تحقيقات ثقافة

حوار مع الفائز بجائزة الإعلامي الموسوعي ضمن أفضل 100 شخصية لعام 2017

حاوره : أحمد الحاج
ــــــــــــــــــــ
إذا كانت مقولة الكاتب المسرحي والروائي الانكليزي ، سومرست موم ” من عجائب الحياة أنك إذا رفضت كل ما هو دون مستوى القمة، فإنك دائمًا تصل إليها”،تصدق على أحد ما ، فإنها تصدق على هذا العراقي المبدع الذي لم يترك غصنا من غصون المعرفة والثقافة إﻻ وأقام فوقه عشا ، وﻻ بستانا من بساتينها الغناء إلا وغرس فيها غرسا ، مستلهما من جذوره الضاربة في عمق التأريخ وتربة وطنه الذي يحبه حبا جما ، معينا لعطائه الثر الدافق ، حصل على قلادة الإبداع والتميز في المهرجان السنوي الثالث الذي نظمته مؤسسة (صدى الحياة الدولية) ،والذي أقيم تحت شعار “المبدعون يتغنون لوحدة العراق”، ضمن أفضل 100 شخصية لعام 2017 في بلاد الرافدين لما قدمه في مجال الإعلام بمختلف فنونه من المقالة والتحقيق والحوار والتقرير والعمود الصحفي في عدد من الصحف والمجلات الورقية والالكترونية المحلية والعربية والدولية ، وكان لزاما أن ألتقيه ، أنا الشغوف بالتعرف والتعريف بأمثاله للناس لنرتشف رحيق بعض ما عندهم من الثقافة الموسوعية التي زخر بها العراق كابرا عن كابر فكان هذا الحوار الشائق الذي تنقلنا فيه من مرفأ الى أخر في رحلة تنسمنا خلالها عبق الصحافة والسينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة والسياحة والفلوكلور ، انه الدكتور خالد القيسي ، الذي استقبلنا بإبتسامة المثقف المتواضع والتي لم تغادر محياه طيلة وجودنا معه وبحفاوة العراقي الذي يرفع شعار ” يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا … نحن الضيوف وأنت رب المنزل ” مهما عصفت به الرياح العاتية والظروف القاسية وبادرناه بسؤال سرعان ما أجاب عليه على إيقاع إستكانات الشاي المهيل مع “الكليجة “البغدادية :

* أن تكون متخصصا بمجال معين من حقول المعرفة ، العملية والنظرية ، الانسانية والعلمية ، فذلك ما درج عليه الناس وألفوه ، ولكن أن تكون لك بصمة في كل منها فذلك ما يخرج عن المألوف ، فمن الفن كالمسرح والتشكيل والسينما والإخراج والتصوير ، الى الصحافة والسياحة ، مرورا بطرائق التدريس والسياسة كانت مسيرتك المهنية الحافلة ففي أي المحطات تجد نفسك ؟
ج – قد لا أكتمك سرا إذا قلت لك أني قد أجد نفسي في جميعها ﻷن في كل ماذكرت كانت الهواية هي الحافز للولوج في عوالم المجهول لإكتشاف المعلوم ،فتجدني تارة أنغمس في ضروب الفن ليكون متنفسي وتارة أخرى أجد نفسي في مقالة وكأنني أحوك بها سجادة أنقش فيها ذاكرتي ﻷجد القارئ المتلهف المتتبع لعمودي ، أسبوعيا كان أم شهريا والتي تنم عن رؤية ميدانية إستشرافية لواقع كوى جسدي كباقي أبناء جلدتي عساه ان يتطبب بجميل مفرداتي .
*قاطعته متسائلا ” أبالموهبة أم بالدراسة أقتحمت تلك العوالم وتنقلت بين جزرها حاملا على كاهلك هموم الوطن والمواطن .
