ثقافة

خرافة الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال دراسة نقدية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سمير خلف الله

يخبرنا المؤرخ الأمريكي ماثو كونيلي Matthew Connelly والأستاذ بجامعة كولومبيا عن الأكذوبة القائلة بأن الجنرال ديغول هو من منح الجزائر استقلالها ويقول بأنها تماثل أسطورة ديغولCharles de Gaulle الطيب رجل السلم ويشاركه في وجهة النظر هذه العديد من المؤرخين الفرنسيين مثل بنيامين ستوراBenjaman stora جيل مانسيرون Gilles manceron ونفس الموقف يتبناه زميلهما ترامور كيمينور Tramore Kimeanor والذي يرى بأن استقلال الجزائر لم يكن هبة منحها ديغول للجزائر بل الاستقلال انتزعه الجزائريون بعد سنوات من الكفاح ونفس الطرح تتبناه أيضا المؤرخة مليكة رحال . كما أن الذي يتصفح مؤلفات شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله يجدها خالية من أية إشارة إلى أن فرنسا قد وعدت الجزائريين بالاستقلال ونحن هنا لنتعجب كيف خفت هذه الفكرة عنه وهو المؤرخ الضليع والعارف بخبايا وتفاصيل وجزئيات التاريخ الوطني الجزائري وما يشير إليه دوما هو الوعود الفرنسية بالإصلاح ولا شيء غير الإصلاح .

وفي مقابل هذا تصادفنا مقولة الوعد الفرنسي للجزائريين بالاستقلال كما هو الحال في كتابات بعض المشارقة والذين يسقطون تاريخهم الوطني على تاريخنا أو هم يقرؤون الاستعمار بنفس الأدوات وهذا منهج غير علمي ويفتقد للمصداقية وعلى سبيل المثال نجد في مقال فرنسا والحرية لسيد أمين الساحلي وهو أستاذ رياضيات في الجامعة اللبنانية حديثا صريحا عن الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال وهو هنا أستاذ رياضيات وغير مطلع على خصوصية التاريخ الوطني الجزائري وعلى تفاصيله مما أوقعه في هذا الخطأ التاريخي الفادح . ولكن الأمر المحير أكثر هو أن نجد ذلك الكلام في مذكرات التخرج الجامعية ومن معاهد تـُـدرس مادة التاريخ ومن أساتذة جامعيين جزائريين يتقبلونها كما لو كانت من البديهيات والمسلمات ولكننا لا نعثر في الهوامش على المصدر الذي تم اقتباس هذه الفكرة منه وكان المفروض عليهم الإحالة على المصدر والابتعاد عن الكلام المرسل توأم الروايات الشعبية .

ونحن في هذا المقال لن نتطرق إلى مخطط ديغول العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي لخنق الثورة الجزائرية والقضاء عليها فهذا الجانب معلوم للجميع والكتب المدرسية والبحوث الأكاديمية فيها ما يشبع فضولنا ويسد جوعنا المعرفي حول هذه النقطة هذا من جهة ومن جهة أخرى وحتى نتجنب الإطناب ونبقى نجتر فيما هو معلوم للجميع ولذلك ارتأينا أن نتناول الموضوع من زوايا أخري لا نقول بأنها غير مطروقة وإنما نقول بأن فيها بعض نقاط الظل والتي تحتاج لتسليط الضوء عليها أكثر أو أنها ربما تكون غير معروفة لنا جميعا أو نحن توسعنا فيها من بعد أن قدمها غيرنا بصورة مجملة لعدة اعتبارات خاصة بهم .

كما وأننا قد حاولنا تتبع جذور وأصول هذه الفكرة والكشف عن مصدرها ولكننا لم نجد شيئا ترى من قدم وعدا للجزائريين بالاستقلال؟ الشيء الأكيد أن هذا الوعد لم يقدم أبدا قبل 1914 ذلك أنه وقبل هذا التاريخ وطوال القرن التاسع عشر ففرنسا قد كانت مهتمة فقط بكيفية إذابة الشخصية الوطنية الجزائرية والقضاء عليها وبكيفية دمج وإلحاق الجزائر بها وفيها وبالتالي فلا مجال هنا للحديث عن منح الجزائر وعدا بالاستقلال . كما أن الجزائريين في تلك الحقبة قد أصبحوا شعبا مغلوبا خاضعا لإرادة الإدارة الفرنسية المفروضة عليه , شعبا تم تجهيله بالقوة وربما لا يفكر معظمه في شيء اسمه الاستقلال . كما وأن الحركة الوطنية الجزائرية لم تنبعث بعد وفرنسا كانت في موقع قوة وهي تـَسُوق الجزائريين كما شاءت وهي ليست بحاجة إليهم ولا تخافهم لكي تعدهم بشيء أصلا وهذا لكونهم موضوعا لها وهي المخمورة في ذلك الوقت بفكرة الرسالة الحضارية وكل شيء آخر عداها فهو خارج اهتماماتها . كما أن الجزائريين قد تم تجاهلهم وإقصائهم خلال تلك الحقبة ولم يعد لهم وجود أصلا في بلادهم وإنما هم مجرد رعايا للدولة الفرنسية وغرباء في وطنهم ويعيشون على الهامش وهم كتلة منسية ومن المستحيل أن تعطي لهم فرنسا وعدا بالاستقلال ذلك أنه وخلال القرن التاسع عشر نجد أن الأدبيات الشائعة تقول بأن الجزائر أرضا فرنسية ومقاطعة فرنسية فيما وراء البحار وهذا هو قدرها وإلى الأبد وهذا حسب الكولونLes colons وأنصارهم طبعا ولما حاول الإمبراطور نابليون الثالث بناء ما يسمي بالمملكة العربية Le royaume arabe في الفترة ما بعد 1860 فالنتيجة قد كانت الفشل الذريع لمشروعه والثورة عليه وهو من حاول فقط أن يساهم ويشارك الجزائريون في حكم بلادهم . فما بالك لو وعد الجزائريين بالاستقلال فماذا سيكون مصيره ومصير من نظّر إلى هذا المشروع من حاشيته؟ نعود ونقول لئن كان الفرنسيون وخلال تلك الحقبة يرفضون مجرد مشاركة الجزائريين في إدارة البلاد فكيف نتصور أن يعطوهم وعدا بالاستقلال؟ وكل هذا لأن فرنسا في تلك الحقبة قد كانت في مرحلة المد الاستعماري والتوسع في الجزائر وهذا يتناقض مع الفكرة القائلة بمنحها وعدا بالاستقلال لهذه البلاد وهي أصلا في مرحلة تثبيت وجودها بها وتعمل جاهدة لبسط نفوذها على كل شبر منها ذلك أنه وحسب فرنسا فلئن انسحبت هي منها فسوف تخلفها غريمتها بريطانيا وبالتالي فلا مجال هنا للحديث عن استقلال الجزائر .

