رأي في الواجهة

أمريكا رأس إمبراطورية الرأسماليه لن تنهار ربما تنهض

President Donald Trump pauses during a ceremony in Oval Office of the White House in Washington, Wednesday, Feb. 1, 2017, for the swearing in ceremony of Rex Tillerson as Secretary of State. (AP Photo/Carolyn Kaster)

سالم المرزوقي
ــــــــــــــــــ
كنت من المصدقين بنظرية أن الامبراطوريات لا تسقط ولا تهزم بل تنهار من الداخل وأنتظر كما الأبله هذا الانهيار الذي أراه قريبا كلما اهتز الدولار في البورصه أو هزمت أمريكا عسكريا منذ أنقذت سفيرها في سايغون من سطح السفاره المحاصره من طرف الثوار الفيتناميين،لكن لا شيئ حصل حتى بعد أزمة الرهن العقاري في 2008 والتي شبهها البعض بأزمة ركود 1929 ،لم تتأثر بنية الرأسماليه ،وبعد كل حدث هزائمي تستعيد الولايات المتحده الأمريكيه عافيتها وتسنهض قوتها لحرب جديده وعدوان أكثر شراسه وبأسلحه أكثر فتكا وبمبررات أكثر وقاحة وتحدي للقانون الدولي كما حصل في العراق واليوم في سوريا،ونظل نحن الواهمين ننتظر الحدث القادم لنتفاءل بانهيارها ونسأل بعفويتنا الى متى و متى ستنهار امبراطورية الشر وكيف؟

أمريكا ليست روما:

