أحوال عربية رأي

المسؤول الأوّل عن الإرهاب ـــــــ سعود سالم

زبغنيو بريجينسكي Zbigniew Brzezinski مفكر استراتيجي ومستشار للأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر بين عامي 1977 و1981 وهو حاليًا متقاعد من عمله كمستشار في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، وقد درّس السياسة الخارجية الأميركية في كلية بول نيتز للدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز في واشنطن. كان زبغنيو بريجينسكي من الشخصيات القليلة من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية التي حذرت إدارة بوش صراحة من غزو العراق. وينقل عنه في مارس 2003 وقبل حرب العراق بأسابيع قوله إنه إذا قررت الولايات المتحدة المضي قدما في خططها الخاصة بالعراق، فسوف تجد نفسها بمفردها لتتحمل تكلفة تبعات الحرب، فضلا عن ازدياد مشاعر العداء والكراهية الناتجة عن تلك الحرب. ربما يكون موقفه هذا ناتجا عن تجربته الأفغانية، حيث يعتبر هو الذي نصب الفخ للقوات السوفييتية في جبال افغانستان، وأحد الأسباب المباشرة لبروز ظاهرة الإسلام الجهادي المسلح.
قبل الغزو السوفيتي لأفغانستان في 24 ديسمبر/كانون الأول عام 1979، بالتحديد قبل ذلك ببضعة أشهر على الأقل قام الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» بتوقيع التوجه الأول نحو تقديم المساعدات لمعارضي النظام الشيوعي الموالي للسوفييت في كابول وتنظيم وتشجيع التمرد المسلح. استمرت الحرب ما يقرب من 10 أعوام وكانت موسكو مضطرة للاستمرار في الحرب رغم عدم وجود دعم شعبي كافٍ لها. وهذا الصراع أدى في النهاية إلى إضعاف معنويات المجتمع السوفييتي وأخيرًا انهيار الإمبراطورية السوفيتية. تم تنفيذ الخطة الأمريكية بالتعاون مع المخابرات الباكستانية (ISI) والمخابرات السعودية. وتم الترويج لدعوة المقاتلين من كافة أنحاء العالم العربي والإسلامي للقتال في أفغانستان ضد السوفييت أعداء الإسلام. أقيمت معسكرات ضخمة للتدريب العسكري في باكستان، وتشير بعض التقديرات إلى أن هذه المعسكرات قامت بتدريب أكثر من 100 ألف مسلح من عشرات الجنسيات. غادر «بن لادن» السعودية لمقاتلة السوفييت في عام 1979 وخلال 5 سنوات، ساهم في تمويل وإدارة مؤسسة ” مكتب الخدمات ” التابع لعبدالله عزام .. والذي كان تحت حماية جهاز الاستخبارات في باكستان، وهو الوكيل الرئيسي لجهاز المخابرات الأمريكية في الحرب ضد موسكو في ذلك الوقت. تورط السوفييت في حرب خاسرة انتهت بانسحابهم من أفغانستان في عام 1989، أعقب ذلك بعدة أشهر انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما يشعر مهندسوا الخطة الأمريكية بالفخر حيث يعتبرون تنامي أنشطة الجماعات الجهادية من ضمن الأضرار الجانبية، يمكن احتمالها إذا ما قورنت بمكسب إسقاط الإمبراطورية السوفييتية، وتربع الولايات المتحدة منفردة على عرش العالم.
وفي حوار المجلة الأسبوعية ” لونوفيل أوبزرفاتور” الفرنسية سنة 1998، اعترف بريجنسكي بأنّ البيت الأبيض هو الذي استدرج السوفييت ودفعهم إلى خيار التدخّل العسكري، وذلك بعد انكشاف مخططات المخابرات المركزية الأمريكية لتنظيم انقلاب عسكري في أفغانستان. وحول ما إذا كان يندم اليوم على تلك العملية، ردّ بريجينسكي : ” أندم على ماذا ؟ تلك العملية السرّية كانت فكرة ممتازة. وكانت حصيلتها استدراج الروس إلى المصيدة الأفغانية، وتريدني أن أندم عليها ؟ في يوم عبور السوفييت الحدود رسمياً، كتبت مذكرة للرئيس كارتر أقول فيها ما معناه : الآن لدينا الفرصة لكي نعطي الاتحاد السوفييتي حرب فييتنام الخاصة به “. ويسأله الصحافي الفرنسي فانسان جوفير Vincent Jauvert، ألا يندم أيضاً على دعم الأصولية الإسلامية وما أسفر عنه ذلك من تدريب وتسليح إرهابيي المستقبل ؟ يجيب بريجنسكي : ” ما هو الأكثر أهمية من وجهة تاريخ العالم، الطالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية ؟ بعض موتوري الإسلام، أم تحرير أوروبا الشرقية ونهاية الحرب الباردة ؟ ” ولكن، ألا يُقال إنّ الأصولية الإسلامية تمثّل اليوم خطراً عالمياً ؟ يردّ بريجنسكي : ” كلام فارغ ! قبل أن يتابع : يُقال لنا إنه ينبغي على الغرب اعتماد سياسة متكاملة تجاه النزعة الإسلامية. هذا غباء: لا توجد إسلامية عالمية. فلننظر إلى الإسلام بطريقة عقلانية لا ديماغوجية أو عاطفية. إنه الدين الأوّل في العالم، وثمة 1.5 مليار مسلم. ولكن ما هو الجامع بين أصوليي المملكة العربية السعودية، والمغرب المعتدل، والباكستان العسكرية، ومصر المؤيدة للغرب أو آسيا الوسطى العلمانية ؟ لا شيء أكثر ممّا يوحّد بلدان الديانة المسيحية”.
ولكن التاريخ لا يصنعه الرجال وحدهم، وإنما الأحدات والمواقف والبيئة السياسية والإقتصادية والإجتماعية. والسياسة الأمريكية الخارجية، مهما أدعى المحللون والخبراء، لا تعتمد على هذا أو ذاك من رجال اليمين أواليسار، إنها سياسة عامة للسيطرة على العالم ينفذها الجميع بدون استثناء، من كارتر إلى ريغان إلى بوش إلى أوباما. ولذلك يبدو لنا الآن أنه من الخطأ إتهام بريجينسكي بالمسؤولية المباشرة عن ظهور القاعدة أو وضع مسؤولية ظهور داعش على أكتاف سياسة أوباما الخارجية وحدها. يجب أن لا ننسى إسرائيل ولا فرنسا ولا السعودية ولا قطر ولا المجتمع العربي عموما الذي ينخره الجهل والتخلف والدين والتفكك وقصر النظر وعقدة العظمة ” خير أمّة أخرجت للناس “، وعشرات الأمراض المزمنة الأخرى والتي لا داعي لذكرها هنا حتى لانُتّهم بدفع القاريء للإنتحار.