كما لا ننسى بأن الجزائريين في تلك الحقبة لا هم مواطنون فرنسيون ولا هم مواطنون في بلدهم وإنما هم مجرد رعايا أجانب وغرباء في وطنهم ووطن أجدادهم وليست لهم أي حقوق اجتماعية فما بالك بالسياسية , ينظر إليهم المستعمر نظرة دونية وفوقية ومتعالية يملؤها الاحتقار وهم حسبه همج برابرة متوحشون وفرنسا جاءت لتحضيرهم وتمدينهم وهنا يتبادر سؤال مشروع هل يمكن منح لمثل هؤلاء وعدا بالاستقلال؟ وهم أصلا ليسوا مواطنين ولا يحملون صفة المواطن بتاتا أو قل هم بشر دون البشر وفي مرتبة بين الحيوان ” القردة ” والإنسان كما تصورهم ملصقات الدعاية الاستعمارية وبالتالي فهم لا يستحقونه وليسوا أهلا له أصلا .

وقد يقول قائل بأن فرنسا قد وعدت الجزائريين بالاستقلال وهذا في الفترة ما بين 1919 / 1945 لكونها قد أصبحت تحتاج إليهم من جهة وتخشي ثورتهم عليها من جهة أخرى وهنا لنفترض جدلا بأن فرنسا وعدت الجزائريين بالاستقلال خلال هذه الحقبة أو بعدها ترى من , من المسئولين الفرنسيين قد قدم لهم هذا الوعد؟ وما اسم الوثيقة التي تضمنته؟ وإلى من , من الشخصيات أو التنظيمات الجزائرية قد تم تقديمها؟ وفي أي مصدر أو مرجع يمكن العثور على نص ذلك الوعد اليوم على حسب علمنا لا يوجد لمثل هذا الوعد أي أثر في المصادر والمراجع التي تؤرخ للجزائر تحت حكم الاستعمار الفرنسي ولذا كان لزاما علينا أن نتتبع ما استطعنا من الوثائق التي تحوي المراسيم والقرارات والقوانين والتي أصدرتها الإدارة الفرنسية خلال حقبة 1919 / 1954 والخاصة بالجزائر والجزائريين علنا نجد فيها مبتغانا ولكن مرة أخرى لم يظهر لخرافة الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال أي أثر .

وفيما يخص فترة الحرب العالمية الثانية فإن هذه الفكرة تـُطرح وبقوة دوما في مقالات غير المتخصصين في التاريخ ومفادها أن فرنسا وعدت الجزائريين بالاستقلال أثناء الحرب العالمية الثانية وهذا في مقابل مشاركتهم فيها إلى جانبها وعمليا فمن المحال أن يعطى هذا الوعد لحزب مصالي الحاج وهو من رفض الوقوف إلى جانب فرنسا في محنتها أما العلماء وهم جمعية دينية ثقافية ولا تهتم بالأمور السياسية ولو ظاهريا ولم تحشر أنفها في مثل هذه القضايا لإستراتيجيتها الخاصة بها في التعامل مع النظام الاستعماري أما حركة النخبة مع ابن جلول فمحال أن يطالبوا بهذا الأمر ومعهم الحزب الشيوعي الجزائري وهذا نظرا لقناعاتهم الأيديولوجية بأن الجزائر قطعة فرنسية ولا يتصورون مستقبلها بعيدا عن فرنسا أما عباس فرحات فعلينا أن ننتظر حتى العام 1956 وهذا لكي يقتنع بفكرة الاستقلال عن فرنسا وعليه فإلى من ستقدم فرنسا الوعد بالاستقلال؟؟ وهذا ما سنعود إليه في الأجزاء اللاحقة من مقالنا هذا .

والهدف من وراء نشر هذه الأكذوبة واضح فهو يتمثل في تمييع وإجهاض النصر الذي حققه الجزائريون وتقزيمه مع الاستخفاف بقداسة ضريبة الدم التي دفعتها الجزائر لكي لتسترد سيادتها المصادرة منها وكل هذا يصب في خانة محاولة إضعاف الشرعية التي اتكأ عليها حكام الجزائر المستقلة بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معها وعليها وخصوصا من قبل هؤلاء الذين تضرروا من استقلال الجزائر لكونهم وفقوا ضد الثورة فأصبحوا يشعرون بالحقد عليها وعلى الثوار . في حين يخبرنا آخرون بأن الهدف يتمثل في : ” عدم الاعتراف للشعب الجزائري بأنه حقق نصرا باهرا هو في الوقت ذاته انتصار من حجم عالمي إذ أنه كرس انتصار مبدأ حق كل الشعوب في الاستقلال ” كما كرس تأميم قناة السويس 1956 حق الشعوب في السيادة على ثرواتها .

كما يمكن القول بأن هذه المغالطة جاءت لتجهض النصر الأسطوري الذي حققه الشعب الجزائري على فرنسا الاستعمارية وبالتالي فبقتل النموذج الجزائري فإنهم بهذا يعمدون إلى قطع الطريق على الشعوب الأخرى والتي لا زالت ترزخ تحت نير الاستعمار وهذا حتى لا تكون الثورة الجزائرية قدوة ونموذجا لها خاصة وأن الشعب الفلسطيني في العام 1965 قد اتبع النموذج الجزائري في ثورته وأصحاب هذا الرأي يوجهون رسالة إلى الشعوب المستعمرة مفادها بأن الاستقلال لا يأتي نتيجة لثوراتكم وإنما يأتي بقرار من القوى الاستعمارية متى رأت في هذا الاستقلال خدمة لمصالحها وهذا كلام باطل يكذبه الواقع التاريخي .

كما أن مغالطة الوعد الفرنسي لنا بالاستقلال والهبة الديغولية جاءت وكما يقول المؤرخون بأن الآخر يستكثر على الجزائريين الاعتراف لهم بأن نصرهم من مستوى عالمي غير مجرى التاريخ وهو يماثل انتصار الفتناميين على فرنسا الاستعمارية والانتصار على النازية في ح ع 2 لا لشيء سوى لأن الآخر ينظر لنا نظرة دونية احتقارية فها هم الأتراك العثمانيون لم يعترفوا بشرعية الأمير عبد القادر لكونه وحسبهم من سلالة لا تنجب الأمراء وكذلك الأمر مع ثورتنا المباركة فنحن شعب ليس من حقه أن يحقق نصرا يغير به مجرى التاريخ لكوننا الهامش وغيرنا المركز ولكوننا العربات وهم القاطرة التي تجرها فهم شعلة الحضارة ونحن مجرد ظلال وصدى لها . وهي كلها أفكار بالية من إنتاج القرن ال 19 أيام كانت الكلمة العليا لفكرة المركزية الأوروبية البائسة والتي تجسد نظرة الاستعمار لغيره وما حصل مع الشعب الجزائري يحصل مع الأفراد أيضا فها هو مالك بن نبي لما كتب كتاب الظاهرة القرآنية خنق عليه الكثير غيرة وحسدا واستكثروا عليه الكتابة في ذلك الموضوع ورؤوا انه ليس من حقه الخوض في هذا الموضوع ونفس القصة تتكرر مع الشعب الجزائري ككل ونصره المؤزر في حربه التحريرية .

