ثقافة

قراءتي في رواية "الصدع" للكاتب والروائي عاصف الخالدي

خط القدر متعرّج ولكل منا قدره، منّا من يحاول جاهداً أن يرسمه أو حتى أن يقوم بتعديل أحد خطوطه المائلة. ومنّا من يغمض عينيه ويمضي غير مكترث بشيء أو بما ينتظره على الجانب الآخر من الحياة. هي لعبة الحياة إذن والانسان جزء منها، فكيف بهذا الانسان أن يكون حاله وهو نزيل مؤقت في مساحة زمانية ومكانية مفترضة من هذا العالم، إنه حتماً وحسب شخوص هذه الرواية كائن هش وضعيف، وحسب رؤية الكاتب الذي رسم خطوط هذه الشخصيّات بكثير من الحزن والعمق وتغلغل في أعماقها وكأنه يهدي لكل من يقرأها مرآة ويتركه وحيداً ليرى نفسه جيداً من جديد.

“الصدع”، هو عنوان الرواية، هكذا سمّاها الكاتب في إشارة منه إلى المدينة التي تدور فيها أحداث هذه الرواية والتي على حد وصفه أنها صدع بين الانسان والحياة، مدينة عطشى للماء وللحياة، مدينة لا يُعلن سكّانها عن موتهم، كما أنهم يدفعون تكاليف هذا الموت أكثر ممّا يدفعون في حياتهم. هكذا يعرض الكاتب خط سير الحياة في مدينة لا تكترث بالأحياء فوق أرضها لأنها متخمة بالأموات سراً. والملفت أنّ شخصيات الرواية هي ثنائيات متلازمة، ليلى ونادر، مريم ورائد، عبد الرحمن والجثة، حيدر ومهماته الأمنية.
عبدالرحمن، الرجل الورقيّ المتفسّخ أكثر من كتبه كما يصفه الكاتب، تختبره الحياة بأقسى صورها وتكون باهظة الثمن بحجم جريمة لم يرتكبها لكنه أصبح رهينة لها ظناً منه أن مشاركته في هذا الأمر سيكون بمثابة بطاقة عبور لحياة أخرى كما تقول له ليلى الحلاّج عندما قدّمت له عرضها وقالت له:” إن كنت ستخوض الحياة حقاً فهي بين أصابعك الآن”. ليلى بدورها أرادت لزوجها أن يخرج إلى الحياة فعاد إليها بجثة من الحياة التي دفعته إليها، ها هي تقول لعبد الرحمن عليك أن تخوض هذه الحياة لكنها لا تمنحه سوى جثة لتكون ممراً لمقبرة حتمية له. يروي الكاتب كيف يتم هذا الأمر، يصف جانباً مظلماً وصادماً لأشنع فعل قد يقوم به الكاتب البشري.
ليلى ونادر، زوجان متنافران ومتناقضان، يجمعهما حب قديم هائم وقليل الحيلة، لم يتمكن من سد الصدع في روحيهما ولم يثمر من شيء سوى مزيد من الغربة داخل المكان الواحد وكثير من عزلة الجسد. نادر الضعيف الذي كلّما أحبّ ليلى كلّما احترق بنار سلطتها وتجَبُرها، حتى أحلامه حوّلتها إلى رماد كغبار هذه المدينة، يعيش عزلة حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة من سواد وظلامية، في غرفة مظلمة كالخفّاش، لا يحب ضوء النهار، يبتعد عن الناس وعن زوجته التي طالما أحبّها، يُشهر كرهه لها وهي تفعل ذات الأمر، تُشهر الكره لكن في حقيقة الأمر هي تكره طريقة تعاطيه مع الأمور وعزلته مع الكتب والورق، عزلته عن الحياة بأسرها.
