رأي

مقارنة بين باحث أكاديمي جزائري وقيادي سابق في الجماعة الإسلامية

علجية عيش
ـــــــــــــ
يرى باحثون أن إحياء التطرف الديني مرهون بمخططات أجنبية تستهدف الإسلام ولغته وأهله التي ضحت شعوبه من أجل ترسيخ هذه الثوابت، والبحث عن أسباب التطرف يتطلب تظافر جهود الباحثين المختصين في علم الأديان، وإشراك علماء الاجتماع والنفس في تسليط الضوء على أحكام الجهاد في الإسلام وتراثه الفقهي الواقعي، حتى لا يقتل المسلم نفسه في عمليات انتحارية عن جهل وسوء فهم للدين، باسم الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، فكثيرة هي الأحداث التي ترسم لوحة لشباب احترقوا بنار الفتنة في الجزائر ومصر وسوريا والعراق وفي تونس وليبيا ، وما أصاب الأمة من دمار وتخريب وهتك الأعراض باسم الجهاد، مثلما تقوم به داعش حاليا

عندما نشر الأستاذ محمود عبده آل ضو، من مصر وهو باحث في الفكر الديني وقيادي سابق في الجماعة الإسلامية تغريدته حول مشكلة “التطرف” في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (الفايسبوك) وقال: أن مشكلة التطرف الإسلامي يجب وضعها في إطار مأساة حضارة كبيرة وقديمة تم تهميشها على الدوام، وقهرها علي يد الغرب، وهي تحاول أن تدافع عن هويتها، أو إيجادها متأرجحة بين التغريب تارة والاحتماء بالتراث تارة أخرى، ورأيت أنه لو استعمل الأستاذ محمود عبارة التطرف الديني تكون أفضل، بدلا من التطرف الإسلامي، لأن هذه العبارة ( التطرف الإسلامي) تبرئ الأديان الأخرى من ممارستها العنف سواء كان مسلحا أو فكريا وثقافيا، ومن باب اهتمامي بالموضوع رحت أنقب في صفحات الكتب حول مسألة التطرف الديني التي تحولت إلى قضية عالمية، لا تحتاج إلى دراسة وتحليل فحسب، وإنما تحتاج إلى مناظرات بين رجال الدين: المسلمين و المسيحيين وحتى اليهود، وقد سقطت بين يدي ورقة الدكتور بلقاسم شتوان من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية (قسنطينة/ الجزائر) بعنوان: الإسلام والتطرف الديني، وقد عرج الدكتور شتوان إلى التعريف بمصطلح التطرف وتاريخ ظهوره وأسبابه وتحذير الإسلام منه.

و حسبما جاء في الورقة، فالتطرف في اللغة العربية يعرف بتجاوز الحد والتعصب والخروج عن القصد، قبل أن ينتقل إلى المعنويات كالتطرف في الدين أو في الفكر، أو في السلوك، وقد اعتمد الدكتور شتوان على دراسات الدكتور أحمد بن نعمان الذي ربط التعصب بالتطرف وجعل التطرف والتعصب كلمة مطلقة تأتي مقابل الإعتدال والإتزان، ففيما أرجع الأستاذ محمود عبده آل ضو فكرة نشوء التطرف إلى بداية نشأة الإنسان واستمراره في الوجود بوجوده، ولعل يقصد بذلك بداية سفك الدماء المتمثلة في قصة قابيل وهابيل، وأن الملائكة كانت على دراية بظهور العنف والتطرف مع مجيئ أول من مثل البشرية في الأرض، وهو آدم عليه السلام، فقد أرجع الدكتور بلقاسم شتوان تاريخ ظهور التطرف الديني في الإسلام إلى ظهور المذاهب الدينية التي شكلت قوى مضادة للخلافة المركزية تجسدت في الخوارج والشيعة.

