رأي

في الحاجة إلى قراءة جديدة للنص الديني

 

 

 

 

 إن الله لم يحصر الاجتهاد في أمة دون أمة، ولا خص به جيلا دون جيل، بل شرف به عباده الممتلكين للأداة التحليلية المستوفية لشروط المعرفة اللغوية، والتاريخية، ومختلِفِ علوم الدين، باعتباره سند صلاح القرآن لجميع الأزمنة وكافة الأمكنة. لكننا نرى علماء زماننا ينكصون عن قراءة القرآن كلما ظهرت محدثة من محدثات العصر الحديث حينما يعودون إلى ما قاله السلف من الفقهاء الذين فسروا لزمان غير زماننا، فبقيت الدلالة القرآنية، تبعا لذلك، رهينة التفسيرات القديمة المتقادمة، وظل مجال الاجتهاد مغلقا في وجوه الناس، منذ بدأ الفكر الأرثوذكسي في حراسة التراث التأويلي، وإخراج كل العقول المحلِّلة من الملة والدين.

إن نصية القرآن الكريم ولغويته، أي كونه نصا وكونه لغة، تقتضيان استساغته للدلالات المفتوحة على الأزمان المتغيرة، وشؤون الحياة المتجددة. ليس لأن ذلك من المتطلبات التي تقف عليها صلاحية النص القرآني فحسب، بل لأن النص اللغوي قائم في أساسه على اختلاف المعاني والدلالات، بغض النظر عن مقاصد المتكلم التي يستحيل تطابقها مع مقاصد النص رغم إحاطتها بشروط إنتاج الكلام التي تسمى في أدبيات تفسير القرآن بأسباب النزول.

وقد استجدت في التناول التحليلي للنصوص، على اختلاف أنواعها، توجهات تمثل عصارة التجربة الفكرية للبشر على امتداد القرون، مما لا يعرف عنه التفكير الأرثوذوكسي أي شيء. ويبدو من العار على كثير من المتشددين الدينيين استبعادُ هذه التوجهات تحت ذريعة زائفة زائلة هي اعتبارها منتوجا غربيا وكافرا، أو تركة يهودية هادمة، كما قال عبد الوهاب المسيري أو محمد مفتاح عن “التفكيكية” على سبيل المثال لا الحصر.

ومن ثم يكون ركود التفكير النقدي في الفكر الإسلامي مبررا بإعراضهم عما أنتجته الحضارة الإنسانية في مجال الفكر والتحليل، رغم إقباله على منتجاتها المادية، رغم أن التاريخ المعاصر ينقل لنا اجتهادات فقهاء كانوا يُحَرمون آلة النسخ لأنها منتوج غربي، وتساءلوا في كثير من فتاواهم إن كان الاغتسال بصابون الإفرنج، أو التطيب بعطرهم، حلالا. ومن عيوب الفكر الأرثوذكسي أنه يرفض بشكل قطعي التعرف على هذه التوجهات الجديدة في التحليل لمجرد انتمائها الحضاري الممثل في الحضارة الغربية “الكافرة” و”الفاجرة”، أو لضعف في آليات مواجهتها النقدية، أو لتعذر سبل الوصول إليها لأنها مكتوبة بلغة الكفار.

وفي المقابل، لا يوجد تبرير آخر لجمود التفكير النقدي في القرآن، سوى عدمِ امتلاك العقل التحليلي الإسلامي لأدوات جديدة لتناول الظاهرة اللغوية، خصوصا أن هذه المهمة أسندت بشكل غامض إلى الفئة المتشددة في الدين، وتُنتزع، بشكل غامض أيضا، من الفكر المنفتح رغم امتلاكه لذات الآليات التي تمتلكها الفئة الأولى. وهذا الأمر يحتاج فعلا إلى أن نضعه محل نظر.

ولعل نضوب الاجتهاد في النص الديني وزواله يرجعان في حقيقة الأمر إلى إسناد مهمة التفسير والتأويل إلى المتشددين الدينيين، إذ كيف يستقيم الاجتهاد مع أنماط تفكير تعتبر المجازات اللغوية قاطعة الدلالة، وكيف ننتظر منها البت في أمور الحياة إلا بشكل غريب لا يستقيم مع شروط المجتمعات المعاصرة. والحقيقة التي لا يشوبها شك، هي أن وضع مقبض الحكم في أيدي هذه الفئة سيجعلها تعيدنا القهقرى إلى أشكال العقاب التقليدية المتجلية في القتل والرجم وقطع الأيدي، رغم أن البشرية مرت من مخاض عسير لإنجاب مؤسسة عقابية نسميها بلغة عصرنا: “السجن” (وقد تحدث “مشيل فوكو” عن هذه الولادة العسيرة في كتابه “المراقبة والمعاقبة”). وقس على ذلك في كل أمور الحياة.

وأظن أن إسناد مهمة التفسير إلى الفئة الأكثر انفتاحا، والمتمكنة من أدوات المنهج العلمي الحديث، سيشرع الباب للدلالات المفتوحة التي تراعي القيم الإنسانية السمحة، وتبشر بإسلام عماده فقهُ الاختلاف، وتنزع عن هذا الدين صورته الإرهابية المخيفة التي ألصقها به الفكر التقليدي.

ولهذا يبدو سؤال تجديد معاني القرآن الكريم مشروعا في ظل جمود العقل الإسلامي وعدم قدرته على اقتحام مسكوت اللغة ونبشِه، لأننا لم نعد ندرك إن كانت معاني القرآن ودلالاتُه مستنزفة، فنقرأ على رجال الدين السلام، لأنه لم يعد هناك ما يبرر وجودهم، أم أن خلاصة الأمر هي رغبة العقل الأرثوذكسي في الحفاظ على نمط التفكير الديني الذي ساد منذ قرون.