وما دفعنا لكتابة هذا المقال هو الألم الكبير الذي نشعر به عندما نسأل أي طفل جزائري سواء كان في المرحلة المتوسطة أو الثانوية – والشيء الأمَرّ هو أن بعض طلاب الجامعة تتخصص تاريخ وبعض أساتذتهم – الكل وعندما تسأله مثلا عن أسباب مجازر الثامن ماي 1945 الرهيبة يجيبك بأن الجزائريين قد خرجوا ليطالبوا فرنسا الاستعمارية بأن تفي بوعدها المقدم لهم والذي مضمونه مشاركتهم في الح ع 2 إلى جانبها مقابل استقلالهم بعد النصر والكارثة الكبرى هي أن دكاترة قد تخصصوا في التاريخ الجزائري ومع هذا فهم لا يتورعون عن ترديد هذه المغالطة حتى أنها أصبحت من البديهيات والمسلمات ونحن هنا نحملهم جميعا مسؤولية انتشار هذه المغالطة والأكذوبة والأسطورة والخرافة ومعهم وزارة المجاهدين والتي عليها أن تراقب المقررات المدرسية الخاصة بمادة التاريخ ولمختلف المراحل التربوية وترفع تقارير بما تراه ينافي الحقيقة التاريخية إلى وزارة التربية الوطنية والتي عليها هي الأخرى أن تصحح هذه المغالطات والتشوهات التاريخية والتي تهز وتضعف الروح الوطنية في الأجيال الناشئة وتجعلها تستخف بتضحيات آبائها وأجدادها مما تكون نتيجته الاستخفاف بالأوطان وتهدم عرى العلاقة بين المواطن ووطنه . والنتيجة نراها اليوم ففيما مضي كان الجزائريون يقدسون الجزائر وتاريخها واليوم هي قد أصبحت غريبة عن بعض أبنائها وكأنما هي إحدى جزر المحيط الهادي النائية وكل هذا نتيجة القتل الممنهج للروح الوطنية بمثل تلك المقولات وذلك بخلق هوة يستحيل ويصعب ردمها بين الناشئة ووطنها .

وما حزّ في النفس ونحن نكتب هذا المقال هو الانعدام الكلي لمصادر غاية في الأهمية ولا بديل ولا غنى للباحث في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية عنها ونحن هنا نقصد مذكرات الجنرال ديغول صانع الأحداث فبالله كيف سنكتب عن مسألة استقلال الجزائر من دون الرجوع إلى تلك المذكرات أي إلى الأصل والمصدر ولقد حاولنا تحميلها من الإنترنيت ولكننا لم نعثر لها على أثر ثم توجهنا إلى المكتبات العمومية بمدينة عنابة وهي من كبريات المدن الجزائرية ولم ننل بغيتنا كذلك فقط ضيعنا وقتا ثمينا في التنقل ومن بعد يأسنا في العثور على تلك المذكرات توجهنا إلى المراجع البديلة والتي لا يمكن أن تحل محل الأصل أبدا لأن كل باحث يقتبس منها ما يخدم موضوعه وكل يوظف منها ما يراه مناسبا ويخدم وجهة نظره ويهمش ما لا يراه يخدم قناعاته ولهذا فنحن نعتذر للقارئ الكريم عن أي نقص يراه في هذا المقال في ما يخص الشق الخاص بديغول والقضية الجزائرية وحتما عندما نجد مذكرات الرجل كاملة سنتناول في مقال منفرد موضوعه ديغول والقضية الجزائرية وهذا انطلاقا من مذكراته هو طبعا .

ومن بعد كل ما سبق ندخل في صلب موضوعنا والمتمثل في محاولة تفكيك ودراسة الفكرة القائلة بأن فرنسا قد وعدت الجزائر في يوم ما بالاستقلال والبداية تكون مع المؤرخ الكبير محمد العربي الزبيري والذي يخبرنا في كتابة تاريخ الجزائر المعاصر وهذا في معرض حديثه عن مجازر 08 ماي 1945 بما يلي : ” إن أخبار متواترة قد بدأت تصل إلى أسماع قادة الحركة الوطنية مفادها أن اللجنة الفرنسية للتحرير قد تمكنت من إقناع الحلفاء بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا وأن دعاة الانفصال لا يمثلون إلا أنفسهم وهم منبوذون من الشعب الحقيقي ونتيجة ذلك الإقناع صرح السيد مرفي Murphy أن السلطات الأمريكية لن تتدخل في الشؤون التي هي من اختصاص الإدارة الوطنية أو لها علاقة بالسيادة الفرنسية ” وهنا من حقنا أن نتساءل من كان يحكم أو على الأقل من كان يمثل فرنسا في تلك السنة إنه حتما الجنرال ديغول وهو الذي أقنع الحلفاء حسب محمد العربي الزبيري دوما بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا وعليه أين هو وعد الجزائر بالاستقلال ومن هي الجهة التي أصدرته؟ خلال هذه السنوات ولئن كان ديغول يؤمن بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا فكيف نتصوره يمنحها الاستقلال؟ خاصة وأن مقولة أن الجزائر أرض فرنسية كانت لدى كل الفرنسيين مبدأ لا يحتمل المناقشة . ولذالك فلما شعرت فرنسا بخطورة المطالب الاستقلالية الجزائرية عليها أثناء وبعد ح ع 2 فقد عمدت لتصفية هذا التيار وهذا من خلال في مجازر 08 ماي 1945 ولتضمن فرنسا الاستعمارية بهذه الجريمة مستقبل الجزائر الفرنسية وفي مقابل هذا فقد أصدرت دستور الجزائر للعام 1947 وأهم ما جاء فيه هو أن الجزائر قطعة فرنسية وهو ما يهمنا منه ولذلك فقد رفضته الحركة الوطنية والجزائريون عامة لأنه يتنكر للكيان الجزائري ولا يعترف به فكيف تعد فرنسا بشيء هي لا تقره ولا تؤمن به أصلا و تحاربه وتحاول جاهدة استئصال شأفته؟ .

ونحن هنا لا نلوم الفرنسيين على تمسكهم بالمستعمرات فهم وإلى غاية 1945 كانوا يرفضون مجرد التفكير في منح تلك المستعمرات الاستقلال فما بالك بمقاطعات فيما وراء البحار وأولها الجزائر وهذا ضنا منهم بأن هذا العمل سيفقد فرنسا مكانتها الدولية ويرجعها دولة من الدرجة الثانية وهم هنا لا يزالون يحتكمون إلى أدبيات القرن التاسع عشر والتي مفادها بأن قوة وعظمة الدولة تقاس بشساعة مستعمراتها ونسوا بأن معايير عظمة الدولة تغيرت بعد ح ع 2 بأن أصبحت القوة الاقتصادية هي المعيار الأول في قياس عظمة الدول وهذا ما تفطن له اليابانيون وهذا عندما رفعوا شعارهم الشهير في تلك الفترة وقالوا سنشترى العالم بدل من أن ندمره وهذا ما كان يجب أن تتفطن له فرنسا الاستعمارية مبكرا ولكنها انتظرت وإلى غاية 1957 حتى تقتنع به وهذا مع بداية تشكل الاتحاد الأوروبي وعندها فقط ستغير بوصلتها من المستعمرات باتجاه دول القارة الأوروبية . ولأجل ما سبق فبعد ح ع 2 حاولت فرنسا وفي اتجاه مضاد الإبقاء على مستعمراتها فعملت على إنشاء تجمع يشبه الكومنوالث البريطاني وأطلقت عليه الإتحاد الفرنسي وكل هذا لتجهض المشاريع الاستقلالية في إمبراطوريتها ففي مؤتمر برازافيل 1944 ما كان مطروحا هو عبارة الكتلة المكونة من فرنسا ومستعمراتها وهذا الاتحاد يشمل الأقاليم المحمية ومناطق الانتداب وطبعا تخرج منها الجزائر لأنها مقاطعة فرنسية .