– ج ” كن او ﻻتكن ” بي أور نوت تو بي ، مقولة رائدة فجرها شكسبير ذات يوم دفعتني الى أن اكتشف ذاتي ، بلا شك إن الموهبة كانت اﻷساس في ولوجي الى عوالم الفن والكتابة وكغيري من الذين يعشقون ضروبها واذكر ان ما حفزني على الكتابة ان معلم اللغة العربية بمادة الإنشاء كلفنا بكتابة موضوع ” يوم في حياتي ” وبلغة المختبر لقدراتي كتبت ما يجول في خاطري فهاجمني بقوة سائلا إياي ” من الذي كتب لك هذا ؟!” ووبخني امام الطلبة ظنا منه أن غيري قد كتبه لي ما دفعه الى أن يرغمني على كتابة موضوع آخر داخل الصف وتحديدا عن فلسطين الحبيبة وبلغة التحدي لنفسي وله كتبت ما شعرت أنه يبرز موهبتي ، جمع الدفاتر فأعجب بما كتبت أيما إعجاب وأثنى علي قائلا ” أنت مشروع لكاتب كبير وأتوقع ان يكون لك شأن في الكتابة” فكانت نقطة الإنطلاق وخط الشروع في الكتابة ، وكانت خطب المدرسة بقلمي، أسعفني بها خطي الجميل وكنت قارئا جيدا للقرآن الكريم وأحفظ الشعر ، كما ان اللغة العربية بالنسبة لي جسر موسيقي تطرب له اسماعي وكنت اتابع كل المسلسلات التي تتحدث بالفصحى فأستهوتني حركة الممثل ونشأت لدي حركة التقليد ” تقليد المعلم ، المدير ، الطالب ، الممثل ” وكانت البوادر اﻷولى التي دفعتني الى دخول معهد الفنون الجميلة والحصول على دبلوم المسرح ، ومن ثم بكالوريوس إخراج سينمائي فالدبلوم العالي في الدراما من بريطانيا ومن ثم تدريسي في معاهد وكليات الفنون الجميلة لتدريس مواد مختلفة في الموسيقى والمسرح والسينما والتشكيل والخط والزخرفة ولذلك أصبحت موسوعيا من خلال متابعة المصادر والبحوث ودراسة مكنونات مختلف القنوات الفنية وكنت طيلة فترة دراستي وتدريسي مصاحبا ﻷساتذة أكفاء منهم من علمني أبجديات المسرح وآدابه وقواعده وسلوكياته ورسالته فكان النجم المصري ، محمد توفيق، في مادة التمثيل ونادية السبع ونبيل اﻷلفي ومحمود اﻷلفي والمخرج صلاح ابو سيف، في السينما وتوفيق صالح وحميد محمد جواد وثامر مهدي وفائق الحكيم وغيرهم كثير .
*هل خضت تجارب مسرحية وسينمائية على مستوى الإخراج والتمثيل ؟
ج – بالتأكيد ..لقد مثلت في مسرحيات متعددة منها ” أصدقاء ” للمؤلف هربرت فارجيون ، ومسرحية ” كوريو لاين ” اخراج عوني كرومي ، وفي مسرح الطفل ” الباص القديم عنتر ” للمخرج الالماني هانز ، ومسرحية ” رغبة تحت شجرة الدردار “، أما في مجال السينما فقد أخرجت أفلاما روائية ذات ملامح تسجيلية وأخرى تسجيلية فازت في مهرجانات محلية ودولية منها فيلم ” تأهيل ” وفيلم ” عطاء ” وفيلم ” الجامع ” وفيلم ” كن رجلا ولا تتبعني ” لغوتيه ، وأفلام لصالح التلفزيون منها ” بابل بابلونيا ” و” عالمه فضة ” اما على مستوى الاذاعة فلقد كنت أعد برنامج ” صباح الخير ياعراق “لعامين متتالين أما في التلفزيون فـ ” ابيض واسود ” كمساعد مخرج مع فارس مهدي .