ظل هذان المذهبان إلى عصرنا هذا يضيف صاحب الورقة يشكلان المنابع والمصادر التي يستسقي منها المعارضون للسلطة القائمة، وذلك عن طريق الحركات والأحزاب الدينية ذات الأصول السلفية مثل الهجرة والتكفير، والجهاد الإسلامي، حركة المجاهدين، ومنظمة العمل الإسلامي وأمل، عن التشيع التاريخي، دون الحديث عن الأحزاب الدينية ذات البعد السلفي المتطرف النابع من التشدد الديني، وتكفير المجتمع واستباحة دمائهم وأموالهم وقتل مخالفيهم غدرا ، وأمور جديدة التي تتمثل في نظرية ولاية الفقيه العامة، غير أن الأستاذ محمود ربط التطرف بالانحطاط الحضاري للمجتمعات، لكونه وسيلة للتنفيس عن الإحباط والغضب معا، وجعله قرينا له، كما يرى أن التطرف هو دليل على الانحطاط الفكري والنفسي للأمة التي يخرج منها المتطرفون، فالأمم المنحطة تندفع في كل الاتجاهات باحثة عن حل سريع لتدارك الفجوة الحضارية متوهمة الحل في كل فكر إنساني.

و لو أن الباحثان يختلفان من حيث التجربة، فرؤية الأستاذ محمود للتطرف نابعة من تجربة شخصية عميقة متصلة بالتطرف الديني خاضها يوم كان قيادي في الجماعة الإسلامية، أكسبته من خلالها معرفة عميقة بأفكار وأسلوب تلك الجماعات، مما جعله يكرس جهوده الفكرية في البحث والتنقيب عن ظاهرة التطرف بكل أبعادها الفكرية الدينية والسياسة، لاسيما وتنظيم الجهاد يعد من أكبر التنظيمات الإرهابية تطرفا في العالم ويعتبر تنظيم القاعدة وداعش امتدادا له، كما أنه قريبا من تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر (حسب الباحثين طبعا)، في حين يعتبر اهتمام الدكتور بلقاسم شتوان من باب اختصاصه كباحث أكاديمي، وأستاذ التعليم العالي بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، له أبحاث ودراسات أكاديمية عديدة وبالأدلة الشرعية في مختلف القضايا.

فالتطرف الديني إذن ظاهرة لها بعدها التاريخي ظهر قبل ظهور المجتمع الإسلامي، وهو قضية معقدة تماما كونها ترتبط بما يحمله المجتمع من عقد ومن تناقضات في رؤيته للدين وتعاليمه، دون فهمه فهما صحيحا، كما أن الانفتاح على العصرنة والحداثة، وتأثر، جعلت الشباب ينظر إلى الدين على أنه مانعا يعيقهم عن التقدم، كما يعود سبب التطرف إلى خضوع حكام العرب والمسلمين إلى إرادة ألأجنبي ومساندتهم أفكارهم كالدعوة إلى الإلحاد والإباحية، والحقيقية كما تقول الورقة أن إحياء التطرف الديني مرهون بمخططات أجنبية تستهدف الإسلام ولغته وأهله التي ضحت شعوبه من أجل ترسيخ هذه الثوابت، والبحث عن أسباب التطرف يتطلب تظافر جهود الباحثين المختصين في علم الأديان ومقارنتها ، وإشراك علماء الاجتماع والنفس في تسليط الظاهرة، وقد حذر الإسلام من التطرف الديني، ونهى عن ” الرهبانية” التي تدفع الإنسان إلى العزلة عن الحياة، وبما أن ظاهرة التطرف الديني ظاهرة عالمية فقد ورد في ورقة الدكتور بلقاسم شتوان طرق علاجها ومكافحتها والقضاء على جذورها، ويقصد بذلك إسرائيل باعتبارها تمثل الإرهاب وتعمل على تصديره، حيث قال أنه وجب على العلماء المخلصين لدينهم ووطنهم إظهار التطرف الديني، وأن تتكاثف المؤسسات بجميع مستوياتها سواء كانت مدنية أو عسكرية لتشخيص مواضع الانحراف والخلل في أفكار حركات التطرف الديني.

علجية عيش