وتاريخيا ليس هناك سابقة وعدت من خلالها دولة ما أحد أقاليمها خلال الحرب العالمية الأولى أو الثانية بالاستقلال نظير المساهمة في الدفاع عن الوطن الأم لأن هذا واجب وطني لا يُـنـْتظرُ مقابل له كما هو حال الجزائر الفرنسية وهذا حسب القانون الفرنسي طبعا وإنما تاريخيا الوعود تفتك ولا تمنح كهبات من المحتل الغاصب أو من الحكم المحلي الجائر كما هو حال السود في جنوب إفريقيا وفي الو م أ وهل وعدت مثلا بريطانيا إيرلندا الجنوبية Sud Irlande بالاستقلال في يوما ما بل افتكته إيرلندا افتكاكا؟ كما أننا لا نجد وعدا واحدا من قبل فرنسا بالاستقلال إلى أقاليمها فيما وراء البحار خلال الحربين فلماذا يكون الاستثناء في الجزائر؟ وهل نتصور اليوم أن يمنح الكيان الصهيوني وعدا باستقلال فلسطين التاريخية وهي إسرائيلية في الأعراف والمحافل الدولية؟ وكذلك كان حال الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية .

ولعل البعض منا يخلط بين مطالب بعض اتجاهات الحركة الوطنية في الجزائر بالاستقلال ونحن هنا نقصد التيار الثوري الاستقلالي بقيادة الزعيم مصالي الحاج وهذا التيار كان مغضوبا عليه من قبل الإدارة الفرنسية وينظر له نظرة عدو من قبل فرنسا الاستعمارية ويوضع في نفس الخانة مع هتلر فكل واحد منهما يريد تخريب وتدمير فرنسا ولو استطاعت فرنسا أو وجدت الحجة لأعدمت مصالي الحاج ولكنها لم تجد الذريعة فهو مثلا قد رفض رفضا مطلقا التعاون مع النازية نكاية في فرنسا ولو فعل هذا لحاكمته بتهمة الخيانة العظمي ولاستراحت من تهديده لوجود الجزائر الفرنسية واستمراريتها في الزمن ومطالبة مصالي الحاج بالاستقلال عن فرنسا لا يعني تبني فرنسا لهذه المطالب ولو نفاقا للجزائريين لأن هذا كان سيفتح عليها أبواب جهنم المعمرين والجزائريين على حد سواء ولئن كانت فرنسا ترفض حتى مجرد فكرة أن ينفصل عنها كولون الجزائر ويشكلون كيانا فرنسيا خاصا بهم في الجزائر على نموذج نظام جنوب إفريقيا أو استراليا فكيف نتصور أن تفكر في منح الجزائر للعرب العرق المحتقر في نظرها ونتحدى من يعطينا وثيقة رسمية واحدة للدولة الفرنسية تعد فيها الجزائريين صراحة بالانفصال عنها وتكوين دولة جزائرية مستقلة .

كما أن مصدر المغالطات التي نقع فيها قد جاء من عدم تمييزنا بين مختلف النظم الاستعمارية المطبقة من قبل الدول الاستعمارية مسايرة منها للتطورات وللمتغيرات الدولية الحاصلة وعلى رأسها اعتبار أسلوب الغزو العسكري المباشر كما حدث في الجزائر هو نفسه نظام الحماية كما هو الحال في كل من تونس والمغرب الأقصى مثلا والحماية وحسب ما جاء في كتاب الاستعمار الفرنسي لمحمد حسنين هي : ” حماية دولية في نطاق القانون الدولي العام بين دولتين إحداهما حامية والأخرى محمية ” وفي هذا النظام تحتفظ الدولة الحامية بحق الإشراف على المسائل الخارجية والدفاع والاقتصاد والتعليم وفي المقابل تتمتع الدولة المحمية باستقلال ذاتي وتبقى فيه كل هياكل الدولة قائمة بحيث تعترف لها الدولة الحامية بشخصيتها المغايرة لها وكل هذا لأن الأخيرة تعمل على نهب خيرات المحمية وهي على يقين بأنه ومتى تنتهي تلك الخيرات فهي ستخرج منها إلى منطقة أخرى وبالتالي فالوعد بالاستقلال هو تحصيل حاصل لتهدئة المحمية نتيجة لظروف خاصة كالحرب العالمية الثانية وهذا ينطبق على كل من تونس والمغرب الأقصى أما الجزائر فوضعها القانوني فهو شيء آخر ولذلك لم تعطها فرنسا مطلقا وعدا بالاستقلال والجزائر لكونها قد كانت ضمن أراضي الجمهورية الفرنسية أي المجموعة المركزية والتي تشمل فرنسا وكورسيكا وعليه فهناك من يخرجها من مقاطعات فيما وراء البحار كالمارتنيك لصالح أراضي دولة المركز . كما أنها ليست ضمن الأقاليم المجمعة كالسنغال والنيجر ولا ضمن الأقاليم المفردة كالصومال ومدغشقر ولا ضمن الأقاليم المشتركة كالتوجو ولا ضمن الدول المشتركة كالفيتنام ولاوس وعدم معرفة كل هذه التصنيفات هو الأصل في الخلط والتعميم والتعامل مع الممتلكات الفرنسية السابقة كما لو أنها كلها تحت أسلوب استعماري واحد وما يصدق على واحدة يصدق بالضرورة على جميعها كما هو حال مسألة الوعد بالاستقلال الذي هو خاص ببعض المستعمرات كالتي تحمل صفة الدولة المشتركة أو تلك التي تحت نظام الحماية والانتداب والوصاية وتخرج منها المناطق التي تعتبر أراضي فرنسية وعلى رأسها الجزائر حتى أن كل العالم قد كان مقتنعا بأن الجزائر وفرنسا شيء واحد فالجزائر هي فرنسا ولا قيمة للبحر المتوسط الذي يقسمها إلى قسمين كما يقسم نهر السين باريس إلى قسمين أيضا .

