشعب التونسي والتصرف فيها بيعا ولصوصية،وعلى القوى الوطنية الفاعله كالاتحاد العام التونسي الشغل ومنظمات المجتمع المدني التقدميه أن تتخلى عن سلبيتها وشعبويتها وتتحرك بفعالية لعقلنة الاحتجاجات وصهرها في النضال الوطني العام ومنعها من الفوضى والعنف وترميم علاقتها بالطبقه العامله داخل المصانع والمناجم لأن من مصلحة كل هذه الشرائح والطبقات بقاء هذه الثروة الفسفاطيه عموميه،أما إذا تواصل هذا الفراغ وشعبوية التضامن والمسانده التي هي هروب من الواجب الوطني فلن يستغل هذا العجز إلا أعداء الوطن والشعب.