مريم المصابة بمتلازمة كورساكوف، وهو مرض يصيب الذاكرة، يُعطل الذاكرة بشكل جزئي ولفترة معينة. تقرر أن تبحث عن زوجها في عالمها الجديد بعيداً عن تهديد ذاكرتها. مريم القوية والمتجددة دوماً تبعاً لما يجري حولها، تجد لنفسها مخرجاً سواء من قساوة الحياة أو من محنها. كانت تحاول أن تتغلب على المرض بأن تدفع نفسها للأمام، بينما زوجها رائد الذي لا ينتمي لأحد سواها كان يحاول تجميد الزمن ليعيش اللحظة ذاتها مع مريم ولا يغادرها. رائد ذو القلب الضعيف والحب الكبير الذي يحمله لمريم ليس قادراً على تحديد فيما إذا كان الحب في القلب أم في الذاكرة لكنه يعي جيداً أنه سيخسر كل شيء إن تخلّت عنه ذاكرة زوجته، ضعفه أمامها وأمام هذا المرض جعله غير قادر على تحديد من يفقد الآخر، حيث يحوله هذا المرض لمتشرّد ويلفظه خارج عالم زوجته فيلجأ إلى حيلة ما وهي أن يقوم بجمع كل الصور والأشياء التي تجمعه مع زوجته لتكون أمام ناظريها عندما تنتابها نوبة المرض وتخرج ذاكرتها عن مسارها، ظناً منه أن هذا الأمر سيجدي نفعاً، كان يحاول أن يعود بذاكرتها للخلف خشية أن تنساه، كلاهما يريد الحفاظ على الآخر لكن بطريقته.
الحدث الأبرز في الرواية هو سطوة الغربان على المدينة بشكل كبير لدرجة بات يصعب السيطرة عليها، وباتت هذه الغربان تهدد الحياة أو ما بقي من أشكال الحياة في هذه المدينة. تسطي الغربان على الأماكن السياحية وبذلك تُسيء للوجه السياحي للمدينة وتتلف المستودعات التجارية أيضاً وتنبُش القبور. يعتبر الغراب من أذكى الكائنات الحية، وفي الميثولوجيا الغراب هو أوّل من علّم الانسان الدفن عندما حفر حفرة أمام قابيل ليعلمه كيف يدفن أخاه القتيل، الغراب هو من كشف سر عبد الرحمن أو بالأحرى الجريمة التي ألبسته إياها ليلى. فيكون بذلك رأس الخيط الذي يلتقطه حيدر ليكشف عن اختفاء “دنيا”.
حيدر المالح الذي يشغله اختفاء امرأة كان قد التقاها صدفة وانتشلها من الشارع، فيشكّل غيابها صفعة وإهانة له في عمله كمحقق، فبات أمر إيجادها بمثابة تحدٍ له، لكن قصّة الغربان التي تملأ المدينة تشغله قليلاً حيث يتم تكليفه بالقضاء عليها، حيدر الديناصور كما يصفه الكاتب يقف عاجزاً أمام ذكاء الغربان وهو الذي اعتاد على صيد البشر في المهمات الرسمية التي يتم تكليفه بها حيث كُلّف سابقاً بإلقاء القبض على كل من يجده متلبساً بالموت في السر، ذلك أن الحكومة كانت ترفع أجور الدفن على الناس بشكل لا يطاق، إنه يشبه هذه المدينة بموتها وقسوتها فهو لا يستطيع أن يرى سوى الطرائد والفرائس.
الرواية قصيرة، مختصرة تدور أحداثها في 150 صفحة، مشاهد الرواية عميقة ومكثّفة، لا يُطيل الكاتب في السرد والحشو بل يستغل انشغال القارئ بالشخصيات ومجريات الأحداث ليغوص به عميقاً في أسئلة تسبر أعماقنا جميعاً، فيسأل: لماذا لا يموت في هذه المدينة؟ أين يذهبون بعد أن تنتهي أعمارهم المفترضة؟
ما أن تبدأ في تكوين مشهدك الشخصي ورؤيتك لشخصيات الرواية حتى يقطع عليك خلوتك ويقول انتظر أنت على أبواب مفاجأة أخرى ثم ينتقل بك لمشهد آخر وكأنه يغلق باباً ويتركك مندهشاً تتلصص من الخلف وما من خيار أمامك سوى إكمال الرواية فتكون النهاية صادمة ومؤلمة بقدر غدر الحياة، يتكرر مشهد الموت مرة أخرى ليكون قدراً حتمياً لإنسان ضعيف أراد أن يرى الحياة بوجهها الآخر فلم يلق سوى غدرها.
يُنهي الكاتب الرواية بقوله: ” المدينة بسلطة حضارتها الموهومة لم تكن سوى مجرّد نتوء صغير زائد عن حاجة الزمن، نتوء يخدُش وجه الحياة ووجه الحب، المدينة ليست سوى صدع يفصل بين الانسان والحياة”.
 
نور طلال نصرة