رأي

والسماوات مطويات بيمينه

 

 

 

 

الصور التي يعرضها القرآن الكريم من مشاهد القيامة والأسماء والصفات لا يراد منها إلا اتباع منهج الحق والوصول إلى السبيل المخلص الذي بينه الله سبحانه ابتداءً من التشريعات الأولية وانتهاءً بالإصلاح المطلوب الذي يصل بالإنسان إلى سعادته الحقيقية في الدنيا والآخرة، وهذا الجانب يعتبر الأهم في بيان الحقائق التي وضعت لها الألفاظ الدالة على المعاني الحسية أو الفكرية المجردة بسبب أن فهم كتاب الله تعالى لا يتم إلا إذا اشترك المعنى مع الدلالة التي يشير إليها اللفظ دون التطبيقات الدخيلة التي جانب أصحابها الأصول العامة لبيان الاصطلاحات الوضعية مما يجعل نهجهم في التفسير يتناسب والطريقة القائمة لديهم، وبهذا نجد أن اللسان العربي أخذ الطابع الأبعد في فهم الفلسفة الدخيلة أو علم الكلام وما يضاف إلى ذلك من الأرقام وصولاً إلى المأثور الذي لا يخلو من الإسرائيليات التي كان لها رواجاً كبيراً بين الأوساط التي أخذت على عاتقها تفسير القرآن الكريم بعد عهد الصحابة أو ما تلا ذلك، وقد نجد تبعات هذا الفكر قائمة إلى اليوم، وهذه الطريقة لا ترقى إلى بيان معاني القرآن الكريم حسب اللوازم العلمية المعتمدة في النهج الظاهر من كتاب الله تعالى فيما يتضمنه من أحكام. ومن هنا فقد أخذت هذه الأساليب الدخيلة مساحة كبيرة في التفسير غير المشروع الذي يستلزم الابتعاد عن القواعد والأصول التي يمكن أن يطبق عليها البيان القرآني من خلال الأوجه السليمة المأخوذة من المناهج التفسيرية المعتبرة.

 وبناءً على ما تقدم يمكن القول: إن تلك المناهج تحمل في حيثياتها الكثير من الألغاز المتناقضة التي لا تتقارب مع الواقع المشاهد، وهذا ما جعل المفسرون في المراحل اللاحقة يبحثون عن الإصلاح والتجديد وإن كان السيف قد سبق العذل. وبالرجوع إلى أولئك نجد أن انشغالهم بالأسماء والصفات يأخذ المنعطف غير المبرر في التأويل الذي يتأرجح في تجدد النسب التي وضعت لتبيان المعاني المحرفة عن حقائقها، وهذا ما جعل أصحاب الذوق السليم يبذلون قصارى جهدهم في تطبيق معاني القرآن الكريم على ما هو مألوف ومتعارف عليه في اللسان العربي الذي أنزل به القرآن الكريم، وكذلك أخذ هؤلاء على عاتقهم الابتعاد عن الحجب والغوامض التي جعلها أولئك تفسيراً للجنة والنار وكذا الأسماء والصفات الشريفة التي يرجع معناها إلى الاعتقاد الظاهر في الاستخدام وصولاً إلى الغيبيات التي وردت في متفرقات القرآن الكريم والتي تتحدث عن الملائكة والجن والعرش والكرسي أو الملحقات التي أشار تعالى إلى ظهورها في مستجدات الزمن كخروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض.. الخ.

 ونحن إذ نشير هنا إلى الجانب الفلسفي لا نريد المساس بالفلسفة الإيجابية وإنما نعني الفلسفة الدخيلة على المنهج التفسيري وإن شئت فقل تلك الطريقة التي اعتمد أصحابها على اتباع الجوانب الغامضة التي لا يمكن أن نركن إليها بسبب ابتعادها عن البيان الحقيقي لكتاب الله تعالى. فإن قيل: قد نجد في كثير من الأحيان أن لهذه الفلسفة ظهوراً مجزياً في تبيان مراد الله تعالى؟ أقول: لو أردنا التسليم بصحة هذا البيان فإنا قد نتعارض مع الاستيفاء المقرر للظهور الفعلي الذي تدل عليه الاعتبارات الكثيرة التي تتجسد في الأمثلة الواقعية لما هو مألوف من المعاني المبينة للألفاظ علماً أن الدلالات الموجبة لا يمكن أن نخرجها عن طريق الحقائق المطلوبة وإن اختلفت النسب اللاحقة في إيصال بيانها إلى الذين لا يمتلكون التفاضل بين الوجوه المرادة من التفسير. وهذا ما يمكن الحصول عليه من تطابق الأسماء بين المغيبات وبين ما هو مألوف لدى عامة الناس، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً) البقرة 25. وكذا قوله: (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) الرعد 23.