ولئن كانت فرنسا قد وعدت الجزائر حقا بالاستقلال فكيف لم يشهر ولا تيار من تيارات الحركة الوطنية نص هذا الوعد المزعوم إن كان مكتوبا في وجهها والاحتجاج به لديها ولدي الهيئات الإقليمية والدولية؟ فهذا لم نجده لا مع تيار مصالي الحاج ولا حتى مع تيار فرحات عباس المهادن لها قبل 1956 وإنما كان الاحتجاج دوما بما جاء على لسان الرئيس الأمريكي ويلسون من حق للشعوب في تقرير مصيرها ولو كان لهم غير هذا لاحتجوا به مما يجعل الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال مجرد أسطورة وجدت طريقها ولغايات مغرضة إلى الأدبيات التاريخية . وما يفندها ويكذبها هو ذلك الكم الهائل من المراسيم والقوانين والقرارات والتي أصدرتها الإدارة الفرنسية بهدف تجسيد فكرة الجزائر الفرنسية على أرض الواقع ومنها :

– مرسوم 22 جويلية 1834 والذي نص على أن الجزائر جزء من الممتلكات الفرنسية – دستور 1848 أعتبر الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا حيث نصت المادة 109 منه على اعتبار الجزائر أرضا فرنسية – إنشاء وزارة الجزائر و المستعمرات عالم 1958 م، حيث اعتبرت الجزائر إقليم تابع لفرنسا ترى لما أنشأ الفرنسيون وزارة خاصة بالمستعمرات والجزائر والتي هي حتما شيئا غير المستعمرات وعليه فالوعد بالاستقلال يعطى للمستعمرة وليس للجزائر التي لم تكن أبدا مستعمرة وإنما مقاطعة فرنسية .

وانطلاقا من سنة 1870 أي في عهد الجمهورية الثالثة أصبحت الجزائر تابعة لوزارة الداخلية يحكمها حاكم عام يساعده مجلس استشاري . وهكذا كانت فرنسا هي من يقرر مصير الجزائريين في تلك الحقبة لأننا كنا وكما وصفنا الأمير خالد شعبا مغلوبا خاضعا لإرادة غالبه وقاهره وإرادة غالبنا في تلك الحقبة اقتضت بأن الجزائر ليست إلا أرضا فرنسية .

وكنتيجة مباشرة لتلك الإجراءات ففرنسا لم تكن تتصور أن تنفصل عنها الجزائر حتى ولو قام بذلك الكولون فما بالك بأن يفصلها الجزائريون علما بأن الكولون هم من كانوا يفرضون وجهة نظرهم على باريس وبالتالي ففرنسا كانت تسترضيهم دوما فحتى الإصلاحات الهامشية كانوا يرفضونها كتلك التي أعلنها جورج كليمنصو Georges Clemenceauفي العام 1919 فما بالك بفكرة منح وعد للجزائر بالاستقلال؟ لأن الجزائر ملكا لهم ورثوها عن آبائهم الغزاة ” L’Algérie de papa” ” The Algeria Dad ” والذين كانوا ينظرون إليهم على أنهم رسل للحضارة وللمسيحية و لذالك وحسب اعتقادهم هذا وجب أن تبقي الجزائر فرنسية .

كما أنه وفي العام 1904 قد صدر القانون والذي وبموجبه تم إدماج مقاطعات الجزائر في فرنسا المركز وهذا باستثناء الجنوب وبقي هذا الأمر قائما وإلى غاية صدور القانون الخاص بالجزائر في العام 1947 .

علما أنه وفي الفترة ما بين الحربين فقد تبلور الوعي السياسي بين الجزائريين فظهرت أحزاب سياسية تناضل لأجل استعادة حقوق الجزائريين المسلوبة وفي مقابل هذا عملت فرنسا المستحيل لأجل أن لا تخرج الجزائر المقاطعة الفرنسية عن حالة الهدوء والنظام الذي أرسته بعد جهود مضنية ومن الطرفين وخوفا من انفلات الأمور فتأتي هنا سياسة الوعود بالإصلاحات من قبل الإدارة الفرنسية ولكن في نطاق السيادة الفرنسية على الجزائر . وهنا تظهر لنا جملة المشاريع الإصلاحية ومنها إصلاحات 1919 ثم منشور ميشال 1933 Míchel والذي جاء ليضيق على نشاط جمعية العلماء ثم جاء قرار رينيه René 1935 والذي كله تهديد ووعيد للجزائريين بعيدا عن أي إصلاح ثم تلاه مشروع بلوم فيوليت 1936 Blum-Viollette وهو مشروع إصلاحي إدماجي سقط تحت معارضة الكولون وبقيت الأمور في الجزائر على حالها . أما الزعماء فقد اضطهدتهم فرنسا بكل قسوة كالأمير خالد والذي تم نفيه في العام 1923 وهنا نعيد السؤال نفسه دوما من قدم الوعد بالاستقلال من الجهات الفرنسية وإلى من قدمه في هذه الحقبة أي في حقبة ما بين الحربين 1919 / 1939 وكل هذه الحقائق تعرى زيف ذلك الإدعاء كما وأن كل هذه الوعود بالإصلاح ما هي إلا مشاريع سطحية هامشية تتجاهل المطالب الحقيقية للجزائريين . أما دستور الجمهورية الرابعة الفرنسية للعام 1946 فقد اعتبر الجزائر أرضا فرنسية مثلها مثل غوادلوبGuadeloupe والمارتنيك Martinique والريونيون La Réunion وهي كلها مقاطعات فرنسية فيما وراء البحار لها نفس الحقوق كمقاطعات الوطن الأم في البر الأوروبي وإن نالتها بصورة تدريجية وعلى مراحل متعاقبة . ولئن منحت فرنسا وعدا بالاستقلال لتلك الأراضي فقد منحتها أيضا للجزائر علما بأن تلك الأراضي هي جزء من فرنسا وإلى اليوم ولولا الثورة الجزائرية المباركة والتي قضت على خرافة الجزائر الفرنسية لكانت الجزائر اليوم هي الأخرى جزء من فرنسا ومن الاتحاد الأوروبي وهذا ما يكذب وبصورة قطعية خرافة الوعد بالاستقلال الممنوح للجزائر من قبل فرنسا . وبالعودة مرة أخرى إلى المؤرخ الكبير محمد العربي الزبيري والذي يخبرنا بأن أقصى ما فكرت فرنسا فيه هو كيفية دمج الجزائريين فيها ولذا ظهر لنا مشروع ميشلان 1887 michelin ومشروع مارتينو 1890 Martino وجون جوريس 1889 Jean Jaurès وكليما نسوسنة 1915Clément Susanna فأين الوعود بالاستقلال في كل هذه المشاريع الفرنسية الخاصة بالجزائر المستعمرة الفرنسية النموذجية؟ . ومنطقيا فإن فرنسا الاستعمارية لن تقدم شيئا للجزائريين هي من انتزعته منهم وانتزعت معه حقوقهم الإنسانية المشروعة .

وعندما نصل إلى محطة الحرب العالمية الثانية فإننا نجد شارل ديغول وكرد فعل مباشر منه على بيان فيفري 1943 فقد زار قسنطينة في أفريل 1943 وأعلن عن تأسيس لجنة لدراسة شـؤون الأهالي . وفي مارس 1944 أصدر أمرية تقضي بمنح المواطنة الفرنسية للنخبة الجزائرية دون التخلي عن أحوالهم الشخصية ثم يأتي خطاب 11 أكتوبر 1947 بسانتوجان Saint-Eugeneبالجزائر دوما وإلى أن نصل إلى خطاب جوان 1958 بالعاصمة الجزائرية ثم خطاب أكتوبر 1958 وإلى غاية خطابه حول تقرير المصير في 19 سبتمبر 1959 فقد كان الرجل يعتقد فقط في عبارة ” الجزائر مجموعة مقاطعات فرنسية ” ولذلك فهو عندما أدخل تعديلات على الدستور الفرنسي بجعل نظام الحكم رئاسي فإنه وفي نفس الوقت لم يمس بوضع الجزائر القانوني وهذا في ذلك الدستور ذاته وهذا هو موضوع الاستفتاء على دستور الجمهورية الخامسة في28 سبتمبر1958 ففيه تمت معاملة الجزائر على أنها أرض فرنسية وكل هذا لكونه لا يتصور أصلا أن يفكك الإمبراطورية الفرنسية خاصة وأن الجزائر هي واسطة العقد فيها ونحن هنا خرجنا عن إطارنا الزماني حتى تكتمل لنا الصورة التي كان يعتقدها الرجل في الجزائر.