* بعد أن أبدعت في الحوارات والتحقيقات الصحفية ، مخرت سفينتك عباب بحر السلطة الرابعة لتستقر في مرفأ العمود الصحفي والمقالة ،لماذا اخترت هذا اللون من دون سواه ؟
– احمد الله على أنني قد تدرجت مهنيا وأعتقد أنه ومن القلائل في هذه المهنة من وجد نفسه ملتزما بالانتقال من موقع الى آخر ، فقد تدرجت من المحرر الى مسؤول صفحة الى سكرتير تحرير تنفيذي ومن ثم مدير تحرير وصولا الى رئيس تحرير وبرغم مهنيتي فقد درست الصحافة أكاديميا وحزت على البكالوريوس والماجسيتير والدكتوراه في طرائق التدرسي والاعلام وبإمتياز ، وكانت محطاتي كثيرة عملت خلالها في المدرسة الاولى بالصحافة ” جريدة الجمهورية ” وصحف ماقبل 2003 نحو مجلة الرشيد ، الصحف الاسبوعية ، مجلة وادي الرافدين ، مجلة السراج ، اﻷوقات العراقية ، صحيفة شيحان اﻷردنية ، السينما والناس المصرية ، الاتحاد الاماراتية ومن ثم رئيسا لتحرير جريدة “اﻷرض الطيبة ” و” الحق المشروع ” و” الغد الاسبوعية ” اوروك السياحية .
* لنتوقف قليلا عند اوروك السياحية ، ماذا تمثل لك المجلة والسياحة ؟
– القدر هو الذي وضعني في مجال كنت أحبه ولكنني وكحلم وردي وجدت نفسي في مكان شغل فكري طويلا ﻷجد نفسي في مجلة ” وادي الرافدين” السياحية ، ليتحول اسمها الى اوروك نسبة الى العراق القديم وبموضوعات شتى واخراج صحفي متميز برفقة زملاء بعقلية سياحية ، منهم خالد ابو التمن ، وانور الهاشمي ، ووجدان ادور ، وآخرون لننتقل من المواضيع التقليدية الى نظيراتها غير مطروقة محليا مثل الباص السياحي ، حفلات الزواج الجماعي ، ندوات حول التراث والاثار ، ومهرجانات التزيين ، ومهرجان الفواكه والثمار ، مسابقات الطيور الزاجلة ،ومسابقات جماهيرية مبتكرة ، ويوم في حياة فنان ، وغيرها الكثير ما لايتسع المجال لذكرها مع تأسيس نقابة للسياحيين هي اﻷولى في العراق .
* مر المسرح العراقي بفترات متعددة ،ماهو تقييمك لواقع المسرح العراقي اليوم من وجهة نظر أكاديمية ؟!
ج – كما يعلم الجميع أن المسرح هو أبو الفنون ولذلك إن تحدثنا عن المسرح العراقي فلابد لنا من الاشارة الى محطات مضيئة في سفر تأريخ هذا المسرح العريق ، برغم أن المسرح مر بفترات صعود وفترات أفول فقد ظهرت تجارب متجددة حداثوية منها مسرح الصورة ، لصلاح القصب الذي يختلف من حيث تكنيك المسرح وجغرافيته عن المسرحيات الكلاسيكية ، وجماعة المسرح الفني الحديث وجماعة الستين كرسي بمسرحيات تركت أثرا لدى المهتمين والمتابعين لحركة المسرح وفي مقدمهم ” سامي عبد الحميد ، بدري حسون فريد ، جاسم العبودي فظهرت لنا كلكامش وعطيل واذا أردنا ان نتحدث عن تجارب حداثوية فعوني كرومي، ترك بصمة في ذلك كمسرحية كريولاين ، وفي فترة الستينات بلغ النضج المسرحي أوجه بدليل ان المسرحات التي عرضت و تبنتها الفرقة القومية للتمثيل والمسرح الحديث ، لتأتي بعدها تجربة الجماهير التي تبناها محسن العلي ضمن المسرح العسكري ” وقدمت روائع مثل بيت وخمس بيبان ، المحطة ، بيت الطين ، وغيرها ” وهناك مسرحيات استلت بعض نصوصها من المسرح العالمي ، وتم تعريقها جسد أدوارها نخبة من الفنانين العراقيين ” طالب الفراتي ، قائد النعماني ، سعدية الزيدي ، فوزية عارف ، يوسف العاني ، وجدي العاني ، ابراهيم جلال ، قاسم محمد ، عماد بدن ، كاظم عبد الجبار وقدموا أعمالا لنصوص مميزة وبرؤية اخراجية متميزة وبأداء أسهم بشكل وبآخر بالتخفيف عن وطأة معاناة المرحلة ، غلفت بطابع كوميدي مع إيصال رسالة ضمنية فيها الكثير من المعاني المستترة إختلفت في تأطيرها ، بعضها يحمل من الكوميديا وبعضها يحمل من التراجيديا وبعضها يحمل الجانبين كونه يحمل وجهي الصراع ، الخير والشر وهناك نصوص قدمت من خلال كليات ومعاهد الفنون الجميلة حافظت على تقديمها وفق القاعدة الارسطية وصاغها اساتذة مميزون ، عزيز جبمر ، وحامد خضر ، لتظهر بعدها أشكال من المسرح أطلق عليه المسرح الاستعراضي واﻵخر المسرح الشعبي ،وبعض النقاد المسرح التجاري ، كان يستخدم ألفاظا لاتتناسب وحجم المشاهدة من قبل العوائل العراقية ﻷن هناك مسارح كثيرة في العاصمة بغداد ، ونحن كمتتبعين لحركة المسرح ولكون المسرح العراقي الرائد عربيا واقليميا فنحن ميالون الى المسرح صاحب الرسالة الذي يطرح موضوعا معاصرا ليستنهض همم المتلقي بغية الاصلاح والتطوير والتنوير .