 من هنا يظهر أن المعاني التي أراد الفلاسفة تأويلها وإخراجها عن مقاصدها لا يمكن أن تفهم إلا إذا أخذت من جانب البيان المتحقق في الألفاظ التي استمدت المعنى التام لها من أصل الوضع وكذا في فهم الطرق والقواعد المتعارف عليها عند العرب قبل نزول القرآن الكريم والتي كانت أقرب إلى البيان الفطري المتداول في أشعارهم وخطبهم، والذي يركن إلى هذا الإتجاه يكون قد ابتعد عن التفسير الغامض في فهم معاني القرآن الكريم، أي أن تقديره للكلام المطابق للواقع يصبح على مقربة من الحقيقة التي تجنبه الوقوع في التجسيم وكذا تبعده عن التأويل الذي لا يتناسب والمنهج المقرر لفهم كتاب الله تعالى، وبهذا يصل إلى أن قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) الفتح 10. لا يراد منه اليد المتعارف عليها “أي الجارحة” وكذلك لا يصح التأويل في معناها لأنها من المسلمات التي كان يستخدمها العرب عند الإشارة إلى القوة أو الكناية عن القدرة وهذا الطريق هو الأسلم في التفسير.

 وبناءً على هذا البيان يظهر أن قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) الزمر 67. لا يراد منه إلا الكناية عن القدرة في التصرف، أي أن كل شيء سيكون يوم القيامة تحت تصرف الله تعالى وداخل في قدرته. فإن قيل: يظهر من الآية الكريمة أن كل شيء داخل تحت تصرفه في ذلك اليوم فقط فكيف يمكن تطبيقها على الحياة الدنيا؟ أقول: قدرة الله تعالى مطلقة في الدنيا والآخرة إلا أن ظهورها في يوم القيامة يكون معلوماً للجميع. فإن قيل: لماذا خص تعالى اليمين دون الشمال بالذكر؟ أقول: خص تعالى اليمين بالذكر مجاراة لما ألفه العرب في عاداتهم كما أسلفنا، ولهذا نجد أن  تفضيل اليمين في القرآن الكريم لا يخرج عن القاعدة التي أشرنا إليها، كما في قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) الواقعة 27. وكذا قوله:(إلا أصحاب اليمين) المدثر 39. وقوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه) الحاقة 19. الإنشقاق 7. بالإضافة إلى ما بينه تعالى في وعده لبني إسرائيل في قوله: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن) طه 80. وكذا في مناداة موسى في قوله: (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) القصص 30. وقريب منه مريم 52. هذا وللمفسرين في آية البحث آراء:

 الرأي الأول: قال الشوكاني في فتح القدير: قال المبرد: أي ما عظموه حق عظمته، من قولك فلان عظيم القدر وإنما وصفهم بهذا لأنهم عبدوا غير الله.. إلى أن قال: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك فأخبر سبحانه عن عظيم قدرته بان الأرض كلها مع عظمتها وكثافتها في مقدوره كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه، كما يقولون هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه وإن لم يقبض عليه، وكذا قوله: (والسماوات مطويات بيمينه) فإن ذكر اليمين للمبالغة في كمال القدرة كما يطوي الواحد منا الشيء المقدور له طيه بيمينه، واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى القدرة والملك، قال الأخفش بيمينه يقول في قدرته، نحو قوله: (أو ما ملكت أيمانكم) النساء 3. أي ما كانت لكم قدرة عليه وليس الملك لليمين دون الشمال وسائر الجسد، ومنه له سبحانه: (لأخذنا منه باليمين) الحاقة 45. انتهى موضع الحاجة.

 الرأي الثاني: قال الجنابذي في بيان السعادة: (وما قدروا الله حق قدره) ما قدروا علياً (ع) أو ما قدروا الولاية حق قدره، ولما كان المقصود التعريض بالأمة عطف حال بيانهم على اشراكه كأنه قال لكن ما قدروا الله حق قدره لأنه كما لا يمكن قدر الذات الأحدية لأحد من مخلوقه لا يمكن قدر الولاية حق قدرها لأحد سوى صاحب الولاية المطلقة.. ثم انتقل إلى قوله: (والأرض جميعاً قبضته) فقال: المرة من القبض وفيه تفخيم لعظمته من حيث إن الأرض بعظمتها كانت قبضة واحدة له والمراد بالأرض كما مر مراراً أعم من عالم المثال السفلي وعالم المثال العلوي وعالم الطبع بجميع سماواته وأرضه (يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه) اطلاق القبضة في الأرض عن اليمين وعن الطي واستعمال الطي في السماوات وتقييده باليمين للإشارة إلى حقارة الأرض بالنسبة إلى السماوات. انتهى بتلخيص منا.

 الرأي الثالث: قال الزمخشري في الكشاف: (وما قدروا الله حق قدره) وما عظموه كنه تعظيمه ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريقة التخييل فقال: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه) والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز. انتهى. فإن قيل: لماذا اختلف الخطاب الموجه للنبي (ص) في قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين) القصص 44. علماً أن المناداة لموسى كانت من شاطئ الوادي الأيمن كما مر في البحث؟ أقول: هذه الآية تظهر النكتة من أن جانب شاطئ الوادي الأيمن لا يراد منه الجهة وإنما اليمن والبركة ولهذا لم يخاطب تعالى النبي (ص) بعدم وجوده بجانب اليمن والبركة وهذا دأب القرآن الكريم في الأدب، وقد بينا هذا المعنى في كتابنا.. القادم على غير مثال.. من أراد ذلك فليراجع تفسير فاتحة الكتاب.. الآية الأخيرة. 

 

    عبدالله بدر اسكندر