وبالعودة مرة أخرى إلى إصلاحات ديغول في العام 1943 فإن الهدف منها وكما جاء في كتاب الحركة الديغولية في الجزائر 1940 / 1945 وقد كان يتمثل في العمل على كسب الجزائريين لكون ديغول في تلك المرحلة كان يحتاجهم عسكريا كما كان يتخوف من ثورتهم أو انضمامهم إلى خصومه أو إلى المنادين بحق الشعوب في تقرير مصيرها وهذا بعيدا عن أي توجه استقلالي للجزائر وفي نقس العام أرغم ديغول بريطانيا والو م أ على الاعتراف بسيادة فرنسا على شمال أفريقيا وإفريقيا الغربية لأن وحدة الإمبراطورية هي حجر الزاوية في الإستراتيجية الديغولية وهذا كما جاء في كتاب الحركة الديغولية للجزائر 1940 / 1945 المذكور أعلاه وعليه فهو لم يفكر مطلقا في استقلال المستعمرات فما بالك بالمقاطعات الفرنسية كالجزائر خلال ح ع 2 . وديغول ذاته كان قد أوصى وقبل مغادرته للجزائر من منع منطقة شمال إفريقيا من أن تخرج من أيدي الفرنسيين فكيف بعد هذا نتصوره هو أو فرنسا يعطيان وعدا للجزائر بالاستقلال خلال ح ع 2 لا لشيء سوى لأن ديغول يعتبر الجزائر ملكية خاصة بالفرنسيين دون سواهم .

ومن جهة أخرى فرد الرجل أي ديغول على دعاة الفيدرالية في الجزائر قد كان حاسما ويظهر هذا في مؤتمر برازافيل 1944 والذي قطع فيه الطريق أمام دعاتها ونقصد هنا عباس فرحات فهل الذي يرفض مجرد مناقشة فكرة النظام الفيدرالي بين الجزائر وفرنسا يمنحها وعدا بالاستقلال؟؟ ذلك أن ديغول كان يهدف لإعادة تفعيل الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية بعد الحرب لأنها لا زالت تمثل فخرا للفرنسيين ولأن فرنسا لا تزال تحتاجها لإعادة الاعمار وهذه الرؤية الديغولية للمستعمرات ومنها الجزائر سوف تتبدل في الفترة ما بعد 1957 أي عندما يصبح مستقبل فرنسا مرتبط بالاتحاد الأوروبي وليس بمستعمراتها وهي نقطة سنناقشها لاحقا كما لا يمكن أن نعول كثيرا على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها فالأكيد هو حق ليس لكلها وحتى وإن كان يشملها فهو يحمل عدة معاني واحد منها فقط الاستقلال كما أنه لم يأت للمقاطعات كما هو حال الجزائر المقاطعة الفرنسية . كما لا يجب أن نخلط بين ما يصدر عن فرنسا وما يصدر عن الو م أ والتي أرادت تحويل كل المستعمرات بعد الحرب إلى دول تحت الوصاية الدولية مما أجّج الشعور الوطني والمطالب الاستقلالية فيها بما فيها الجزائر ومن هنا تأتي أسطورة الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال نتيجة الخلط بين وعود ووجهات نظر الدول الامبريالية في تلك الحقبة .

وعطفا على ما سبق لا يمكن أن ننسي أبدا من أنه وبعد ح ع 2 فقد ظهر لاعبون جدد على المسرح الدولي لهم مصالحهم الخاصة بهم وعلى رأسهم الو م أ هذه الأخيرة نجدها قد سطرت لنفسها خارطة طريق خاصة بها بهدف السيطرة على العالم – أسواقه ومواده الأولية – حتى أنها فكرت في أن تأخذ جزء من المستعمرات البريطانية نظير مسح ديون الأخيرة تلك الديون الناجمة عن الحرب الكونية الثانية وعليه فما كان على الجزائريين أن ينخدعوا بالدعاية الأمريكية ولا أن يراهنوا على وعودها فيما يخص حق الشعوب في تقرير مصيرها وليس الاستقلال فهي لا تريد منحهم هذا الحق لينعموا به بل كانت تريد أن تحل هي محل المستعمر القديم فهي ومن بعد إنزالها الشهير في الجزائر 1942 قد أظهرت أطماعا في الجزائر وبصورة مباشرة وعليه فهي ومن وراء مناداتها بحق الشعوب في تقرير مصيرها تريد إنهاء الاستعمار في نسخته القديمة وليصبح استعمارا غير مباشر تكون هي زعيمته ومن جهة أخرى تريد أن تستأصل أي سبب يمكن أن يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة تكون هي أول ضحاياها وهذا السبب يتمثل في الصراع على المستعمرات ومناطق النفوذ والذي ولـّدَ حربين كونيتين إضافة طبعا إلى عوامل أخرى وعليه فهي تريد حماية ذاتها وتأمين مستقبلها وهذه الخلفية ربما لم تكن معلومة في تلك الفترة لبعض تيارات الحركة الوطنية ولكن ومتى توافقت مصالح فرنسا الاستعمارية مع مصالح الو م أ فقد تم إيجاد أرضية مشتركة

بين الجانبين ولو إلى حين فيما يخص القضية الجزائرية .

 

 

 

 

 

كما أن ديغول ومن حوله كانوا يعتقدون وفي العام 1945 بأن الأوضاع في الجزائر مهددة لوجود الأمة الفرنسية كأمة كبرى وذلك عبر حرمانها من منطقة شمال إفريقيا إذا ما نجح الجزائريون في فصل الجزائر عنها ولهذا يجب التعامل بكل قسوة مع أي تهديدات للوحدة الفرنسية وأن فرنسا المنتصرة عازمة على عدم السماح لأي كان المساس بسيادتها على الجزائر ونحن نقتبس دوما من كتاب لزهر بديدة الحركة الديغولية في الجزائر 1940 / 1945 وبعد هذا نتحدث عن خرافة الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال أثناء ح ع 2 . ترى لمن ستقدمه في تلك الحقبة لمصالي الحاج المسجون أم لفرحات عباس المرتاب في أمره أم للحزب الشيوعي الجزائري هذا الذي رحب بقدوم شارل ديغول إلى الجزائر رافعا شعار من أجل الوحدة من أجل الانتصار سيأتي ديغول إلى الجزائر وهنا لنفترض جدلا بأن ديغول عرض على أمثال هؤلاء الاستقلال فهل كانوا سيقبلونه؟؟ أي تخريف هذا وهم يؤمنون بوحدة الجزائر وفرنسا؟ .