أمريكا الامبراطوريه ليست كما روما تسقطها أزمة أو هزيمه عسكريه إلا في عقليتنا المقيده التي تضبط إيقاعها على المنهج القديم الذي يطابق التاريخ مدعيا العلميه وقراءة المستقبل لكن هذه القراءة عرجاء لا تعير أهميه للتغيرات النوعيه والطفرات الثوريه في التاريخ البشري(وهي جوهر الجدل الماركسي) والتي لها دور ليس فقط في الحدث في حد ذاته كتغيير نوعي سياسي واقتصادي واجتماعي بل حتى في مناهج التفكير والفلسفه والعلوم والفنون وليس أهم اليوم من الطفره الخارقه في العلوم والتقنيات التي قفزت بالانسانيه من عالم مشتت ومجزأ متحكم فيه بحدود وجيوش ودول الى عالم مفتوح و مفروض بقوة التكنولوجيا الرقميه والاقمار الصناعيه وغيرها من اكتشافات مذهله في الفيزياء والكيمياء ما يجعل التحدي الأكبر ليس القوه العسكريه والاقتصاديه للدول كما في السابق بل النظره الاستشرافيه لمستقبل البشريه والذي هو الإيمان بالعلم كمحدد قوة وضعف لكل كيان سواءا كان دولة أو مجتمعا أو فردا.
مما سبق تسقط نظرية انهيار الامبراطوريات بالمنطق الأزماتي ولا يمكن لدوله عظمى كأمريكا أن تسقط بهزيمه عسكريه هنا أو انهيار اقتصادي هناك مهما بلغت حدة هذا الانهيار أو الهزيمه وهذا ما اكتشفه الصينيون والروس والهنود بعد استيقاضهم من سكرة الحلم الماركسي والحتميه التاريخيه وجسده الزعيم الصيني جان زيمين عندما صحح نظرية ماو تسيتونغ “الامبرياليه نمر من ورق” بالقول أن “الامبرياليه نمر وله مخالب حاده”،ونشهد اليوم نتيجة هذه العقلانيه الواقعيه القوه الاقتصاديه للصين والنهوض الروسي العسكري والعلمي وكثيرة هي الشعوب والدول حتى الصغيره التي استوعبت ونهضت، أما عقلانيتنا العربيه فما زالت تعيش على وهم القراءه الميكانيكيه للتاريخ وتنتظر الحتميه في التحرر والانعتاق وهي في الأخير قدريه مثاليه مغلفه بماديه قشريه لا تعير أهميه لطفرات التاريخ البشري.
أمريكا اليوم تعيش انقساما حادا وصراعا داخليا ليس بين الطبقه الرأسماليه والطبقات المضطهده كما المتعارف عليه (وهو صراع سيظل ملازما لكل نظام رأسمالي رغم تحوله تدريجيا لصراع إصلاحي أكثر منه صراع ثوري بالمفهوم الماركسي) بل صراع أهم ورئيسي بين رأسماليه قديمه أدوات انتاجها قديمه وفلسفتها أقدم وسياستها مهزومه وتجسدها لوبيات صناعة السلاح وشركات النفط وصماصرة المال والمضاربه تصارع رأسماليه صاعده رأسمالها علوم وتقنيات حديثه،وحتى نقرب الصورة للقارئ فالرأسماليه القديمه وبحكم مصالحها لمراكمة الأرباح مجبره على استعمار الشعوب لاستنزاف ثرواتها ومجبره على توليد الحروب لبيع أسلحتها ومجبره على فرض النظام المالي لفرض هيمنة الدولار لكن الرأسماليه الحديثه(ان صح التعبير) تتحفظ عن هذا وتجنح للسلم وتعمل على الحد من التسلح وتساند تحرر الشعوب والديمقراطيه وحقوق الانسان وتساندها باقي الطبقات حتى المضطهده والسر أنها أي هذه الرأسماليه تستطيع أن تجمع المال من كل بيت حتى لو كان في أدغال افريقيا وتستطيع أن تستثمر في كل رقعة من الأرض مهما كانت الحماية التي تفرضها الدول بلا أسلحه وبلا حروب ومن الأمثله بيل غيتس صاحب شركة ميكروسوفت الذي فاقت ثروته كل احتكارات شركات النفط ولوبيات السلاح أو الشاب إيريك صاحب شركة فيسبوك ولنقس على هذا مختبرات الأدويه والزراعات والاختراعات الصناعيه العجيبه،وهذه الشريحه من الرأسماليين الطموحه تدرك أن عصر الصراع الكلاسيكي العسكري والاقتصادي للسيطره والهيمنه انتهى وأن العصر لمن يمتلك ناصية العلم والمعرفه ولا عاقل يفسر هذا بالصدفة بل أن وراءه فلسفة تستشرف المستقبل وتقرأ التاريخ بعقلانيه مبدعه غير ميكانيكيه كما يقرأها عقلانيونا العرب.
مما سبق يمكننا أن نستنتج أن أمريكا كامبراطوريه لن تنهار بل يمكن أن تنهض مستغلة السبق العلمي وبنية المجتمع العلمي والعلماني المهيأه دائما للنهضه وربما تكون حلقة جديده من التطور الرأسمالي الغير مدون في أدبيات الماركسيين وهي مرحلة إصلاح ليست بالسوء والبشاعة التي مرت بها الرأسماليه سابقا من استعمار واستغلال.

الفاشيه المتراس الأخير للرأسماليه القديمه:

منذ صعد دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحده الأمريكيه شهدت السياسه الأمريكيه اضطرابا وتخبطا لم تشهده أية إداره أمريكيه من قبل،من النقيض الى النقيض،ترفع الشعارات والتصريحات المتطرفه لتعقبها ممارسات مناقضه تماما،فمرة دعوة للانغلاق والانسحاب من المعاهدات الدوليه ومرة دعوة لمزيد الانفتاح والفعاليه في هذه المنظمات ،مرة الدعوه للصدام العسكري مع الدول المتمرده واستعمال حتى الأسلحه النوويه ومرة التحاور معها كما هو الحال مع كوريا الشماليه وإيران وقريبا سوريا وقد ذهب أغلب المحللين لصراع الاداره الحاليه مع الدوله العميقه وهو تحليل ساذج وربما ماكر لاخفاء الحقيقه لأن لا فرق بين الاداره الحاليه والدوله العميقه فكلاهما دولة رأس المال ،لكن الاداره الفاشيه لدونالد ترامب تدافع عن الرأسماليه القديمه ممثلة في لوبي الصناعات العسكريه ولصوص البورصات المتحالفين مع الصهيونيه كأداة نفوذ وهو معسكر يدفع نحو الحروب لتغذية الصناعات العسكريه والهيمنه المباشره لنهب ثرواة الشعوب بالقوه وفرض هيمنة أمريكا والمعسكر التابع لها على سياسات الدول والمنظمات الدوليه ،يقابلها ويفرمل جموحها معسكر كذلك رأسمالي له نفوذ قوي يتحكم في التقنيات الحديثه وأصبح يمثل عصب الاقتصاد ومديره لكنه يجنح للسلم العالمي ومؤيد للانفتاح والعولمه وسيادة القانون في العلاقات الدوليه ليس لأنه انساني العقيده،بل لثقته في إمكانياته وقدرته على السيطره والنفوذ والربح بأقل الخسائر و بدون حروب وأسلحه وصراعات وهذا ما يتقاطع مع القوى الصاعده كالصين وروسيا وباقي دول البريكس وهذا كذلك ما يزعزع القراءه الماركسيه الكلاسيكيه للصراع الطبقي أقصد نظرية الامبرياليه أعلى مراحل الرأسماليه ،لأن مرحلة جديده من الرأسماليه تؤسس وعليها إجماع أممي وداخل أمريكا كمركز، فكلا الشريحتين الرأسماليتين المتصارعتين متغلغله فكريا وسياسيا في كل أوساط المجتمع الأمريكي بكل طبقاته وشرائحه بدءا من الطبقه العامله وصولا للحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري وهذا ليس صدفة عرضيه وتعبئه ظرفيه بل له أسس اقتصاديه راسخه تحكم علاقات الانتاج،فالاقتصاد الأمريكي أسس لنموه وقوته الداخليه بالهيمنه والاحتكار المحصن بالقوه العسكريه واحتكار العلوم والمعارف وراكم الأرباح وتوسع في العالم أي الامبرياليه لكن اليوم هذه المرحله استهلكت كل قدراتها ولم يعد بإمكانها الصمود وحتى لا ينهار الكل وبفعل ديناميكية التحول الحتمي ولدت شريحه رأسماليه اعتمدت العلوم والتقنيات العصريه ونجحت في حصد أرباح خياليه في زمن قياسي،فخلال عقدين فقط أصبح بيل غيتس مثلا من أثرياء العالم وحقق احتكارات ونفوذ لم تنجزه شرائح صناعة السلاح واحتكارات النفط طيلة صراعاتها وحروبها. هذا لا يعني إلا شيئ واحد أن الجديد الرأسمالي ينمو ويتبلور من أحشاء الرأسمالي القديم ويؤسس لمرحلة جديده من التطور الرأسمالي وهذا سيؤجل لحقبة قادمه الحلم الاشتراكي.

الخلاصه:

كل ما نسمعه ونراه في وسائل الاعلام وكل تهديدات وتصرفات الرئيس الفاشي ترامب ومؤيديه وعملاءه ليس إلا فقاقيع وتقيؤ وأعراض حمى لسقوط منظومة الرأسماليه القديمه الذي أصبح حتمى لأنه محكوم بواقع موضوعي نتج عن تطور بشري علمي ومعرفي وعلى القوى الرجعيه المتخلفه كمشيخات العرب ونظمها أن تتهيأ للرحيل قبل أن تدفن حية مع نفيات النفط وعلى القوى التقدميه والديمقراطيه أن تتهيأ للتأقلم مع هذا العالم الجديد بنفض غبار السلفيه الفكريه والأحلام الورديه اللاّواقعيه وتتسلح بالعلوم والتقنيات العصريه لتتمكن من الدفاع عن شعوبها وتكسب لها مواقع في عالم لن يرحم المتخلفين والجهله.