*بإعتبارك أحد الدارسين في المدارس اﻷوربية فيما يتعلق بالدراما والسينما حصرا ماهو تقييمك لواقع السينما العراقية بين اﻷمس واليوم ؟
ج – في الحقيقة سؤالك جميل اذ ان المتطلع الى تأريخ السينما العراقية وهي بالحسابات الفنية كجامعة للفنون وأسماها ، أنها مرت بمراحل متعدد وبرغم عراقتها بعد مصر، إﻻ انها وللاسف لم تأخذ نصيبها من الإهتمام ، ويرجع ذلك الى أسباب كثيرة يأتي في مقدمتها غياب الاهتمام الفعلي وتأثير الفيلم العراقي على الجمهور من النواحي التربوية والنفسية والاجتماعية وتتعدى ذلك حتى الاخلاقية ، وكما نعلم ان السينما فن وتجارة وصناعة ، لذلك لايمكن إغفال أي جانب من تلك الجوانب ،فالتكنولوجيا عامل مهم في التأثير على المشاهد ومتابعته للحدث الدرامي للفيلم ، ولذلك من اشكالات السينما العراقية ان الفيلم بحاجة الى المال ، والى التسويق وهذا ضعيف على المستوى المحلي ، علاوة على الافتقار الى شروط اللجان التحكيمية في مدة الفيلم وموضوعه ، افتقار الممثل في هذا المجال الى دورات تطويرية عالمية وضعف الصناعة السينمائية في العراق بصورة عامة ، فضلا عن عدم وجود نصوص لتكون عملا سينمائيا ، فنجيب محفوظ على سبيل المثال كان يكتب روايات تصلح للسينما ، وﻻيفوتني ان أنوه الى من اسباب انحسار السينما العراقية يكمن في عدم وجود معهد متخصص لكتابة السيناريو مع وجود تجارب ابداعية شكلت محطة مضيئة في السينما العراقية ” كفيلم الاسوار ، الظامئون ، سعيد افندي ، الحارس ، الجابي “.

* تقييمك للأنتاج المشترك وهل شكل قفزة في عالم السينما العراقية ؟
ج – بلاشك ان الانتاج المشترك يمنح البلدين تناقل خبرات ويعمل على تلاقحها ، ومن نتاجها فيلم المسألة الكبرى ، بابل حبيبتي ، القادسية ، القاهرة بغداد ، قطار الشرق ، لقد انتجنا 100 فيلم ، قبل ان تباغتنا على حين غرة موجة الافلام السكرين التي أفقدت رونق وجمالية وسحر الشاشة الكبيرة وطردت جمهورها ، لينتهي بعدها عصر السينما العراقية اضافة الى غياب صالات السينما محليا وعزوف اﻷسرة العراقية عنها ﻷسباب عديدة، بعد ان كانت هناك دور عرض متميزة تضاهي نظيراتها الاوربية كسينما اطلس ، الخيام ، بابل ، النصر ، غرناطة ، سميراميس ، النجوم ، أفلت كلها وتحول معظمها بعد تقطيعها الى اسواق ومخازن ومحال لبيع قطع الغيار وماشاكل .