أحوال عربية

سورية … الغوطةُ الشرقية كواجهةٍ لاختبار الإرادات

د. محمد عادل شوك: 7/ 3/ 2018م.
إنّ ما تشهده الغوطة الشرقية حاليًا من هجمة عسكرية مكثّفة، ليعيد إلى الأذهان هجوم البليتز الألماني، ذي الثمانية أشهر على لندن، إبان الحرب الكونية الثانية.
ناهيك عن المساعي المتكررة التي هدفت القضاء على هذه البؤرة الخارجة عن السيطرة، بدءًا من النصف الثاني من عام ٢٠١١، و مرورًا بتداعيات الحصار التي عانت منه مدنها وبلداتها في ربيع عام ٢٠١٣، لتصل إلى حدٍّ استثنائيّ جديد منذ نهاية عام ٢٠١٧ و حتى اليوم، و هو ما أدّى إلى مقتل قرابة ١٣ ألف مدني.
في ظلّ ذلك يبرزُ السؤال حول أهمية الغوطة الشرقية الاستثنائية، بالنسبة إلى الأطراف المتحرّكة في الملف السوري.
إنّ الموقع الاستراتيجي الذي تتمتّع به الغوطة، يجعل منها ذات أهمية قصوى، يصعب على أيّ نظام يحكم دمشق التخلي عنها، و تركها في قبضة مناوئيه، فهي:
ـ تمثّل الخاصرة المهمة التي تحيط بالعاصمة دمشق؛ ما يسهل على الفصائل استهداف النقاط العسكرية والفروع الأمنية، و من أهمها إدارة المركبات التي كانت توصف قبل حصارها الأخير، بقلعة وزارة الدفاع الأهم في العاصمة.
ـ تمثل بؤرة تهديد دائم يرزح تحتها مطار دمشق الدولي.
ـ المدخل الأقرب الذي يؤرّق النظام من جهة جوبر، في حال فكّرت الفصائل بالقيام بأيّ عمل عسكريّ مجددًا، فمنها يمكن الوصول مباشرة إلى ساحة العباسيين في قلب دمشق.
و هي من خلال شبكة الأنفاق التي حفرتها الفصائل، على غرار تجربة حماس مع منطقة رفح المصرية، و أدخلت من خلالها معظم احتياجاتها من المواد الغذائية، و أطنانًا من الذخائر، و أخرجت كثيرًا من الحالات الحرجة إلى خارج البلاد، و بما يحيط بها من بساتين و أراض زراعية شاسعة؛ كانت قادرة على التأقلم مع حصار امتدّ لأكثر من أربع سنوات.

إنّها بذلك لتمثّل كابوسًا للنظام في حال وصلت الأمور إلى درجة الاختناق؛ الأمر الذي يجعل الفصائل لا تتوانى عن القيام بعمليات عسكرية كبيرة داخل العاصمة، و يمنحها إمكانية القيام بعزل دمشق عن مناطق الداخل، في حال قامت بقطع نقطة تقاطع طرق الأوتوستراد الرئيسة التي تمر بها من دمشق نحو الشمال، مثل أوتوستراد دمشق ـ حمص حلب الدولي.
الأمر الذي يجعل التفكير بتكرار مشهد أحياء حلب الشرقية غير وارد، لما يربو عن أربعمائة ألف مدنيّ، و أربعين ألف مسلّح، يجمع بينهم قاسم المحليّة، و العصبية المناطقية، بشكل افتقدته الحواضن الشعبية، و الفصائل على حدّ سواء في حلب.
ناهيك عن أن تجربة حلب القاسية للذين استقلّوا الباصات الخضراء، لتحول دون تكرارها لدى أهل الغوطة، الذين لا يرون في جبال إدلب منزلاً بعد منازلهم، هذا فضلاً عن تخوّف أطراف في إدلب من وصول مسلّحي الغوطة، الذين لا يجمعهم معهم كثير ودّ، إن لم نقل تاريخ مليء بالمناكفات المسلحة، و هم في حال وصولهم، لربما يغيّرون كثيرًا من شكل الخارطة المسلحة فيها، و هو الأمر الذي لا ترغب فيه بعض الأطراف المتحرِّكة في الملف السوريّ في هذه الآونة.
و هناك من يذهب من المراقبين إلى أنّ أمريكا و معها بعض الأطراف الأوربية، قد نجحت في الدفع بروسيا من طرف راع للأزمة السورية، إلى طرفٍ مباشر فيها، و تخليها بشكل لا ينمّ عن مهارة سياسية عن الدور، الذي أراده بوتين للعودة إلى المسرح الدولي.
و هو ما ييسر على إدارة ترامب العودة مجددًا إلى المنطقة، من خلال الانعطافة التي أخذت بعض ملامحها في الظهور، بعد الإعلان عن الاستراتيجية الأمريكية في سورية، التي أعلنها الوزير تيلرسون في جامعة ستانفورد، في: 17/ 12/ 2017.