وفي هذه الفترة فإننا نجد الجنرال هنري جيرو Giraud Henri الحاكم العام للجزائر قد رَدَّ على مطالب الجزائريين في 1943 بأنه مسؤول عن الحرب وليس عن السياسة وأنه يريد فقط انضمام الأهالي إلى الجيش الفرنسي ونفس الرؤية نجدها عند زميله بيرتوت Biriton والذي كان رده واضحا على مطالب الحركة الوطنية بأن أنشأ : ” لجنة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية الإسلامية ” كما أطلق سراح مصالي الحاج والمساجين السياسيين الآخرين أما الجنرال كاتروGeorges Catroux فقد رفض مجرد محاورة الجزائريين لكونه يؤمن فقط بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا وأعلنها وبشكل صريح بأنه مشغول بالحرب لا بالسياسة . فأين هي هنا الوعود بالاستقلال في كل هذا؟ . وما يدعم الكلام السابق هو ما يخبرنا به شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله من أن أقصى ما تكرم به الفرنسيون خلال ح ع 2 هو الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية لبعض الجزائريين ممن شاركوا في تلك الحرب إلى جانب الفرنسيين وهذا بعيدا عن أي إصلاحات سياسية .

كما يخبرنا المؤرخ الكبير يحي بوعزير في كتابه سياسة التسلط الاستعماري والحركة الوطنية الجزائرية من 1800 إلى 1945 وهذا في معرض حديثه عن مؤتمر برازافيل والذي يعتبر كما يقول أصل الإتحاد الفرنسي بأنه قد نبذ أي المؤتمر كل فكرة تدعو إلى الحكم الذاتي في المستعمرات الفرنسية كما نبذ كل شيء في إمكانه أن يساعد التطور والتقدم خارج الكتلة الفرنسية ومعنى هذا أن العقد الاستعماري لم يتغير إلا في شكله حيث لا جدال حول فكرته الأساسية التي هي الخضوع التام لفرنسا مع السعي الحثيث لإدماج الأهالي فيها أما المادة ال 60 ونحن دوما نقتبس من يحي بوعزيز فحق التمتع بالاستقلال لا أثر لذكره في ذلك النص وتجنبا للإطناب فإننا لن نذكر نص هذه المادة وهو موجود في المرجع الذي نقتبس منه وهذه هي خطة عمل الحكومة الفرنسية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية وعليه أين هو الوعد بالاستقلال الذي منحته فرنسا لمستعمراتها فضلا عن أقاليمها والجزائر أولها؟ إنها مجرد خرافة تلك القائلة بأن فرنسا أعطت للجزائر وعدا للجزائر بالاستقلال أثناء ح ع 2 فما سبق يفضح وبشكل لا لبس فيه زيف تلك الأسطورة . كما أن الحكومة العامة وعلى لسان أمينها العام غازانييه Gazanier والذي قد استنكر على فرحات عباس اتصاله بالإنجليز والأمريكيين وأخبره بأن للحكومة الفرنسية جملة من الإصلاحات والواجب عليه مساعدتهم لكي ينزلونها إلى أرض الواقع وإلا فعليه أن يتوقع الأسوأ وهنا نقول مرة أخرى من وعد الجزائر بالاستقلال خلال ح ع 2؟ وأين نجد نص هذا الوعد الأسطورة والخرافة؟ .

 

أما في الفترة ما بين 1947 / 1954 فالأمور تبقى على حالها من تسلط لسلطة استعمارية غاشمة ضمنت السلم في الجزائر لمدة عشر سنوات أخرى وهذا بتعبير الجنرال ريموند دوفالRaymond duval وهذا عقب المجازر الرهيبة في الثـّامن من ماي 1945 كما أن الجزائر وإلى غاية 1956 قد كانت تقريبا تحكم من قبل الديغوليين فهم في الواجهة كإيف شاتنيو Yves Chataigneau وسوستال jacques soustel مثلا وديغول في الخلفية وكلنا نعلم كيف تعامل من كان في الحكم في فرنسا من هؤلاء الديغوليين مع المسألة الجزائرية فكل شيء مباح ماعدا الاستقلال ومهما كان نوعه وهذا إلى غاية اندلاع ثورة نوفمبر المباركة في 1954 .

 

وهنا نصل إلى مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر المعاصرة والمتمثلة في ثورة التحرير الوطني ولمعرفة مدى مصداقية خرافة الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال فعلينا أن نتتبع السياسة والمواقف الفرنسية تجاه الثورة من 1954 وإلى غاية 1962 والبداية تكون مع كتاب ردود الفعل الأولية داخلا و خارجا على غرة نوفمبر لمولود قاسم نايت بلقاسم والذي يخبرنا بأن وزير الداخلية الفرنسي فرانسوا ميتران قد زار الجزائر في 19 أكتوبر 1954 وركز على موضوع قدماء المحاربين والسكن وأكد على أن فرنسا هي فرنسا الأم والجزائر ومقاطعات ما وراء البحار والجزائر هي قطب الرحى ومركز قوة فرنسا ومن يعارضون هذا فسوف يرد عليهم بقوة القانون وعظمة الجمهورية والجزائر في نظر فرنسا شعبا وحكومة هي ” لحمنا ودمنا وعظمنا ” فهل ستسمح فرنسا بانفصال جوهرة أقاليمها عنها وقطعة من جسدها ولحمها ودمها أي عبثية هذه؟ .

أما رد فعل رئيس الحكومة الفرنسية بيير منديس فرانس Pierre Mendès Franceعلى اندلاع الثورة وهذا في رده على نواب جزائريين فقد قال لهم :” لا تخافوا إنّ الأمة لن تسمح لأحد أن يخاطر بوحدتها وأنّ ليس هناك انفصال ممكن للجزائر عن فرنسا ” . كما أكد بأن الجزائر فرنسية حيث قال : ” إنّ الجزائر هي فرنسا ومن الفلاندر حتى الكونغو ليس هناك إلاّ قانون واحد وأمة واحدة وبرلمان واحد، هذا هو الدستور وهذه إدارتنا ولا حق لأي أحد أن يشكّ فيها ” . كما صرح بالآتي : ” لن نرحم المتمردين، فلن يكون هناك تساهل، فلا يمكن التساهل عندما تكون وحدة الجمهورية والسلام الداخلي للأمة معرضين للخطر، وذلك أنّ العملات ( الولايات) الجزائرية جزء من فرنسا منذ مدة طويلة، وسكانها يتمتعون بالجنسية الفرنسية، ولهم تمثيلهم في البرلمان وقد برهنوا بكفاية عن تعلقهم بفرنسا، بحيث لا يمكن أن تسمح فرنسا لأحد بأن يعرّض وحدتها للخطر ” .

