المغرب الكبير رأي

عودة الدولة البوليسية إلى تونس

توفيق المديني
ــــــــــــــــ
خلال حقبة الديكتاتورية التي امتدت لعقود من الزمن ، شهدت تونس سيادة الدولة البوليسية ، التي يمكن تعريفها بأنّها دولة المخابرات الرهيبة بصلاحياتها غير المحدودة،التي يحتل فيها رجال الشرطة والبوليس السياسي القوة الضاربة في ممارسة شتى أنواع الاستبداد والتسلط،والذين بإمكانهم إساءة استعمال السلطة بلا خوف من العقاب والتدخل الفئوي في الحياة السياسية، والإفراط في استعمال القوة والتعذيب أو قتل معارضين ،بل إن ذلك يعتبر من المزايا الإضافية الملازمة لهذه المهنة.وكانت هذه الدولة البوليسية تتمسك شكلياً بالمظهر الديمقراطي الخارجي لتسويغ سلطتها،في محاولة إسباغ الشرعية على نظام حكم الرئيس بن علي المخلوع العاري منها،ومن كل شرعية سوى شرعية القوة،والقمع،الأمر الذي جعله يعيش حالة من الرعب والهلع المقيمين،تكاد أن تكون لا عقلانية، بحيث يرى في أبسط مظاهر الاعتراض، والاحتجاج مهما كانت ضئيلة ومهما كان مأتاها ضعيفاً، خطراً ماثلا يتهدده في وجوده.

ما قادنا إلى الحديث عن الدولة البوليسية في تونس، وجود مؤشرات قوية تؤكد على عودتها إلى المجتمع السياسي الجديد ، لا سيما مع انطلاق حركة الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها البلاد في الشهر الماضي، والتي كشفت لدى الرأي العام التونسي، وكذلك منظمات المجتمع المدني ، وفي مقدمتها نقابة الصحافيين التونسيين، عن وجود حملة قوية تهدد حرية الصحافة والتعبير في تونس، وتستهدف الصحفيين بغية إخضاعهم وتكميم أفواههم.فمن وجهة نظر نقابة الصحافيين التونسيين انطلقت هذه الحملة إثر تصريحات رئيس الدولة التونسية الباجي قائد السبسي في 13 يناير/كانون الثاني 2018 ضد مراسلي الصحافة الدولية، والتشكيك في مهنيتهم وحيادهم، مما نتج عنها اعتداءات جسيمة طالت الصحفيين أثناء أداء عملهم في الميدان، تمثلت في عنف بدني و حجز للمعدات وتوجيه تهديدات وهرسلة وصولا إلى الايقافات، وذلك على خلفية تغطيتهم للإحتجاجات الإجتماعية التي عرفتها مناطق عديدة بالبلاد ضد تردي الأوضاع المعيشية والإجتماعية.

ومن المؤشرات الخطيرة لعودة الدولة البوليسية التونسية ، إقرار وزير الداخلية التونسي ، أمام لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب، خلال جلسة إستماع له يوم الإثنين الماضي ، بالتنصت على هواتف صحفيين خلال الإحتجاجات التي عرفتها البلاد مؤخرا، حيث لم يتردد الوزير بالمناسبة في توجيه تهديدات إلى المدونين المنتقدين لعمل وزارته.وكان الصحافيون التونسيون اشتكوا من عودة المراقبة الأمنية لمحلات سكناهم ومقرات عملهم وخلال تنقلاتهم، مشيرين إلى أنه بالتوازي مع هذه الممارسات، إنطلقت حملات تشويه وتخويف وتهديد بالتعذيب والإغتصاب من قبل عناصر أمنية على شبكات التواصل الاجتماعي ضد الصحفيات والصحفيين، دون أي رادع وفي إفلات تام من العقاب.

وتزامنت مع هذه السياسة “المعادية” لحرية الصحافة، دعوات من مسؤولين في الدولة التونسية لإعادة إحياء جهاز “وكالة الاتصال الخارجي سيئة الذكر”، والتي لعبت زمن الإستبداد دورًا محوريًا في قمع حرية الصحافة وشراء الذمم وإفساد القطاع وتلميع صورة الاستبداد،إضافة إلى سعي الحكومة التونسية لفرض تشريعات تضييقية وخانقة لحرية الصحافة والتعبير والتظاهر، من خلال مشاريع قوانين “فاشية لا تليق إلا بالدول الدكتاتورية”، حسب توصيف الإعلاميين والصحافيين التونسيين ، على غرار مشروع قانون زجر الإعتداءات على القوات الحاملة للسلاح، ومشروع القانون الأساسي المتعلق بإحداث هيئة الاتصال السمعي البصري، الذي لا يتماشى ومسار إصلاح الإعلام والمعايير الدولية لحرية الصحافة.

