في الواجهة

ما بعد خطاب بوتين ليس كما قبله

د . علي مخلوف
ـــــــــــــــــ
في بداية القرن الماضي احتاج العالم الى حرب عالمية اولى (1914 – 1918) قدمت فيها اوروبا الملايين من الضحايا ، ودمار وخراب وامراض ، حتى وصل العالم الى توازنات وتوافقات دولية اخرجت في معاهدة فرساي مع المانيا (1919) التي أذّلت ألمانيا ، ومعاهدات اخرى مع باقي الدول التي خسرت تلك الحرب ، فتم اعادة تركيب اوروبا من جديد أي فك وتركيب بما يخدم الدول المنتصرة وتم تشكيل عصبة الامم المتحدة التي اوجدها المنتصرون في تلك الحرب وبما يخدم مصالحها.

عندما تغيرت توازنات القوى من جديد ونهضت المانيا (الهتلرية) والتي ارادت ان تثأر لنفسها وتعيد ما خسرته في الحرب العالمية الاولى ، ادى الى دخول العالم في أتون الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) وكانت ايضا في اوروبا وعلى اراضيها وكان ضحاياها اضعاف مضاعفة للحرب العالمية الاولى ، وكان الدمار والخراب.

ليدخل العالم من جديد في توازنات جديدة وقوى منتصرة جديدة فكان مؤتمر يالطا وتقسيم العالم من جديد بما يخدم ايضا تلك الدول المنتصرة ، لتحل هيئة الامم المتحدة بدل عصبة الامم والتي انبثق عن هذه الهيئة مجلس الامن الذي وُجِد لخدمة الدول المنتصرة في تلك الحرب وانقسم العالم بين الغرب والشرق بزعامة الولايات المتحدة الامريكية من جهة والاتحاد السوفييتي من جهة اخرى ، لتبدأ من جديد ما سمي بالحرب الباردة بينهما ، وتكون ساحة تلك الحرب هي عبارة عن بؤر توتر منتشرة حول العالم يتنافس فيها الشرق مع الغرب على المصالح والولاءات والنفوذ فكانت الحرب الكورية وحرب فيتنام والصراع الامريكي السوفييتي على كوبا وكانت الحروب في افريقيا اوغندا ، موزامبيق ، اثيوبيا ، وغيرها ، وكان الصراع على سورية وعلى مصر وعلى العراق ، وكامل الشرق الاوسط خاصة بعد غرس اسرائيل عنوة بالمنطقة ، كقاعدة متقدمة للغرب وفي خدمة المصلحة الامريكيه.

لتنتهي هذه الحقبة بسقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن الماضي ، وتخرج امريكا منتصرة وتعمل على فرض ارادتها بالمطلق على العالم كله للوصول الى الاحادية القطبية ، ويقوم الامريكي بتدشين تلك المرحلة بغزو افغانستان وغزو العراق.

من الملفت في الحربين العالميتين الاولى والثانية هو حصول تلك الحربين المدمرتين فوق الأراضي الاوروبية ومن دفع فاتورة الدم والخراب والدمار كانت أوروبا نفسها بشكل اساسي ، اما ما كان يميز الحرب الباردة انها كانت متنقلة في كل العالم ما عدا الدول الكبرى واوروبا.

اما اليوم ونحن نستمع الى خطاب فلاديمير بوتين وهو يقرع طبول الحرب ويهدد بشكل كامل ومباشر الولايات المتحدة الامريكية بعد ان غاب الروس طويلا عن تلك اللهجة منذ ايام خروتشوف وقصة حذائه الشهيرة في الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1960 ، وكأننا اصبحنا على ابواب حرب عالمية ثالثة معلنة عن انتهاء القطبية الاحادية والتفرد الامريكي بالعالم ، والانتقال الى تعددية الاقطاب وتشكيل التكتلات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تعبر عن هذه الاقطاب المتباينة.

الساحة الاساسية لهذه الحرب اليوم هي سورية ، وعلى كامل ترابها وفوق رؤوس اهلها ، ويبدو ان هذه الحرب التي طالما ادارها الامريكي بواسطة وكلائه من العملاء والارهابيين التكفيريين ، يبدو انها تنتقل اليوم الى الصراع عبر الاصلاء ، ولتكون ارضنا السورية وشبابنا واهلنا وبيوتنا ، هي ساحتها ، وهي ارضها وفيها سيتم تثبيت نظام عالمي جديد او الابقاء على الاحادية القطبية.

نعم انها معركة كسر عظم و معركة كسر ارادات ، مازال الطرفان في جعبتهما الكثير لاستخدامه ، ونحن ليس لدينا الا الصبر والتحمل ومتابعة المعركة ضد الارهاب والارهابيين وضد مشغليهم ، انها معركتنا كما هي معركة روسيا ، وانها معركة حلفائنا من ايران وحزب الله كما هي معركتنا.

وفي النهاية هناك استبعاد كامل لاي صدام نووي بين الطرفين فالطرفين لهما تاريخ حافل في الصراع على حافة الهاوية ، دون الوقوع فيها ، فلا بد ان يتفقا ويتقاسما النفوذ في النهاية ، أما نحن السوريين وبمعظمنا ومن كل الاطراف لابد سنكون مشغولين عندئذ بلملمة جراحنا والعمل على اعادة اعمار ما خربته ودمرته هذه الحرب اللئيمة ، وبعضنا لا شك سيكون قد قفز الى تلة عالية من المليارات التي جناها من ظهر ومن الام و جراح اولئك الذين استشهدوا او جرحوا ، والبعض الاخر سيكون ما زال غافلا أو مُغفَلا ومعتقدا انه كان يقوم بثورة ضد نظام ، ولا يعرف انه كان يقدم اكبر خدمة لاعداء بلده واهله.