أما وزير الداخلية فرانسوا متيران François Mitterrand فقد صرّح أمام لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الفرنسي قائلا : ” لا يمكن أن تكون هناك محادثات بين الدولة والعصابات المتمردة التي تريد أن تحل محلها” كما أجاب النواب الشيوعيين فيما يخص القضية الجزائرية بالقول : ” إنّه إذا كنا نقبل الحوار مع الوطنيين في البلدين المحميين( تونس والمغرب) وهما دولتان بالمعنى القانوني للكلمة، فإنّ ذلك غير ممكن مع الجزائر التي هي مقاطعة فرنسية، وجزء لا يتجزأ من فرنسا كما أن الثورة عنده هي عبارة عن : ” تمرد بعض الأعراش، وأن المتمردين عبارة عن مجموعة من اليساريين ينتمون إلى الشيوعية العالمية . والقاهرة هي التي تحضرهم على القيام بأعمال تخريبية”

كما صرح من جهة أخرى بأن : ” هؤلاء المحركين من الخارج يقصدون بهذه العملية أن تساعدهم على عرض قضية الجزائر على هيئة الأمم المتحدة قريبا، ضمن ملف المغرب الفرنسي ” وأشار إلى : ” أنّ المتمردين لن ينجحوا لأن ملف الجزائر أبيض لا مظالم فيه ولا شكاوي ” ولكن واقع الحال قد كذب كل هذه الادعاءات الفرنسية وما كان ملف فرنسا الاستعمارية بالأبيض أبدا وكلنا يعلم عن ذلك الكم الهائل من الجرائم المرتكبة في حق المدنيين والأبرياء العزل طوال فترة الثورة الجزائرية الكبرى والمظفرة والتي من حقي كجزائري أن أعتز بها وإلى حد التقديس . فهل من يتبنى مثل هذه المواقف من القضية الجزائرية يمنحها وعدا بالاستقلال أي هذيان هذا؟؟ ! .

وعندما نصل إلى ديغول فإننا نجده كغيره من فرنسيي عصره فحدود فرنسا عنده هي من الفلاندرLa Flandre إلى الكونغو والجزائر تدخل ضمنها بل هي تمثل قلبها وهي أيضا عنده أي ديغول من دانكيرك Dunkergue إلى تمنراست وكثيرا ما يستخدم في مذكراته تعابير : ” أراضينا في شمال إفريقيا ” و : ” ووحدة أراضينا الإمبريالية في إفريقيا الفرنسية ” وأن التدخل في شؤون إفريقيا الشمالية حسبه هو : ” تدخل مباشر في شؤون فرنسا الداخلية ” والجزائر عنده وحسب الدستور الفرنسي هي : ” الجزئية التي لا تتجزأ من فرنسا ” وهو هنا يتبنى نفس نظرة اللجنة الافريقية ودستور 1848 من الجزائر الفرنسية وهي النظرة التقليدية التي يُـجمع عليها غالبية الفرنسيين .

وللوقوف على حقيقة موقف ديغول من المسألة الجزائرية علينا أن نتتبع كيف تطور موقف الرجل منها وهذا تبعا للمتغيرات الدولية والإقليمية والداخلية سواء داخل فرنسا المركز أو الجزائر المحتلة وموقفه تطور طبعا نتيجة لتلك المتغيرات ومتى استطعنا أن نتتبع سير الأحداث تمكنا من تجاوز ذلك الغموض عند البعض والذي يطبع موقف ديغول من القضية الجزائرية خاصة وأن الرجل يستخدم عبارات تحتمل عدة قراءات وتأويلات كما أنه يوحي لقارئها غير المتخصص في تاريخ الجزائر بأنه قد عزم على تصفية القضية الجزائرية وذلك عبر الإقرار والاعتراف بحقها في الاستقلال وهنا نحن علينا أن نفكك موقف الرجل بغية الوقوف على الخلفيات التي دفعته إلى السير في هذا الاتجاه وهل الاعتراف باستقلال الجزائر كان مفروضا عليه لعوامل داخلية وخارجية تتجاوزه وبالتالي فالرجل لم يكن مخيرا في مسألة استقلال الجزائر والذي قد كان تحصيل حاصل حتى ولو غادر ديغول السلطة لظرف ما ولو كان الاغتيال كما يخبرنا بهذا المؤرخ بنيامين ستورا أم انه كان يمكنه أن يسير معاكسا للتيار في محاولة عبثية لجعل وجود الجزائر الفرنسية ممكنا في الزمن ولكن الجزائر الجزائرية ولا نقول الجزائر العربية المسلمة والتي لم تظهر بعد نقول بأن الجزائر الجزائرية عمليا هي موجودة على أرض الواقع وهي دولة قائمة ومسألة استقلالها هي مسألة وقت لا أكثر ونحن هنا لا نلوم ديغول على غموضه فيما يخص المسألة الجزائرية فالرجل لم يكن هينا عليه التخلي عليها وهي من تمثل مجد وفخر فرنسا وبالأمس القريب فقط ولكن الأمر ليس بيده فالطلاق قد حدث نتيجة لظروف قاهرة له ولكنه كان بحاجة إلى تهيئة الظروف حتى تتم عملية الانفصال لأن هناك مراكز قوى مضادة تضغط عليه وفي الاتجاه المضاد كغلاة الكولون وأنصار الجزائر الفرنسية وبالتالي فهو قد كان بحاجة إلى الوقت ريثما يستطيع تقليم أظافرهم وتحييدهم ومن هنا جاء الغموض فهو يلعب على عدة حبال وفي وقت واحد ولهذا فقد كان يطلق تصريحات تحتمل عدة تأويلات تبين في الأخير أن الرجل لم يكن يعبر عمّا يريده الكولون وأنصار الجزائر الفرنسية .

والمستوطنين الذين رؤوا في إقرار ديغول بحق الجزائريين في تقرير المصير ما هو إلا تضحية بالمصالح العليا لفرنسا قد كانوا على خطأ في هذا الأمر لأن المؤرخين يخبروننا بأن الكولون هنا يرتكبون مغالطة واضحة ذلك أنهم لا يفرقون بين مصالح الدولة الفرنسية ومصالحهم هم والتي رأي ديغول أنه من الحكمة التخلص منها لكونها تتصادم ومستقبل الدولة الفرنسية وهي خطيئة لم يغفرها غلاة الكولون له حتى أنهم حاولوا اغتياله وهذا من بعد أن رفعوا شعار الموت لديغول .

ومع كل هذا فديغول يعلنها في مذكراته وبشكل واضح وصريح من أنه كان يحلم ويود ويرغب ويتمنى بأن تصبح الجزائر فرنسية كما أصبحت وبقت فرنسا رومانية من عدة أوجه ولئن كان هذا هو حلم الرجل فكيف يأتي اليوم من يدعي بأن الرجل كان قد وعد الجزائر بالاستقلال ولذا فعلينا أن لا ننظر إلى ديغول نظرة انشطارية تفصله عن مجرى سير الأحداث في الجزائر فالرجل هو حلقة من حلقات السياسة الفرنسية المنتهجة تجاه الجزائر وثورتها ولكنه كان آخر حلقاتها .

علما أنه وإلى غاية 1961 كان هناك من لا يزال يحلم بالجزائر الفرنسية وعلى رأسهم الجنرال زيلر André Zeller وشال challe ولا ننسى من قبلهم غلاة الكولون والذين أوصلوا ديغول إلى السلطة وفي اعتقادهم أنه هو من سوف ينقذ الجزائر الفرنسية من الزوال والاندثار وكان هذا وكما هو معلوم للج