غير إنّ أخطر المؤشرات على الإطلاق التي تؤكد عودة الدولة البولسية في تونس، تتمثل في وتيرة تسارع عودة الوزراء الذين كانوا ينتمون إلى “حزب التجمع” المنحل للحكم ،ماأثار حفيظة القوى الوطنية و الديمقراطية التونسية، وإستيائها من التعديل الوزاري الذي اجراه رئيس الحكومة يوسف الشاهد في سبتمبر 2017 ، و تم تعزيز بموجبه الطاقم الحكومي بـ18 وزيرا وكاتب دولة من الذين شغلوا خطط وزارية أو حزبية في “التجمع الدستوري الديمقراطي” في عهد النظام الديكتاتوري السابق، من إجمالي 43 وزيرًا في حكومة الوحدة الوطنية بنسبة الأربعين في المئة ،حتی أنّ حاتم بن سالم وزير التربية الجديد ورضا شلغوم وزير المالية كانا يشغلان الخطط الوزارية عينها عشية هروب بن علي.

وكان حاتم بن سالم مدافعًا شرسًا علی نظام بن علي أثناء توليه خطة سفير تونس لدی الأمم المتحدة بين سنوات 2000 و 2002 في جينيف حيث كان ينفي قيام النظام بتجاوزات حقوقية وينكر وجود تعذيب في السجون. أما محمد زين العابدين وزير الثقافة الحالي فيشهد عليه مقاله الشهير (صحيفة لابراس) في تمجيد بن علي حيث كتب :” إنّ بن علي يحارب لأجل دولة العدالة…”

ويعتبر المحللون المنتقدون لعودة الدولة البوليسية التونسية ،أنّ الذي شرعن عودة الوجوه التجمعية القديمة هي رغبة الرئيس الباجي قائد السبسي النابعة من الخوف من إضعاف الدولة بعد الهزات المرتدة من الثورة ،كما أنّها أيضا ناتجة عن تحول “حزب نداء تونس “إلی “حزب تجمعي “صريح وهو المسيطر علی الإئتلاف الحكومي مع حركة النهضة الاسلامية ،رغم أن هدف النداء التأسيسي في 2012 كان إزاحة الإسلاميين من الحكم والدفاع عن النمط المجتمعي والإرث البورقيبي بتحالف بين الحداثيين والعلمانيين عبر أربعة روافد يسارية ودستورية ونقابية ومستقلين ،ومع العودة القوية للتجمعيين في انتخابات 2014 وسيطرتهم علی قيادة “حزب نداء تونس”، وكذلك على البرلمان التونسي.

لماذا يقرع الصحفيون و منظمات المجتمع المدني في تونس جرس الإنذار من عودة الدولة البوليسية ، لأنّهم يعوا جيدّا أنّ ترتيبات الدولة البوليسية التونسية تكونت تاريخيًا من النخبة السياسية المتسلطة ممثلة ب”حزب التجمع الدستوري الديمقراطي” المنحل ،ومن جهاز البيروقراطية المركزية العليا للدولة، ومن أجهزة المخابرات، بدءاً من الشرطة السرية ، وصولاً إلى البوليس السياسي ،ومن البنى الموازية والمساندة لنظام الحكم التسلطي مثل اتحاد الصناعة والتجارة، والاتحاد القومي للفلاحين، الممثلة لكبار الملاك وكبار التجار. فضلاً عن إنّ تعزيز العودة القوية لسيطرة “حزب التجمع” مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية في شهر مايو المقبل ،لا سيما في ضوء اعتماد “حزب نداء تونس” الذي يشرف عليه حافظ قائد السبسي نجل رئيس الجمهورية على الشبكات المحلية ل”حزب التجمع “المتغلغلة في النسيج المجتمعي التونسي التي تمتلك القدرة و الخبرة على التفعيل والإحياء والتنشيط بعد أن دخلت في سبات جزئي منذ الثورة ،وعلی البارونات التجمعية الاقليمية(الجهوية ) المتحكمة في الماكينة الانتخابية الاجتماعية، يخدم مثل هذه العودة لسيطرة الدولة البوليسية على مكونات المجتمع المدني .

لاشك أنّ عودة الدولة البوليسية التونسية ، يقود إلى إعادة القبضة الأمنية على الإعلام، ونسف أهم مكتسبات الثورة التونسية المتمثلة في إقرارالدستور الديمقراطي، و إرساء عملية الانتقال الديمقراطي، ومصادقة تونس على المعاهدات و المواثيق الدولية التي لها علاقة بحماية وتعزيز حرية التعبير والصحافة وحقوق الانسان عامة.